منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الضبط الاجتماعي
من طرف salim 1979 الإثنين أغسطس 13, 2018 6:26 pm

» مذكرة بناء السلم في مالي - الفرص و التحديات -
من طرف salim 1979 السبت يونيو 09, 2018 12:31 am

» تفاءل يا أخ الأحزان، فإن النصر في الصبر
من طرف ahlm22 السبت مايو 26, 2018 5:09 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2017
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:58 pm

» التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في افريقيا بعد الحرب العالمية الثانية
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:57 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2018
من طرف salim 1979 الجمعة مايو 25, 2018 7:03 pm

» الحرب وضد الحرب
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:51 pm

» التحول والانتقال الديمقراطي: النسق المفاهيمى
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:46 pm

» تحميل الثقافة العالمية العدد 177
من طرف salim 1979 الخميس أبريل 12, 2018 3:53 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 حدود القوّة الأمريكية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الحليم بيقع
عضو فعال
عضو فعال


عدد المساهمات : 102
نقاط : 300
تاريخ التسجيل : 11/11/2012

مُساهمةموضوع: حدود القوّة الأمريكية   الخميس ديسمبر 13, 2012 3:33 pm

حدود القوّة الأمريكية

لـ:جوزيف ناي.
ترجمة: علي حسين باكير/ باحث من جامعة بيروت.
-------------------------------------------------------------------
جوزيف ناي: عميد في جامعة هارفارد، رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي ومساعد وزير الدفاع في عهد إدارة كلينتون، له العديد من الكتابات في أشهر الصحف مثل" النيويورك تايمز" و "الواشنطن بوست" و "الوول ستريت"، وله العديد أيضا من الكتب والمؤلّفات أبرزها كتاب "الطبيعة المتغيّرة للقوّة الأمريكيّة"، وهذه الدراسة مأخوذة من جزء من كتابه بعنوان: "تناقض القوّة الأمريكيّة".


الانحدار أو الانحطاط يميل إلى إنتاج وتوليد سلوك حذر جدّا قد يؤدّي إلى الإحباط من تحقيق انتصار جديد ويؤدي بالتالي إلى فقدان خطير لضبط النفس، بالإضافة إلى إظهار الغرور والعجرفة. لذلك، فالتحليل الأكثر حذرا يساعد الولايات المتّحدة على اتّخاذا قرارات أفضل لحماية مواطنيها وإعلاء قيمهم وقيادة العالم لمستقبل أفضل خلال العقود القليلة القادمة.

لم تستطع أمة أن تفرض سيطرتها وتهيمن على الآخرين كلّيا منذ أن فعل الرّومان ذلك باستثناء الولايات المتّحدة، وكما قالت -الايكونوميست- "فإنّ الولايات المتحدة تعيد تركيب العالم كما تريد، فهي تسيطر على قطاع الأعمال والتجارة والاتصالات واقتصادها من أنجح الاقتصاديات في العالم وهي الأقوى والأفضل عالميا من حيث القوّة العسكريّة"(1).

هذا وقد ذكر وزير الخارجيّة الفرنسيّة "هوبير فيدرين" في عام 1999 أن الولايات المتّحدة قد تخطّت مرحلة القوّة العظمى في القرن العشرين إلى أكثر من ذلك "فالهيمنة الأمريكيّة امتدّت إلى كافّة النواحي الاقتصاديّة والماليّة والعسكريّة العالميّة لتطال طرق الحياة واللغة والنتاج الفكري والثقافي للآخرين، لتعيد تشكيل الأفكار وتسحر حتّى أعداءها"(2)."فالنظام الدولي اليوم لم يعد يقوم على توازن القوى كما كان عليه الأمر سابقا و إنما أصبح نظام القطب الواحد والهيمنة الأمريكية"(3)، حيث زاد الاعتماد العالمي عليها ممّا دفع بالكثيرين للقول إن العولمة في هذا العصر ما هي إلا امبرياليّة أمريكيّة متنكّرة بأشكال عديدة، فالعولمة بحسب المجلّة الألمانية "داشبيغل" ترتدي ملصق "صنع في الولايات المتّحدة الأمريكيّة"(4).




