منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام
منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام
منتدى قالمة للعلوم السياسية
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» طريقة تحميل مقالات jstor والمواقع المحجوبة
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف رستم غزالي الثلاثاء يوليو 27, 2021 3:31 pm

» النظرية الكلاسيكية و النيوكلاسيكية
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف salim 1979 السبت مايو 01, 2021 12:49 pm

» امتحان الدورة العادية الأولى في مادة التكنولوجيا والأمن
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف salim 1979 الإثنين مارس 29, 2021 10:36 am

» امتحان الدورة العادية الأولى في مادة تاريخ العلاقات الدولية
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف salim 1979 الإثنين مارس 29, 2021 1:01 am

» امتحان الدورة العادية الأولى في مادة تاريخ الفكر السياسي 2021
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف salim 1979 الثلاثاء مارس 23, 2021 10:19 am

» الروابط المباشرة الخاصة بالبطاقة الذهبية
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف ndwa الثلاثاء مارس 02, 2021 10:27 am

» تواريخ مسابقات دكتوراه علوم سياسية 2021
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف salim 1979 الثلاثاء يناير 26, 2021 9:59 pm

» منهجية البحث العلمي: تلخيص عملي
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف salim 1979 الأحد يناير 24, 2021 5:01 pm

» أعداد مجلة المعرفة 1962-2016
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyمن طرف salim 1979 الجمعة يناير 22, 2021 6:34 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Ql00p.com-2be8ccbbee

 

 البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا-

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 42
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5259
نقاط : 100012103
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Empty
مُساهمةموضوع: البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا-   البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyالخميس فبراير 14, 2013 10:01 am

البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا-

حسين بلخيرات

تقديم:

يكاد يكون مفهوم الديمقراطية من أكثر المفاهيم جاذبية على المستوى العالمي في الوقت الراهن ولا يخلو أي خطاب سياسي في أي دولة من محاولة توظيف هذا المفهوم إن بشكل واقعي يفسر الحالة السياسية لبعض الدول أو بشكل دعائي غير مطابق للواقع في دول كثيرة أخرى.

ومن حيث الالتزام بالديمقراطية كنظام حكم يمكن تصنيف دول العالم إلى ثلاث أصناف أساسية : يقع ضمن الصنف الأول دول تعتبر ديمقراطيات راسخة تشبعت من الممارسة الديمقراطية عبر تاريخ طويل وفي البيئة السياسية الدولية الراهنة والمعبر عنها بمرحلة العولمة لم تعد تلتزم هذه الدول بالحفاظ على الممارسة الداخلية على المستوى الداخلي فقط ولكنها تراهن على تصدير الديمقراطية كجزء أساسي من سياستها الخارجية والحقيقة أن ذلك لا يرتبط باعتبارات أخلاقية بقدر ما يتعلق باعتبارات مصلحية تتعلق بالأمن والنفوذ .
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- An3m1.com_13608260011

ويقع ضمن الصنف الثاني دول عرفت تطبيقا نموذجيا لمفهوم التحول الديمقراطي بعد أن كانت الحالة السياسية في هذه الدول أبعد ما تكون عن الحكم الديمقراطي ودون أن تعبر الممارسة الديمقراطية فيها عن تقاليد ديمقراطية راسخة فان هذه المجموعة من الدول حققت مستوى معقول جدا من التحول الديمقراطي بداية من انتشار الثقافة الديمقراطية في نسيجها الاجتماعي إلى التطبيق الواسع للجوانب الإجرائية في الحكم الديمقراطي ، وصارت هذه المجموعة من الدول نموذجا جذابا – على المستوى الأكاديمي- ومحرجا – على مستوى أنظمة الحكم – بالنسبة إلى صنف أخر من الدول تأخرت عن تحقيق أي مستوى ولو محدود من التحول الديمقراطي وهذا هو الصنف الثالث المقصود في التقسيم السابق .



وحسب ما تشير إليه المعطيات الواقعية فان المنطقة العربية تشكل المحور الرئيس لذلك الصنف من الدول الذي استعصى على تحيق تحولات ديمقراطية فعالة حتى أصبحت المنطقة العربية محل دراسات كثيفة ومعمقة دوليا وعربيا لتفسير هذه الخصوصية وإذا كان محاولة فهم معوقات التحول الديمقراطي في المنطقة العربية تمثل الإطار العام لهذه الدراسة فان التوقف عند خصوصية الحالة الجزائرية هو المضمون الخاص لها.

ومن حيث وجود مجموعة من العوامل تفسر عدم الوصول إلى مستوى مقبول من التحول الديمقراطي في الدول العربية حتى وان اختلفت تأثيراتها من دولة عربية إلى أخرى ، فان نقطة البداية في هذه الدراسة هي الافتراض أن الحالة الجزائرية وان كانت متأثرة بمجموعة من العوامل الموجودة في دول عربية أخرى كما تنتفي فيها تأثيرات عوامل أخرى فإنها تتوافر على عوامل إضافية خاصة تفسر خصوصية هذه الحالة ، وإذا كانت المنطقة العربية تشكل استثناءا من دول العالم فيما يتعلق بتقبل تحولات ديمقراطية فان الحالة الجزائرية تشكل خصوصية أيضا من المنطقة العربية فيما يتعلق بمعوقات التحول الديمقراطي .



أولا- معوقات التحول الديمقراطي في المنطقة العربية: الإطار العام

يمكن اعتبار المسالة الديمقراطية من أكثر المسائل اهتماما من طرف الباحثين في المنطقة العربية ، وإذا كان النزوع إلى ذلك من طرف فئة من هؤلاء الباحثين نزوعا تبشيريا يتعلق بإثبات ضرورة الالتزام بالحكم الديمقراطي لتجاوز كل الأزمات التي تعرفها الدول العربية وخاصة أزمات ممارسة الحكم حيث اهتمت هذه الفئة من الباحثين بالمسألة الديمقراطية في إطار الدراسات المقارنة من خلال تحليل السياسات العامة للدول التي تعرف حكما ديمقراطيا مع تلك المطبقة في الدول العربية والمحصلة في ذلك هي الانكباب على نزوع تبشيري بأهمية وفعالية الحكم الديمقراطي لبناء الدولة الحديثة والتي تمثل المطلب الأساسي لكل الفئات المجتمعية.

في حين اهتمت فئة أخرى من الباحثين بمحاولة التعمق في الأسباب والأبعاد التي تحول دون حدوث تحولات ديمقراطية حقيقية في الدول العربية واستمرارها كمنطقة جغرافية معزولة ومستعصية عن الموجة العالمية للتحول الديمقراطي ولا يوجد اتفاق داخل هذه الفئة من الباحثين حول تفسير واحد ولكن حددت مجموعة من التفسيرات وعلى جميع من المستويات في شكل جملة من الأبعاد تختلف أولوية تأثيراتها كمعوق للتحول الديمقراطي في المنطقة العربية ومن باحث إلى آخر ومن دولة عربية إلى أخرى وبصورة عامة يمكن إجمال هذه الأبعاد في ما يلي :



1- البعد الاجتماعي:

وهو ذلك الذي يتعلق بالبنية الاجتماعية للمجتمعات العربية التي تؤسس حسب مجموعة من الباحثين اهتموا بدراسة تأثير هذه البنية كمعوق للتحول الديمقراطي في المنطقة العربية – هشام شرابي ، محمد جابر الأنصاري …- لمنطق انقسامي يتمحور حول طغيان الولاء للقبيلة والعشيرة والطائفة في حين أن الحكم الديمقراطي يتناسب مع منطق الدولة الحديثة والذي من أهم مميزاته انه منطق توحيدي تكاملي وليس منطقا انقساميا.[1]

فإذا كانت التمايزات الاجتماعية قد تم تجاوزها في الدول الديمقراطية من خلال تأصيل مبدأ المواطنة فان طغيان الولاء القبلي والعشائري والطائفي للفرد العربي يحول في نظر هذه الفئة من الباحثين دون الانتشار السليم للقيم اللبرالية داخل هذه المجتمعات والتي تشكل الايدولوجيا العامة للحكم الديمقراطي لأنها ستؤسس لمنطق صراعي داخل هذه الدول من جهة ومن جهة أخرى تبدو مبررات دعائية قوية لاستمرار نزعة التسلط .

2- البعد الاقتصادي: وهو يرتبط بمسألتين أساسيتين الأولى تلك التي تشرح العلاقة بين احتكار السلطة واحتكار الثروة بمعنى توضيح الارتباط بين التطابق بين العائلة الحاكمة والعائلة المالكة في بعض الدول العربية أو التوافق بين الطبقة الحاكمة والطبقة المالكة في دول عربية أخرى أي أن حدوث أي تحول ديمقراطي حقيقي سيفضي إلى نوع من التوزيع العادل للثروة باعتباره قيمة ليبرالية أساسية وذلك يعني بالضرورة كسر قاعدة الارتباط تلك .

أما المسألة الثانية فتتعلق بتوظيف التحول الديمقراطي الشكلي للتغطية على فشل التجارب التنموية أي كعامل تنفيس للفئات المجتمعية المختلفة والتي كانت الهدف المباشر للآثار السلبية لفشل هذه التجارب وصفة التحولات الشكلية هنا ترتبط بالتخوف من تطور مسار فقدان التأييد الشعبي إلى انهيار الشرعية وبالتالي انهيار الاستقرار السياسي لهذه الأنظمة .[2]

3- البعد الثقافي : فالنسبة للباحثين الذين اهتموا بدراسة معوقات التحول الديمقراطي في المنطقة العربية في الإطار الثقافي فقد حاولوا إثبات عدم التوافق بين الثقافة العربية الإسلامية السائدة في المنطقة مع القيم الديمقراطية التي يصعب تقبلها ضمن نسيج ثقافي مختلف تماما وحتى متناقض معها وقد اهتم هذا الفريق من الباحثين بتحليل التراث السياسي الإسلامي والأرضية الثقافية التي تشكلت كمحصلة له والتي لا تملك في نظرهم أي مستوى من التقبل والملائمة مع النظم الديمقراطية.[3]

4- البعد السياسي : على هذا المستوى يمكن حصر معوقات التحول الديمقراطي حسب الدراسات المطروحة عربيا ودوليا في ثلاث محددات أساسية: الأول يتعلق بالعلاقة بين السلطة والمعارضة والذي لفت الانتباه إلى هذا المحدد هو عالم السياسة الأمريكي وليام زارتمان الذي يرى أن العلاقة بين السلطة والمعارضة في الوطن العربي هي علاقة شاذة أو ما سماه هو المعارضة كدعامة للدولة حيث تظهر كل من المعارضة والسلطة ليس في ادوار تنافسية تتيح المجال للتناوب على السلطة ولكنها علاقة تكاملية حيث يؤدي كل منهما دورا معينا داخل نظام الحكم يضمن له الاستقرار : استقرار السلطة في موقعها واستمرار المعارضة في موقعها .[4]

والمحدد الثاني هو أولوية بناء الدولة على الممارسة الديمقراطية ويعود ذلك إلى الفترة اللاحقة المباشرة لاستقلال الدول العربية حيث تم الربط بين قوة الدولة وبين نجاح مسار بناءها وقد فسرت قوة الدولة بضرورة بسط الهيمنة على كل المؤسسات المجتمعية وتطبيق فكر أحادي في إدارة الدولة والمجتمع .

أما المحدد الثالث فيتعلق بالخوف من تأثر الطابع العلماني للدولة أي ذلك الخوف من استغلال الحركات الإسلامية للآليات الإجرائية للحكم الديمقراطي في الوصول إلى السلطة ثم الانقلاب عليه نتيجة عدم الاقتناع بالأسس الفكرية له والتي تتمحور حول مفهوم العلمانية , فالعلمانية هي الإطار العام – بالنسبة إلى الباحثين الذين قدموا هذا التفسير - الذي يمارس فيه الحكم الديمقراطي وبالتالي الخشية من استبدال الطابع العلماني للدول العربية بطابع ديني يحدث تغييرا ثوريا في إدارة المجتمع والدولة.

ويمكن بعد استعراض جملة هذه الأبعاد المفسرة لغياب تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية التوقف عند ملاحظتين أساسيتين:

الأولى : تشير إلى أن الجهود الأكاديمية الهادفة إلى تفسير استعصاء المنطقة العربية على حدوث تحول ديمقراطي حقيقي هي جهود فردية أكثر منها جهود جماعية قائمة على منطق الحوار و هذا ما يفسر تعدد الأطروحات والتصلب في الدفاع عنها حيث نجد استسهالا لصيغة التعميم لكل بعد من هذه الأبعاد بالنسبة إلى فئة الباحثين الذين تحيزوا له . مع أن خصوصية كل دولة عربية تفرض منطقا منهجيا مغاير لذلك ، كما يفسر ذلك من جهة أخرى قلة الدراسات الناقدة لجهود البحث في العوامل المؤثرة في الحؤول دون حدوث تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية وهي من الأهمية القصوى التي تستدعي الاهتمام الأكاديمي .

الثانية : أن هناك من الباحثين من وقعوا في الخلط بين الأسباب والمظاهر وهي التي تجاهلت الإشارة إليها ، كالذين فسروا غياب تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية بهشاشة تركيبة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وهذا في الحقيقة مظهر من مظاهر غياب الحكم الديمقراطي أكثر منه تفسيرا لغيابه ،فالتعددية الحزبية التي ظهرت في المنطقة العربية هي تعددية موجهة وليست مستقلة عن منطق الهيمنة السلطوية .



ثانيا : معوقات التحول الديمقراطي في الجزائر : تحليل لعامل الخصوصية

يحتاج تحليل خصوصية الحالة الجزائرية فيما يتعلق باستكشاف معوقات التحول الديمقراطي التفصيل في محددين أساسيين: الأول تتعلق بإسقاط الأبعاد المفسرة لغياب التحول الديمقراطي في المنطقة العربية على الحالة الجزائرية والثاني تلمس وتحليل العوامل الإضافية المؤثرة في خصوصية الحالة الجزائرية اتجاه التحول مسألة الديمقراطي وإذا ما بدأنا بالمحدد الأول فان ذلك يفرض التوقف عند الملاحظات التالية :

أ- حتى وان كان التاريخ الاجتماعي للجزائر قد عرف الانتشار الواسع لمفهوم القبلية حيث كانت التشكيلات الاجتماعية في الجزائر قبل العهد الاستعماري مطبوعة بطابع قبلي قائم – كما يشرح الباحث الاجتماعي الجزائري هواري عدي – على الملكية العقارية العامة ، وعلى سبيل المثال فان الجزائر سنة 1830[5]عرفت وجود ما يقارب 774 قبيلة ومع ذلك فان مفهوم القبيلة في التاريخ الاجتماعي الجزائري له مفهوم خاص حيث كان لا يشير إلى معنى الولاء بقدر ما كان يعبر - كما يرى هواري عدي دائما - على رغبة الفرد الجزائري في الهيكلة الجماعية لسلوكه الاجتماعي في إطار الملكية العقارية الجماعية .

كما أن التنظيم القبلي بدأ في التلاشي في المرحلة الاستعمارية حيث حددت احد الأهداف الرئيسة للسياسة الاستعمارية في تفكيك التنظيم القبلي ليس لاعتبارات أخلاقية تتعلق بنشر الحداثة والمدنية بقدر ما كانت تتعلق باعتبارات مصلحيه تتعلق بتثبيت النظام الاستعماري إذ كان ينظر للقبيلة باعتبارها معيقة- كما يشرح هواري عدي دائما - للنظام الاستعماري وذلك من حيث أن القبيلة تمثل الإطار الاجتماعي للملكية العقارية العامة ، في حين أن تمليك المعمرين كان يقتضي نزع الملكية العامة وتطبيق الملكية الخاصة وكان ذلك من الناحية التاريخية بداية من قرار مجلس الأعيان سنة 1863 والذي وزع القبائل على تجمعات اصطناعية تسمى الدوار. والذي تطور مع سنوات الاستعمار إلى كيانات مدنية مختلفة .[6]

وعشية الاستقلال كان النظام القبلي في صيغته التقليدية غير معبر تماما عن التنظيم الاجتماعي داخل المجتمع الجزائري وتم تعويضه بروابط مدنية حضرية ولذا فان بناء الدولة الجزائرية منذ الاستقلال لم يصطدم بأي نوع من أنواع الولاء القبلي الذي يفرض منطقا انقساميا يحول دون حدوث تحول ديمقراطي حقيقي ولذا يبدو غير مطابقا للواقع تفسير غياب التحول الديمقراطي في الجزائر بأبعاد اجتماعية تتعلق بارتباط الفرد الجزائري بكيانات جزئية – قبيلة ، عشيرة ، طائفة – تحول دون التزامه بمبدأ المواطنة وهو المبدأ الملازم للحكم الديمقراطي.