لا شكّ بأن الولايات المتّحدة اليوم هي القوة رقم واحد في العالم، لكن إلى متى تستطيع الاستمرار في ذلك والحفاظ على مرتبتها وقوّتها؟ ماذا يجب علينا أن نفعل بهذه القوّة؟

يقول بعض المثقّفين والباحثين: إن هذه الأحادية القطبية والقوة الأمريكية والهيمنة الواسعة ما هي في حقيقة الأمر إلا نتيجة سقوط الاتحاد السوفيتي السابق، وعليه فإن "مرحلة الأحادية القطبيّة" ستكون مؤقتة وقصيرة(5)، ولذلك فإن على الولايات المتّحدة أن تستخدم القوّة والهيمنة على العالم بشكل انتقائي.
هذا بينما يرى آخرون أن الولايات المتّحدة تمتلك من القوّة ما يمكّنها من الهيمنة والسيطرة على العالم لعدّة عقود مقبلة، والأحادية القطبيّة ستمتد من فترة مؤقّتة إلى عصر أو حقبة كاملة (6) . فقد ذكر "تشارلز كروثامير" في بداية 2001 أنه وبعد مرور عقد على انهيار الاتّحاد السوفيتي، يجب على الولايات المتّحدة أن تدشّن الحقبة الحقيقة في سياستها الخارجية لما بعد الحرب الباردة، بحيث يجب على الإدارة أن تعيد أولا تأكيد مفهوم الحرّية الأمريكي وأن ترفض لعب دور المواطن الدولي السلس في ظل التفرّد الدولي والأحادية القطبيّة (7).

هذا وقد كان كل من المحافظين والليبراليين حتى قبل أيلول من عام 2001 يعتقدون أنهم واقعيون وأن قانون الطبيعة في السياسة الدوليّة يفترض، وفي حال أصبحت أمة قوية جدّا دفع الآخرين إلى التكتل والتوحد ضدها لإعادة التوازن في القوى، و"بنظرهم، فالتفوق الأمريكي الحالي هو تفوق عابر"(Cool ، وهو الأمر الذي قد يدفع البعض للقيام بتحالفات إستراتيجية مستقبلية مثل: محور روسيا، الصين والهند في محاولة للتخفيف مما يبدو أنه عالم الأحادية القطبية الخطيرة(9)، والأمر نفسه دفع الرئيس الفنزولي "هوجو شافيز" وخلال مؤتمر للدول المنتجة للنفط إلى القول: "إن العالم في القرن الواحد والعشرين يجب أن يكون عالما متعدد الأقطاب"، وأضاف: "على جميع الدول العمل من أجل الوصول إلى ذلك "(10).

وحتى المصادر الصديقة كمجلة "الايكونوميست" توافق على أن "عالم القوّة الخارقة الواحدة لن يدوم، وأن الصين (مليار ونصف نسمة) خلال العقدين القادمين ستكون صاحبة اقتصاد قوي ومتطور وتتمتع بنظام سياسي وسلطة مستقرّة، وبالتالي ستسعى للاهتمام بمصالحها الخاصة، وستحاول روسيا -يلستن- السابقة عاجلا أم آجلا لملمة نفسها لتعود إلى التأثير في الساحة الدولية من جديد"(11) .