ب- حتى وان كان تاريخ الجزائر المستقلة قد عرف فشلا معروفا للتجارب التنموية بداية من مشروع العشرية 1967-1977 والذي هدف إلى بناء قطاع عام واسع وقوي مع التركيز على قطاع التصنيع ولكن الاصطدام مع مشكلات التقانة أثر على المردودية الاقتصادية للمؤسسات ودخولها في عجز مالي مستديم إضافة إلى الاستمرار في الاعتماد على الريع النفطي كمصدر أساسي للدخل وتبعا لانهيار أسعار النفط سنة 1986انهارت الموارد المالية بشكل واسع في مقابل تطور الحاجة إلى الإنفاق العام ومع التأثيرات الاجتماعية الواسعة للانهيار الاقتصادي كان اللجوء إلى الترويج للتعددية الحزبية كعامل تنفيس للفئات المجتمعية المختلفة. [7]

لكن خصوصية الوضع الجزائري كانت في أن أول انتخابات تعددية حقيقية [8] أفرزت وصول قوة سياسية معادية أيدلوجيا لسلطة الحكم وإذا كانت نتائج التعددية الحزبية في كل الدول العربية الأخرى قد تم التحكم فيها فان وصول هذه القوة سياسية إلى مواقع سلطة الحكم قد أعطى للسلطة الحاكمة آنذاك أسبابا أعمق لخطورة أي تحول ديمقراطي حقيقي ، بمعنى أن فشل التجارب التنموية في معظم البلاد العربية والتي أجبرت أنظمة الحكم على اللجوء إلى تطبيق تحول ديمقراطي شكلي كعامل تنفيس قد كانت له انعكاسات ثورية في الوضع السياسي الجزائري تطلب تصحيحها والتحكم فيها القيام بانقلاب عسكري بمعنى أن النتائج الثورية لأول انتخابات تعددية في الجزائر قد نقلت العلاقة بالنسبة إلى السلطة الحاكمة آنذاك من مستوى الاقتصادي – السياسي إلى مستوى الأمني – السياسي وصار ينظر للتحول الديمقراطي باعتباره مشكلة أمنية.

ج- أن تأثير فترة الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان تأثيرا عميقا نفى تأصل التراث السياسي الإسلامي في الثقافة السياسية للفرد الجزائر وحتى وان كانت الأطروحات التي ترى بعدم توافق التراث السياسي الإسلامي مع القيم الديمقراطية هي محل انتقاد دائم فإنها حتى مع التسليم بها فقد تأثرت بالسياسة الاستعمارية الفرنسية إلى أقصى الحدود ليس لاعتبارات أخلاقية تتعلق بنشر الحداثة وإنما للتمكين لفكرة التوطين داخل المنظومة الاستعمارية وعن تأثيرات ذلك – يرى الباحث الجزائري هواري عدي - انه إذا كنت الطبقة البرجوازية هي التي كانت المؤسسة تاريخا للنظم الديمقراطية ،فان البرجوازية الاستعمارية لم تستطع فعل ذلك في الجزائر إذ أن هذه الطبقة لم تكن قادرة على استيعاب تناقضات المجتمع الكولينالي نفسه حيث كان هناك حتمية لتكريس ثنائية المواطن الأوربي والفرد الأصلي تجسيدا لمنطق طبقي ينافي تماما مفهوم المواطنة.[9]



على هذا الأساس فان خصوصية الحالة الجزائرية فيما يتعلق بعوائق التحول الديمقراطي تستوحي من عوامل أخرى غير تلك التي تمثل الإطار العام لمعوقات التحول الديمقراطي في العام العربي وإذا كان الهدف هو التحديد الدقيق لخصوصية الحالة الجزائرية فانه من المفيد في هذا السياق تتبع التطور التاريخي لممارسة السلطة في الجزائر المستقلة ثم التوقف عند الخصائص الراهنة لنظام الحكم الجزائري كنموذج لتأثر عاملين كبيرين يحولان دون التوصل إلى تحول ديمقراطي حقيقي في الجزائر:
أ- الطبيعة التوازنية للسلطة: تعديل لأطروحة وليام زارتمان :

إذا كانت أطروحة وليام زارتمان تكشف العاقة التكميلية بين السلطة والمعارضة داخل انساق الحكم العربية في حين أن الحكم الديمقراطي يقضي بان تكون هذه العلاقة تنافسية تناوبية فان خصوصية الحالة الجزائرية ،المرتبطة في جانبها الأساسي بالطبيعة التوازنية للسلطة، تفرض تعديلا لهذه الأطروحة لتكون تفسيرا دقيقا لخصوصية الحالة الجزائرية وهذه الطبيعة التوازنية تؤسس لحراك صراعي داخلي على السلطة – من داخل الأطراف المكونة لها- يتم الدعاية له باعتباره حراك تناوبي وبالتالي فقدان الحاجة إلى أي طرف خارجي – خارج مجال السلطة – يمكن أن يمارس دور المعارضة .

وإذا كانت أطروحة وليام زارتمان قد نظرت لسلطة متجانسة مع التوظيف المحسوب والشكلي لأحزاب المعارضة السياسية يضمن استمرار السلطة في سلطتها والمعارضة في معارضتها في الواقع السياسي العربي ، فان الحالة الجزائرية تشكل استثناءا من هذا الواقع حيث يمارس فعل المعارضة داخل مجال السلطة نفسها حيث يمكن لأي طرف من أطراف السلطة أن يمارس دور السلطة ودور المعارضة في نفس الوقت مع الاختلاف في درجة التأثير وكذلك حدة النافس وبالتالي فان هذا الحراك الصراعي – مهما اختلف تأثيره وحدته – يغطي على الحاجة إلى طرف خارجي من خارج مجال السلطة ليمارس دور المعارضة بمعنى أن الحالة الجزائرية تشير إلى طبيعة دوارانية لممارسة السلطة والمعارضة داخل مجال السلطة نفسها يتم الدعاية له على انه حراك تناوبي على ممارسة السلطة دون أن يكون كذلك في الحقيقة

إن التتبع التاريخي لتطور نظام الحكم الجزائري سيمكن من اكتشاف ملازمة هذه الصفة للسلطة الحكم في الجزائر كحقيقة تاريخية تعود أصولها إلى الصراع السياسي خلال الثورة التحريرية [10] ويمكن من أجل التحديد التاريخي الدقيق لذلك تقسيم مراحل تطور سلطة الحكم في الجزائر إلى خمس مراحل مع التركيز على المرحلة الخامسة والتي تمثل المرحلة راهنة أي مرحلة حكم الرئيس بوتفلبقة

المرحلة الأولى : حكم الرئيس أحمد بن بلة 1962-1965: الطبيعة التوازنية للسلطة في هذه المرحلة كانت تستند إلى صراع شخصي بين ثلاث شخصيات تاريخية جزائرية ، فبعد تشكيل الحكومة في سبتمبر 1962 توزعت القوة داخل سلطة الحكم بين ثلاث شخصيات :احمد بن بلة و محمد خيضر و هواري بومدين ، وقد حاول كل منهم توجيه السلطة لمصلحته حيث عمل محمد خيضر باعتباره أمينا عاما لجبهة التحرير الوطني على تحويل الجبهة من تنظيم عسكري إلى حزب جماهيري يسيطر على نشاطات الدولة ، وعمل هواري بومدين باعتباره وزيرا للدفاع على إعطاء دور مهم للجيش في الحياة السياسية للبلاد أما احمد بن بلة بوصفه رئيسا للدولة فقد عمل على تقوية سلطة مركزية يدعمها مكتب سياسي مؤلف من أهم شخصيات جبهة التحرير الوطني والجيش.

فالإتلاف الذي شكل الحكومة كان عبارة عن صراع بين هذه الشخصيات الثلاث حول أسلوب ممارسة السلطة ووسائل بناء النظام السياسي وإذا كان محمد خيضر قد استقال من منصبه في ابريل 1963 بسبب الخلاف حول ضرورة إخضاع الحكومة للحزب و في ذات الوقت الذي تمكن الرئيس بن بلة من السيطرة على أمانة الحزب ورئاسة الدولة ورئاسة الحكومة وعدد من الوزارات المهمة والجمعية الوطنية إلا أن هذا النزوع الديكتاتوري اصطدم بالانقلاب الذي قاده هواري بومدين بوصفه وزيرا للدفاع واستلامه منصب الرئاسة [11] .

المرحلة الثانية 1965-1978 مرحلة الرئيس هواري بومدين : تعتبر هذه المرحلة الأكثر استقرار في تاريخ الجزائر المستقلة والأقل تأثرا بالطبيعة التوازنية لسلطة الحكم ومع ذلك فانه يمكن تقسيم هذه المرحلة إلى فترتين ، الفترة الأولى عرفت قيام سلطة متجانسة من خلال إنشاء مجلس قيادة الثورة والذي أصبح المؤسسة الحاكمة في البلاد ، وباستثناء محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها العقيد الطاهر الزبيري سنة 1967 فان هذه الفترة عرفت استقرار سياسيا ملحوظا ، لكن الفترة الثانية والتي كانت أكثر تأثرا بالطبيعة التوازنية للسلطة تجلت مع اعتماد الإستراتجية الصناعية كمحور للتنمية حيث ظهر هناك جناحان متصارعان على سلطة الحكم يمثل الأولى النخبة العسكرية التي أخذت صلاحية واسعة في نظام الحكم منذ وصول الرئيس بومدين إلى سدة الحكم باعتباره كان مؤيدا للتدخل المباشر للجيش في الحياة السياسية ، أما الجناح الثاني فتمثله النخبة التكنوقراطية التي أخذت أهميتها تزداد بفعل تحكمها في السياسة الصناعية والتي أصبحت المحور الأساسي للتنمية.[12]

المرحلة الثالثة الرئيس الشاذلي بن جديد : 1978-1991: فبعد وفاة الرئيس بومدين ة قام المجلس الشعبي الوطني بدوره الدستوري والمتعلق بالنقل الشرعي للسلطة ، ومن هنا بدأ الصراع بين جماعات النخبة للسيطرة على سلطة الحكم بين تيارين أساسيين : التيار الأول يمثل الميول الاشتراكية ويدعمه صغار الضباط ، أما التيار الثاني فيمثل الميول اللبرالية وتدعمه القوى البرجوازية الصاعدة وقادة الجيش ، وهذا الصراع بين التيارين هو الذي حكم ممارسة السلطة طيلة فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد[13].

المرحلة الرابعة : مرحلة الأزمة الأمنية 1991- 1999 : إن تحليل هذه الفترة مهم جدا لفهم تفاعلات الطبيعة التوازنية على السلطة في المرحلة الراهنة حيث تميزت هذه الفترة باستحضار مفهوم الامننة كمصدر للشرعية مما يتيح التمكين للمؤسسة العسكرية الانتقال من الدور التاريخي لها كضابط للحراك السياسي إلى صانع له وقد تم ذلك من خلال اللجوء إلى إستراتجيتين:

1- إستراتجية الفوضى الخلاقة : [14]حيث تم اللجوء إلى تفكيك كل المؤسسات الرسمية للدولة ( المدنية تحديدا) وإعادة تشكيلها في صيغة تبرر الدور الجديد للمؤسسة العسكرية إلى غاية ما يسمى باستكمال البناء المؤسساتي للدولة مع الانتخابات التشريعية والمحلية لسنة 1997 حيث كانت هناك حاجة بالمقابل إلى نفي الطابع العسكري عن نظام الحكم في الجزائر في وضع تكاثفت فيه الضغوط الدولية حول تحديد المسؤوليات في النزاع الداخلي .

2- اعتماد نظام الوحي المهيمن (cover guardian system ) : [15] والمتعلق بقناعة من النخبة العسكرية أنه لا يمكن تحقيق الأهداف السياسية للتدخل دون الاستيلاء على المواقع المباشرة للسلطة حيث لو ترك الوضع كما هو فستؤول القوة جبهات معارضة في التوجهات والأهداف ، في ذات الوقت الذي تم اللجوء فيه إلى اعتماد ما يسمى بنظام الوحي المهيمن حيث تعمل النخبة العسكرية على تأييد نظام سياسي يتصور انه قادر على تحقيق المصلحة القومية وإمداد بالتأييد المناسب لفتر طويلة من الزمن .

وقد ظهرت العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية قبل وصول الرئيس بوتفليقة إلى السلطة في ثلاث صور رئيسية :

1 -محمد بوضياف - نموذج الصدام الانتحاري : فقد كانت هناك رغبة من الرئيس محمد بوضياف في ممارسة الحكم من خلال الصلاحيات الدستورية التي يكفلها الدستور الجزائري لسنة 1989 بحكم الغياب المطول لشخصه عن الوضع الداخلي في الجزائر والعجز عن فهم التحولات الجديدة داخل نظام الحكم وبالمحصلة كان ضحية مباشرة للصراع السياسي آنذاك.

2- المجلس الأعلى للدولة – نموذج التمثيل الرمزي : فوظيفة المجلس الأعلى للدولة كانت مرتبطة من جهة بإعادة بناء مؤسسات المدنية للدولة ومن جهة ثانية في نفي الطابع العسكري عن نظام الحكم رغم احتلال النخبة العسكرية للمواقع السلطوية المباشرة فيه ، وبالتالي فان هذه الوظيفة يمكن أن يشرحها نموذج التمثيل الرمزي لسلطة مدنية دستورية في البلاد رغم أن واقع ممارسة الحكم تختلف عن ذلك تماما .

3 - اليامين زروال – نموذج الاستقالة الاحتجاجية: وقد كان تسلمه لموقع رئاسة الجمهورية في وقت تطور فيه مسار استكمال بناء المؤسسات المدنية في البلاد ، وقد كانت هناك قناعة شخصية لديه أن هذا مفيد لصورة الجزائر الخارجية حيث شهدت فترة حكمه اكبر تطور للعمل المسلح حيث كانت هناك حاجة ماسة لتجنب الضغوط الدولية ، لكن تأثره بالافتقار الحاد إلى الصلاحيات في ممارسة السلطة من موقع رئاسة الجمهورية تحت التأثير الطاغي لنفوذ المؤسسة العسكرية دفعت به إلى الالتجاء إلى نوع من الاستقالة الاحتجاجية لعدم التورط أكثر في لسياسات هو غير مسئول عن صناعتها بشكل مباشر .





ب- فترة حكم الرئيس بوتفليقة كنموذج لتأثير الطبيعة التوازنية للسلطة على مسار التحول الديمقراطي

احتاج وصول الرئيس بوتفليقة إلى السلطة إلى إدارة صراع سياسي بهدف التمكين لمؤسسة الرئاسة من استرجاع مكانتها داخل نظام الحكم الجزائري وقد كان ذلك متأثرا بعاملين اساسسين :

*- المؤسسة العسكرية والصراع على مراجعة الأدوار : حيث عرفت فترة حكم الرئيس بوتفليقة انقسام المؤسسة العسكرية على مراجعة دورها داخل نظام الحكم بين فريق يدعو إلى الاستمرار في اعتماد نظام الوحي المهيمن كما تم توضيحه سابقا للحفاظ على اكبر حجم من النفوذ لهذه المؤسسة في ممارسة الحكم ، وبين فريق يرى حجم العزلة الدولية الذي ساد آنذاك اتجاه الدولة الجزائرية نتيجة الامتعاض والتوجس من الممارسات الخاطئة للنظام العسكري في الجزائر يبدو مبررا كافيا لتعديل دور المؤسسة العسكرية داخل نظام الحكم من اعتماد نظام الوحي المهيمن إلى اعتماد النظام المعتدل ( Moderat system) [16]حيث تبقى النخبة العسكرية في موقع يمكنها من ممارسة قوة معارضة عالية الدرجة على القرارات السياسية أي يكون تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون الحكم ذو طبيعة سياسية عالية في شكل جماعة ضاغطة على شاغلي منصب الرئاسة .