ومن وجهة نظري –ناي-، وعلى الرغم من تصاعد الإرهاب إلا أن التفوق الأمريكي سيدوم إلى نهاية القرن الحالي، لكن فقط إذا عرفت الولايات المتّحدة كيف تستعمل القوة بحكمة. وعلى الرغم من أن توقّع نهوض وسقوط الأمم هو أمر في غاية الصعوبة، إلا أن الناشر الكبير "هنري لوس" ادعى وبجرأة في عام 1941 أن القرن هو القرن الأمريكي. وفي الثمانينات أثناء التباطؤ الاقتصادي والانكماش الحاصل اعتقد الكثير من المحللين أن رؤية هنري قد تحققت، عندها تساءل الاقتصادي "ليستر ثورو" في عام 1985 "لماذا صمدت روما 1000 سنة كجمهورية وإمبراطورية، بينما بدأنا نحن بالانحدار بعد 50 عاما فقط"(12). "لقد أظهرت الاستفتاءات أنّ نصف الجمهور وافق على أنّ الأمّة كانت تنكمش في القوّة والسمعة"(13)..

في القرن الثامن عشر وعندما فقدت بريطانيا مستعمراتها الأمريكية رثا "هوراس والبول" بريطانيا آنذاك واصفا إياها بأنّها أصبحت مجرّد جزيرة صغيرة بائسة ليس لها أهمية كسردينيا و الدنمارك(14)، ونلاحظ هنا أن توقع هوراس كان مصطبغا بالتجارة الاستعمارية والمستعمرات، ففشل في أن يرى أنّ الثورة الصناعيّة التي جاءت بعد ذلك قد منحت بريطانيا موقعا أسمى. وهذا هو وجه التشابه مع أولئك الذين شككوا بقول هنري، فقد فشلوا في أن يروا حينها أن الولايات المتّحدة أصبحت قائدة للثورة المعلوماتية العالمية.(15)

لكن من جهة أخرى، نستطيع القول أن لا شيء يدوم إلى الأبد في عالم السياسة. منذ قرن خلى، كانت العولمة الاقتصادية تقوم على بعض المعايير نفسها التي تقوم عليها اليوم، والنظام المالي العالمي وقتها كان يستند إلى الذهب، و لهجرة كانت في مستويات مرتفعة والتجارة كانت تتصاعد وبريطانيا حينها كانت الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عنها، ولا بد أن الباحثين السياسيين والاقتصاديين في عام 1900 كانوا بلا شك يصفون ويرون القرن العشرين بأنّه استمرار للتنافس الإمبراطوري في ظل الهيمنة الأوروبية على العالم مع استمرار سيطرة الأوروبيين على مستعمراتهم في آسيا وأفريقيا ونشوء حكومات دستورية صلبة ومستقرة في أوروبا، ولا شكّ أنهم كانوا يرون أيضا ازدهارا متناميا وتطوّرا علميا ومعرفيا نافعا للبشريّة ....الخ.

لكن كلهم كانوا على خطأ(16)، فما حصل لاحقا كان عكس ذلك، فقد اندلعت حربان عالميّتان وانتشر الاستبداد الفاشي والشيوعي وانتهت الإمبراطوريات الأوروبيّة وانتهت أوروبا حينها كمصدر للقوّة العالمية وتراجعت العولمة الاقتصاديّة كثيرا لدرجة أنها انتظرت عقد السبعينيات للوصول إلى ما كانت عليه في عام 1914. و هذا ما يمكن أن يحدث مرّة أخرى في المستقبل.