ولذا فان الحملة الدبلوماسية الطويلة والمتقنة التي قادها الرئيس بوتفليقة لتحسين صورة الجزائر الخارجية هي في جزء أساسي منها تفاعلا مع هذا الصراع حول مراجعة النخبة العسكرية لدورها داخل نظام الحكم وقد أثبتت نتائج انتخابات الرئاسية لسنة 2004 أن التصور الثاني الذي يدعو إلى اعتماد النظام المعتدل قد ترسخ داخل منظومة الحكم الجزائرية بشكل يسمح لمن يمارس السلطة من موقع الرئاسة – كما هو ممثل في شخص الرئيس بوتفليقة – الحصول على مساحة أوسع مع الحفاظ على القدرة على تكوين جماعة ضاغطة ذات طبيعة سياسية عالية ويمكن أخذ نموذج قانون المصالحة الوطنية الذي اعترف رئيس الجمهورية أن صيغته النهائية كانت محصلة لتوازنات معينة داخل نظام الحكم ، كما تظهر نتائجه أيضا في انسحاب جنرالات كانوا محسوبين على التصور الأول لدور المؤسسة العسكرية داخل نظام الحكم ( الجنرال محمد ألعماري كمثال).

*- الاستفادة من تجارب الرؤساء الآخرين : وتبعا للعنصر السابق فانه بالنسبة للرئيس بوتفليقة فان استنساخ تجارب الرؤساء السابقين في التعامل مع المؤسسة العسكرية يعني استنساخ تجارب فاشلة وبالمحصلة :

أ- لم يكن من الممكن التمسك بالدستور كسند لممارسة السلطة لان هناك إدراك عميق لوجود دستور افتراضي صنعته النخبة العسكرية لتسيير شؤون الحكم وهو ما يفسر عدم اهتمام الرئيس بوتفليقة بإجراء تعديلات دستورية لتوضيح طبيعة النظام السياسي الجزائري مع بداياته الأولى لممارسة الحكم رغم اعترافه أن دستور 1996 فيه الكثير من الاختلالات ، وتبعا لذلك التعامل المباشر مع الصراع الذي دار داخل النخبة العسكرية حول مراجعة دورها داخل نظام الحكم والاستفادة من ذلك إلى أقصى الدرجات.

ب- أن حجم الرهانات السياسية التي كانت مطروحة أمام من يشغل منصب الرئاسة مع التوجهات إلى تعديل دور المؤسسة العسكرية داخل نظام الحكم لم تكن تحتمل الاكتفاء بوظيفة التمثيل الرمزي لاختلاف الظروف السياسية بين حالة المجلس الأعلى للدولة و وصول بوتفليقة إلى السلطة ، فمراجعة دور المؤسسة العسكرية داخل نظام الحكم كان يتناسب مع دعم شخصية مدنية قوية يمكن الاطمئنان إليها لمسايرة التحولات الجديدة ، ويمكن الاستفادة منها أيضا في التغطية على أزمة الشرعية حيث لم تعد توجهات الامننة كافية كمصدر للشرعية حيث يتناقض ذلك مع الخطاب السياسي الرسمي الذي يبشر بالاقتراب من تصفية ظاهرة الإرهاب في الجزائر وأين يمكن للامتعاض الشعبي أن يصل إلى أعلى درجاته من رداءة الأداء السياسي لنظام الحكم في جزائر ما بعد الإرهاب.

ج- وبالمحصلة ورغم الضغوطات التي أفرزتها تفاعلات مراجعة دور المؤسسة العسكرية داخل نظام الحكم لم يكن من الممكن – بالنسبة إلى الرئيس بوتفليقة – الاندفاع إلى أي نوع من الاستقالة الاحتجاجية لان الأمر لم يعد يتعلق من جهة بجبهة موحدة للمؤسسة العسكرية وإنما عن انقسام واقعي داخلها ،ومن جهة ثانية فان ما كان يظهر انه مشكلة - أي تلك الضغوطات – صار هو المخرج وبالتالي توجب الرهان على هذا الصراع إلى أشده والذي عكسته نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة[17] .



*- مشروع المصالحة الوطنية كنموذج لتأثير الطبيعة التوازنية للسلطة [18]:

يعتبر مشروع المصالحة الوطنية أهم مشروع سياسي تم انجازه في فترة حكم الرئيس بوتفليقة ولذا فان تحليل تأثير الطبيعة التوازنية للسلطة على الصورة النهائية للمشروع يعتبر دالة في عمق تأثر ممارسة السلطة بالطبيعة التوازنية ، ففي مرحلة الأزمة الأمنية كان هناك تركيز كلي على الحلول الأمنية بالنسبة إلى النخبة العسكرية الحاكمة آنذاك وكان ذلك مرده إلى سببين أساسيين : الأول هو الارتباك الأمني الذي عرفه نظام الحكم في ذلك الوقت نتيجة وجود نفسه أمام تنظيمات مسلحة علنية تدعو إلى إسقاط النظام بالقوة المسلحة وإذا كان قد تم اتخاذ إجراءات ردعية فعالة اتجاه الجبهة الإسلامية للإنقاذ باعتبارها تمثيلا لجماعة إسلامية لها امتدادات اجتماعية فان استهداف قيادتها وقاعدتها الاجتماعية يتيح – وهو ما تم بالفعل – للسلطة الحاكمة تفكيك هذه الجماعة الإسلامية.

لكن ما شكل هاجس أمني دائم هو بداية بروز التنظيمات الإسلامية المسلحة والتي تكون نقطة انطلاقها خارج المدن [19]مع التأثيرات الأمنية الخطيرة التي تحدثها بداخلها وبالتالي فان تبلور الحلول الأمنية في شكل الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع هذه التنظيمات والتي استنزفت القوات الأمنية النظامية بشكل كبير وقد تصورت النخبة العسكرية آنذاك أن الإجراءات الأمنية التي تم التعامل بها مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ وهي التي استطاعت تفكيكها كجماعة إسلامية يمكن أن تكون فعالة أيضا للتعامل مع التنظيمات الإسلامية المسلحة المختلفة في حين أن هذا كان مخالفا للإستراتجية السليمة للتعامل مع هذه التنظيمات .

والسبب الثاني أن إستراتجية الفوضى الخلاقة التي اتبعتها النخبة العسكرية اتجاه المؤسسات المدنية للدولة والتي تقضي بتفكيكها وإعادة تركيبها بشكل يتيح للمؤسسة العسكرية أن تكون محور نظام الحكم قد وجدت لها سندا في التركيز على الحلول الأمنية للأزمة إذ كان يظهر في ذلك الوقت أن المؤسسة العسكرية بما فيها المؤسسة الأمنية هي المؤسسة الوحيدة التي مازلت تمارس نشاطها بفاعلية كبيرة بالمقارنة مع المؤسسات المدنية للدولة والتي لم تكن تجاوز كونها مجرد تمثيل مدني رمزي .

وبالتالي فان التركيز على الحلول الأمنية بالنسبة إلى النخبة العسكرية كان يخفي وراءه هدفا سياسيا رئيسا تمثل في نقل دور المؤسسة العسكرية من دورها التاريخي التقليدي في الجزائر المستقلة كضابط للحراك السياسي إلى صانع لها بمعنى أن تكون هي محور نظام الحكم الذي تدور حوله كل الإطراف الأخرى ولذا فان بداية حكم الرئيس بوتفليقة قد عكست اقتناعه الشخصي بجملة من المحددات :

1- أن الحلول الأمنية لوحدها لا تمثل الإستراتجية السليمة لحل الأزمة الأمنية لا من حيث إن التنظيمات الإرهابية في الجزائر هي اقرب إلى مفهوم التنظيم المسلح وليس باعتبارها جماعات إسلامية تجد قوتها الرئيسية في قاعدة اجتماعية معينة ولذا فان الاستمرار في مواجهتها عن طريق المواجهة العسكرية المباشرة هو استمرار لنزيف دم جزائري من دون أي مستوى معقول من الفعالية وكذلك من حيث أن الحلول الأمنية يتم استغلالها سياسيا من طرف النخبة العسكرية لتعزيز دورها داخل نظام الحكم.

2- أن مستوى التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة الأمنية في الجزائر قد بلغ درجة كبيرة وذلك من الجهتين ، فمن جهة أولى فان التنظيمات الإسلامية المسلحة قد عرفت هي نفسها انقسامات حادة نتيجة الاختلاف حول المرجعية الفقهية التي تبيح أعمال معينة بالنسبة إلى تنظيم ما في حين توجد مرجعية فقهية أخرى بالنسبة إلى تنظيم آخر وأما بالنسبة إلى السلطة الرسمية فقد كان التعامل مع الأزمة الأمنية من خلال إستراتجية التعقيد بالشكل الذي يخفي أي دور سلبي لنظام الحكم آنذاك في هذه الأزمة ويخفي أيضا التأثيرات السلبية للارتباك الأمني الذي عرفتها السلطة مع نشوء التنظيمات المسلحة العلنية ويمكن أخذ ملف المفقودين[20] كنموذج بارز لهذه التأثيرات.

3- أن الأزمة الأمنية الجزائرية كانت محل ضغط خارجي كبير تسبب في مستوى حاد من العزلة الدولية وذلك بسبب أن التركيز على الحلول الأمنية قد كان له تأثير سلبي على عدم وضوح أطراف النزاع الداخلي في الجزائر بالنسبة إلى باقي الدول والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية.وهذا ما جعل من أطروحة من يقتل من أطروحة رئيسية للتعامل مع النزاع الداخلي الجزائري.

ويمكن اكتشاف تأثير الطبيعة التوازنية للسلطة على مشروع المصالحة الوطنية من خلال مؤشرين أساسيين:

*- توازنات وطنية تمثل الطبيعة التوازنية للسلطة داخل النخبة الحاكمة مارست تأثيرا سياسيا قويا بالشكل الذي يجعل مشروع المصالحة الوطنية يخفي الآثار السلبية للنخبة العسكرية في هذه الأزمة الأمنية نتيجة كما قلت للارتباك الأمني الذي وجدت نفسها فيه بعد قيام التنظيمات الإسلامية المسلحة ، وعلى سبيل المثال فان ملف المفقودين الذي يعبر عن التعامل السلبي مع الأزمة الأمنية من طرف النخبة العسكرية قد تمت التغطية عليه من خلال اعتماد نظام التعويضات بدل اللجوء إلى المسآلة الجنائية التي كانت خارج قدرات الرئيس بوتفليقة والتي تمثل الوضع الحقوقي الأمثل بالنسبة للبعض فيما يتعلق بهذا الملف.

**- إخراج المصالحة الوطنية في شكل صفقة سياسية تقضي باحترام اعتماد الحلول السياسية للأزمة الأمنية في مقابل ضمان قدسية الطابع العلماني للدولة وتكييف ذلك ليس انطلاقا من خلفية أيدلوجية فحسب ولكن باعتبارها ضرورة أمنية ولذا فان الكثير من القوانين التي تحمل الطابع العلماني والتي ظهرت في السنوات الأخيرة هي نتيجة مباشرة لهذه الصفقة وذكر منها : تعديل قانون الأسرة و إلغاء عقوبة الإعدام ، قانون الوثائق البيومترية القاضي بحلق اللحية ونزع الخمار.

والسؤال الأهم في كل هذا هو اكتشاف تأثرات تفاعلات العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية كنموذج للطبيعة التوازنية للسلطة على مسار التحول الديمقراطي . إن ذلك يرتبط بمخرجات إدارة الصراع السياسي من طرف الرئيس بوتفليقة بهدف التمكين لمؤسسة الرئاسة داخل نظام الحكم الجزائري والتي استدعت استخدام آليات تتنافى مع مسار التحول الديمقراطي يمكن تحديدها في ثلاث آليات رئيسة :



أ- استخدام الجهوية كآلية لإدارة الصراع السياسي:[21] بالنسبة للرئيس بوتفليقة فقد كانت هناك قناعة شخصية استنادا إلى خبرة الرؤساء السابقين الذين تداولوا على منصب الرئاسة منذ بداية الأزمة السياسية مفادها أن الاستمرار في ممارسة الحكم من موقع الرئاسة وبنفس الطريقة لا يعدو إلا أن يكون مشاركة رمزية فيه ولذا فان تعديل موقع مؤسسة الرئاسة في الاتجاه الايجابي أي في الاتجاه الذي يمنحها دورا اكبر داخل نظام الحكم والذي يتماشى بالضرورة مع تعديل دور المؤسسة العسكرية الحاكمة داخله بمعنى أن ممارسة الحكم تستدعي إدارة صراع سياسي للوصول إلى تعزيز الطابع المدني لنظام الحكم الجزائري والذي يتضمن بالضرورة تعزيز صلاحيات مؤسسة الرئاسة داخل هذا النظام.

وهذا التقديم يفتح المجال إلى التركيز على الجهوية باعتبار استخدامها كآلية رئيسية من طرف الرئيس بوتفليقة لإدارة الصراع السياسي مع النخبة العسكرية وقد كانت الإدارة كمجال عام هي إحدى المجالات التي وجبت السيطرة عليها وضمان ولائها بشكل كلي واستدعى ذلك استحضار مفهوم الجهوية سواءا ما تعلق بالمؤسسات الحكومية – سبعة وزراء من منطقة الرئيس لا يزالون يمارسون نشاطهم – وتدرجا إلى المؤسسات المحلية - عدد كبير من الولاة من منطقة الرئيس -

ولذا فان إحدى السلبيات الرئيسية التي تأخذ على حكم الرئيس بوتفليقة هو انه اخذ في جانب أساسي منه طابعا جهويا ، وإذا كان انتفاء صفة الحكم العسكري عن نظام الحكم الجزائري وتعزيز الطابع المدني لها يمكن اعتبارها إحدى الايجابيات الرئيسية لهذا الحكم فانه ليس من المفروض تقبل أن يكون البديل لذلك حكما يأخذ الطابع الجهوي والذي يتنافى مع مبدأ المواطنة كمبدأ أساسي للحكم الديمقراطي.



ب- التصفية السياسية للطبقة الحزبية : يمكن أخذ مؤشر بسيط في ذلك قبل تفصيل كيف تمت إدارة العلاقة مع الطبقة الحزبية ، وهذا المؤشر يتعلق بزيارة الرئيس بوتفليقة لمؤسسة البرلمان مرة واحدة فقط منذ وصوله إلى منصب الرئاسة وذلك مرافقة لرئيس الوزارءا الاسباني″ لويس ثاباتيرو″ الذي ألقى مداخلة حول تحالف الحضارات داخل البرلمان الجزائري ، فمؤسسة البرلمان دستوريا وسياسيا هي المؤسسة الأهم للنشاط الحزبي وتجاهلها يعد مظهرا أساسيا لتجاهل هذا النشاط .



لكن طبيعة الحلول السياسية للأزمة الأمنية التي شكلت جوهر سياسات الرئيس بوتفليقة والتي كانت تتلاقى – وهذا كمبدأ عام – مع توجهات الطبقة الحزبية في اغلبها في فترة سابقة ، وهذه المفارقة الموجودة بين امتعاض الرئيس بوتفليقة من رداءة الطبقة الحزبية وبين اعتماد حل سياسي للازمة الأمنية كان نتاجه في التحليل الأخير نشوء علاقة مع الطبقة الحزبية ذات طابع جديد تجد دلالتها الرئيسية في نشوء التحالف الرئاسي .[22]

وإذا كانت المبررات الدعائية لهذا التحالف ظهرت في أطروحات أطرافه الثلاث المشكلة وبتزكية من الرئيس بوتفليقة باعتبارها تمثيلا لما يسمى في علم السياسة ″بالتيار الأساسي″ [23]، والذي يعني وجود أكبر قاسم مشترك بين التيارات السياسية في بلد معين ، وبالتالي محصلة الأطروحات المختلفة لهذه التيارات ، وعلى سبيل المثال فقد برر رئيس حركة مجتمع السلم أبو جرة السلطاني تزكيته لنشوء هذا التحالف مع حزب يجاهر بسياسة استئصالية ( حزب التجمع الوطني الديمقراطي ) رغم انه محسوب باعتباره أهم حزب داخل التيار الإسلامي آنذاك على أساس مضمون الوصية السياسية – كما قال – التي تركها له الشيخ محفوظ نحناح ( رحمه الله) والتي ترى مشكلة الجزائر في ذلك الصراع الموجود بين التيارات الثلاث الكبرى فيه الإسلامي والوطني والديمقراطي .



لكن المبررات الواقعية لنشوء التحالف الرئاسي كانت مرتبطة في الواقع بتوجه الرئيس بوتفليقة إلى التصفية الجزئية للطبقة الحزبية كمرحلة انتقالية لتصفيتها كليا وبالنسبة إليه فان ذلك كان مبررا من عدة جوانب :

أ- الميول السياسي للرئيس بوتفليقة إلى اعتماد النظام الرئاسي المركزي كنموذج لنظام الحكم والذي يتوافق مع وجود حزب وطني حاكم مع أقل عدد ممكن من الأحزاب السياسية المشكلة للطبقة الحزبية كما هو ظاهر عربيا في النموذج التونسي .

ب- أن رداءة الأداء السياسي للطبقة الحزبية في الجزائر لا تسمح باعتمادها كطرف مشارك في حل الأزمة الأمنية بقدر ما يتم الاعتماد عليها كوسيلة دعائية وقد شمل ذلك حتى حزب مثل التجمع الوطني الديمقراطي الذي اشتهر بسياسة استئصاليه معادية لأي حل سياسي للازمة الأمنية.

ج- أن وجود هذا الكم الهائل من الأحزاب السياسة يشوه صورة الوضع السياسي العام ، فخلال فترة حكم الرئيس بوتفليقة تمت ممارسة سياسة تجميد اعتماد الأحزاب السياسية إلى أقصى حدودها ، وكذلك في التلويح بقانون جديد للأحزاب يساهم في ذلك .

د- أن ذلك ترافق مع اكتساب مؤسسة الرئاسة لأهمية أوسع داخل نظام الحكم مع تعديل لدور المؤسسة العسكرية وبالتالي فرض على الطبقة الحزبية التفاعل مع تعديل توازنات القوى داخل هذا النظام .

ج- تهميش البناء المؤسساتي للدولة : تبقى المرجعية دائما في هذه الدراسة هي المقارنة مرحلة حكم الرئيس بوتفلبقة مع المرحلة التي سبقتها أي مع بداية الأزمة السياسية وتبعاتها الأمنية وموضوع البناء المؤسساتي في تلك المرحلة كان موضع شديد الحساسية فإذا كان المشهد السياسي الخارجي لتلك المرحلة قد سوق باعتباره مرحلة بداية التعددية السياسية في البلاد والتي من أهم خصائصها الحفاظ على المؤسسات المدنية للدولة وحمايتها وتطويرها فان ممارسة الحكم آنذاك قد اختلفت عن ذلك بشكل مناقض تماما

وكما أشرت سابقا فان الأولوية السياسية بالنسبة إلى النخبة العسكرية الحاكمة آنذاك كانت تجاوز الدور التقليدي للمؤسسة العسكرية داخل نظام الحكم منذ قيام الدولة الجزائرية المستقلة بالشكل الذي ينقل المؤسسة العسكرية من ضابط للحراك السياسي إلى صانع وإذا كانت إحدى المميزات الرئيسية لحكم الرئيس بوتفلبقة هي إعادة المؤسسة العسكرية لدورها التقليدي فان ذلك لم يترافق مع أي مسار موازي بناء مؤسسات مدنية فعالة تكون تمثيلا لتعزيز الطابع المندي لنظام الحكم في جانبه الإجرائي ، ويمكن أن نعدد ثلاث محددات أساسية لتهميش البناء المؤسساتي للدولة في فترة حكم الرئيس بوتفلبقة :

* التطبيق الواسع لسياسة التشريع بالأوامر الرئاسية .[24]

**- الانتقاد المستمر لغموض صلاحيات البرلمان في الدستور الجزائري والتأسيس لدستور جديد يقلص من دور البرلمان إلى ابعد الحدود . [25]

***- اعتبار انتشار الخصائص المدنية لنظام الحكم الجزائري مرتبطة بتقليص نفوذ المؤسسة العسكرية داخل هذا النظام وذلك من خلال توسع در مؤسسة الرئاسة وليس بإعطاء صلاحيات أوسع للمؤسسات المدنية وخاصة المؤسسة التشريعية.

د- تأثيرات قدسية الطابع العلماني للدولة كضرورة أمنية: كان لتسويغ مشروع المصالحة الوطنية باعتباره التزاما بالطابع العلماني للدولة كضرورة أمنية انعكاسا مباشرا على مسار التحول الديمقراطي و ذلك أن هذا التوجه فرض على الأحزاب الإسلامية نمطية معينة للعمل السياسي تقوم على مبدأ الاستيعاب السلبي لها في شكل يتم استغلالها فيه كتمثيل رمزي للهوية الوطنية في بعدها الإسلامي دون السماح لها بأي إيضاح لمضمونها الإيديولوجي أو امتداد اجتماعي وقد قام الرئيس بوتفلبقة في حملته الانتخابية للرئاسيات الأخيرة بتنبيه الأحزاب الإسلامية الجزائرية بالسير في مسار حركة مجتمع السلم ، والدلالة العملية لذلك هو نمذجة الممارسة السياسية للأحزاب الإسلامية بشكل تقبل معه بالضوابط التي قبلت به حركة مجتمع السلم أي باعتبارها ممثلة رمزيا للهوية الجزائرية في بعدها الإسلامي مع انتفاء أي طموح سياسي في تعزيز تواجدها داخل المؤسسات المنتخبة أو ممارسة السلطة [26].


عدل سابقا من قبل salim 1979 في الخميس فبراير 14, 2013 10:21 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 42
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5259
نقاط : 100012103
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Empty
مُساهمةموضوع: رد: البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا-   البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا- Emptyالخميس فبراير 14, 2013 10:10 am

خاتمة : مستقبل التحول الديمقراطي في الجزائر



إن الباحث في هذه الدراسة هدف إلى إثبات خصوصية الحالة السياسية الجزائرية من حيث الاستعصاء على حدوث تحول ديمقراطي حقيقي وذلك كاستثناء من توجهات التحول الديمقراطي في المنطقة العربية والتي تعد هي أيضا استثناءا بالنسبة إلى الوضع العالمي له .

وقد تبين من خلال التتبع التاريخي لممارسة السلطة في نظام الحكم الجزائري أن الطبيعة التوازنية لهذه السلطة والتي تعتبر صف بنيوية داخلها أين ترسخت كحقيقة تاريخية و وجدت أصولها في الصراع السياسي الذي عرفته ثورة التحرير الجزائرية ، أن هذه الصفة المميزة لسلطة الحكم في الجزائر هي التي تحول دون حدوث تحول ديمقراطي حيث يمارس فعل المعارضة داخل مجال السلطة نفسها مع وجود دينامكية تستطيع إعادة إنتاج هذه الطبيعة التوازنية مع تطور نظام الحكم الجزائري فلا تبدو هناك حاجة إلى وجود طبقة حزبية تمارس دور المعارضة وتسعى إلى حراك تناوبي على السلطة لان المعارضة الحقيقة موجودة داخل مجال السلطة ذاتها .

ولذا فان خصوصية الحالة السياسية الجزائر تجاه مفهوم التحول الديمقراطي تتعلق بكون أن عوائق التحول الديمقراطي موجودة في التركيبة الداخلية لبنية لسلطة الحكم وليس خارجها ولذا فان مستقبل التحول الديمقراطي في الجزائري مرتبط بتجاوز الطبيعة التوازنية للسلطة السياسية والتي تغطي على ممارسة أي معارضة حقيقية خارج مجال السلطة .



[1] انظر تحليلا لهذا الجانب في كل من :

- هشام شرابي-: النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين. بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية .1990

- محمد جابر الأنصاري : العرب والسياسة أين الخلل: جذر العطل العميق .بيروت : دار الساقي 1998

[2] الكثير من مؤلفات سمير أمين تشير إلى هذه المسألة - انظر على سبيل المثال : سمير أمين المجتمع والدولة في الوطن العربي في ظل السياسات الرأسمالية الجديدة .القاهرة : مكتبة مدبولي 1996



[3] راجع في دراسة العلاقة بين تأثير التراث الإسلامي و مفهوم الحكم الديمقراطي: فؤاد زكريا الصحوة الإسلامية في ميزان العقل .بيروت : دار التنوير .1985 .

[4] وليام زارتمان .المعارضة كدعامة للدولة. في المؤلف الجماعي : الدولة والأمة والاندماج في المنطقة العربية. بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية. 1989

[5] هذا التاريخ يشير إلى سنة الاحتلال الفرنسي للجزائر وقد أوردته هنا للمقارنة بين خصائص التنظيم القبلي في الجزائر عند احتلالها وبعد استقلالها سنة 1962

[6] هواري عدي- الاستعمار الفرنسي في الجزائر: سياسة التفكيك الاقتصادي والاجتماعي . ترجمة جوزيف عبد الله. بيروت : دار الحداثة .1983

[7] للتوسع أكثر في هذه النقطة انظر : عياشي عنصر. سوسيولوجيا الأزمة الراهنة في الجزائر. في المؤلف الجماعي. الأزمة الجزائرية : الخلفيات السياسية والاجتماعية والثقافية . بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية . سلسلة كتب المستقبل العربي .الكتاب الحادي عشر. يناير 1996

[8] الإشارة هنا إلى الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي أقيمت في 26-01-1991 والتي عرفت فوز ساحقا للجبهة الإسلامية للإنقاذ والي مثلت آنذاك التيار الإسلامي الثوري ضد منطق الحكم الذي ساد في الجزائر منذ استقلالها من خلال نقد ثوري لأسسه الايدولوجية

[9] هواري عدي .نفس المرجع سابق ذكره

[10] من أجل التفصيل أكثر في الصراع السياسي خلال الثورة التحريرية راجع : إبراهيم لونيسي . الصراع السياسي داخل جبهة التحرير الوطني خلال الثورة التحريرية . الجزائر : دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع . 2007

[11] راجع في تفاعلات الصراع على السلطة في هذه المرحلة : محمد عباس. رواد النهضة الوطنية الجزائر : مطبعة دحلب.1992

[12] راجع حول فترة حكم الرئيس بومدين : مغنية الأزرق .نشوء الطبقات في الجزائر . ترجمة سمير كرم .بيروت : مؤسسة الأبحاث العربية .1980

[13] انظر تحليلا لهذه الفترة في : عاطف عيد ، حليم ميشال حداد. قصة وتاريخ الحضارات العربية بين الأمس واليوم: تونس والجزائر بيروت :.1999 EDITO CREPS INT

[14] حتى وان كان مفهوم الفوضى الخلاقة قد شاع أكثر في مجال السياسة الخارجية وتحديدا في السياسة الخارجية الأمريكية في إدارة جورج بوش اتجاه منطقة الشرق الأوسط فان ذات المعنى لهذه الإستراتجية نجده قد طبق من طرف المؤسسة العسكرية الجزائرية اتجاه المؤسسات المدنية للدولة مع بداية الأزمة السياسية والأمنية



[15] راجع حول نظام الوحي المهيمن : فؤاد الأغا .علم الاجتماع العسكري .عمان : دار أسامة للنشر والتوزيع .2008

[16] راجع حول هذا المفهوم : فؤاد الأغا .علم الاجتماع العسكري .مرجع سابق ذكره

[17] الإشارة هنا إلى الانتخابات الرئاسية لسنة 2004 والتي كانت تعبيرا عن أقصى درجات الصراع السياسي داخل أجنحة السلطة وانتهت بفوز الجناح المؤيد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وخسارة المرشح لي بن فليس الذي كان الرهان عليه من طرف جناح مؤثر داخل المؤسسة العسكرية



[18] تمت التزكية الشعبية لمشروع المصالحة الوطنية في الانتخابات التي جرت في سبتمبر 2005 وعرفت تزكية شعبية واسعة لها.

[19] تفيد في هذه النقطة مقارنة التنظيمات المسلحة الجزائرية مع الجماعات الإسلامية المصرية حيث تؤثر طبيعة التنظيم المسلح على فاعلية الإستراتجية الأمنية لمواجهته.

[20] ملف المفقودين هو الملف القانوني الذي كونته جمعيات حقوقية تكفلت بالدفاع عن حقوق آلاف من العائلات الجزائرية والتي اتهمت القوات العسكرية بالاعتقال التعسفي لأبنائها واختطافهم وتصفيتهم دون أن توجه لهم أي تهم واضحة ، وقد تكفل مشروع المصالحة الوطنية بإغلاق هذا الملف من خلال اللجوء إلى حل تعويض هذه العائلات ماديا .

[21] ليس المقصود هنا أن الجهوية لم تكن آلية من آليات إدارة الصراع السياسي في الجزائر في فترة ما قبل الرئيس بوتفليقة ولكن المقصود أن التحولات المدنية التي عرفها نظام الحكم الجزائري في فترة الرئيس بوتفليقة قد غطى ليها الاستمرار في استخدام الجهوية كآلية من آليات الحكم.

[22] التحالف الرئاسي هو تحالف حزبي نشأ سنة 2004 يجمع بين حزب جبهة التحرير الوطني كممثل للتيار الوطني , وحزب التجمع الوطني الديمقراطي كممثل التيار الديمقراطي وحركة مجتمع السلم كممثل للتيار الإسلامي وقد زكى هذا التحالف الرئيس بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2004 وظل محافظا على ولائه لسياسات الرئيس بوتفليقة .



[23] راجع حول مفهوم التيار الأساسي : طارق البشري – نحو تيار أساسي للأمة .سلسلة أوراق الجزيرة .العدد الثامن .الدوحة .مركز الجزيرة للدراسات .2008

[24] منذ وصوله إلى الحكم قام الرئيس بتعديل 36 قانون دون أي دور في ذلك للمؤسسة التشريعية



[25] كان الرئيس بوتفلبقة قد احدث تعديلا جزئيا على الدستور الجزائري في نوفمبر 2008 ووعد بإحداث تعديلات شاملة على الدستور الجزائري يعطي صلاحيات أوسع لمؤسسات الرئاسة في مقابل تقليص صلاحيات مؤسسة البرلمان.

[26] كان رئيس حركة مجتمع السلم . السيد أبو جرة سلطاني قد وعد مناضليه بعد تعيينه زعيما للحركة سنة 2004 بقيادة الحركة لتكون القوة السياسية الأولى في الجزائر بداية من سنة 2012 في حين أن نتائج سياسة المصالحة الوطنية كانت أقوى من هذا الالتزام فالحركة قد عرفت انشقاقا مع بروز حركة الدعوة والتغيير التي أسسها قياديون سابقون في حركة مجتمع السلم احتجاجا على توجهاتها السياسية , ثم إن الحركة قد فقدت تمثيلها بشكل كلي في انتخابات مجلس الأمة والذي يعد الجناح الثاني للمؤسسة التشريعية في الجزائر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
البنية التوازنية للسلطة كمعوق للتحول الديمقراطي: مدخل لفهم خصوصية الحالة السياسية الجزائرية - فترة حكم الرئيس بوتفليقة نموذجا-
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ********متفرقات سياسية************* :: الجزائر بلد مهم في المنطقة المغاربية-
انتقل الى:  
1