هل بإمكاننا أن نقوم بأداء أفضل عند دخولنا القرن الواحد و لعشرين؟

إن ممارسة اليوغا المشكوك فيها، تحذرنا دائما بأن لا نتنبأ، خاصة فيما يتعلق بالمستقبل، ومع ذلك فلا خيار أمامنا، فتوقّع المستقبل شرط ضروري من أجل تنظيم أعمالنا. فعلى الصعيد الوطني، نحن بحاجة إلى مثل هذه التوقّعات أو الصور الذهنيّة وذلك من أجل توجيهنا على الصعيد السياسي وإخبارنا بطريقة استخدام قوّتنا التي لم يسبق لها مثيل. طبعا ليس هناك من مستقبل واحد، فهناك العديد من الصور المستقبلية المتعددة، لذلك فنوعية سياستنا الخارجية المتبعة بإمكانها أن ترسم بعض الصور المستقبلية المحتملة أكثر من غيرها. فعندما تتورط الأنظمة في مشاكل وردود معقدة، من الممكن حينها أن تحدث الأسباب الصغيرة تأثيرات كبيرة، وعندما يتدخل الناس فإن ردة فعل الإنسان على التوقع نفسه، من الممكن أن تجعله يفشل في أن يتحقق، وبالتالي فإن التوقع لن يصبح حقيقيا أبدا.في هذا السياق نحن كبشر لا يمكننا أن نأمل بتوقع المستقبل، ولكن يمكننا أن نرسم صورنا الخاصّة به بدقّة لنتجنّب بعض الأخطاء الشائعة التي مررنا بها.(17) فلو كان قد تمّ تقديم تحليل حذر للقوّة الأمريكيّة من عشر سنوات خلت، لأنقذنا ذلك من التصورات الخاطئة عن الانحدار الأمريكي. وعلى الرغم من وجود توقّعات أكثر دقّة حول كوارث الإرهاب مؤخّرا، إلا أن ذلك فشل في تجنيبنا مأساة دفعت البعض من جديد للتنبؤ بانهيارنا، لذلك من المهم جدّا أن نتفادى أخطاء الانتصار والانحدار أو الانحطاط. فالانحدار أو الانحطاط يميل إلى إنتاج وتوليد سلوك حذر جدّا قد يؤدّي إلى الإحباط من تحقيق انتصار جديد، ويؤدي بالتالي إلى فقدان خطير لضبط النفس بالإضافة إلى إظهار الغرور والعجرفة. لذلك، فالتحليل الأكثر حذرا يساعد الولايات المتّحدة على اتّخاذا قرارات أفضل لحماية مواطنيها وإعلاء قيمهم وقيادة العالم لمستقبل أفضل خلال العقود القليلة القادمة.

لذلك سأبدأ تحليلي هذا بـ: استعراض وفحص مصادر القوّة الأمريكيّة.

يعتقد الكثيرون، وبشهادة التاريخ، أن تفوق الولايات المتحدة سيحفز على تشكيل تحالف مضاد وموازي لقوّتها وسيحد في نهاية الأمر من قوتها.و لكن إذا امتلكت الدولة القائدة القوّة الناعمة وتصرّفت في إطار يفيد الآخرين، فظهور تحالف مضاد لها سيكون بطيئا جدا عندها.

بدأنا نسمع كثيرا في السنوات الأخيرةعن مدى حجم القوة التي بلغتها الولايات المتحدة، لكن ماذا نعني بـ(القوة)؟ القـوة بكل بساطة هي:" القدرة على التأثير على النتائج لتتفق مع ما تريده". على سبيل المثال، نجحت قوة الناتو (حلف شمال الأطلسي) العسكرية في إيقاف عمليات التطهير العرقي التي قام بها ميلوزوفيتش في كوسوفو، واستطاعت الوعود بتقديم المعونات الاقتصادية إلى صربيا المدمرة أن تساعد حكومة صربيا وتغريها لتسليم ميلوزوفيتش لمحكمة لاهاي.

إن قدرة الحصول على النتائج التي نريدها غالبا ما تكون مربوطة بامتلاكنا لـ(موارد معينة)، ومن هنا نستطيع أن نعرّف وبشكل مباشر القوّة بأنّها: "امتلاك أكبر قدر ممكن من هذه الموارد أو العناصر: كالسكان، أو الموارد الطبيعية، الاقتصاد القوي، القوات العسكرية، الاستقرار السياسي".
فالقـوّة بهذا المعنى تعني أن تمتلك أعلى الأوراق في لعبة بوكر دولية. و بطبيعة الحال إذا لعبت وأنت تمتلك أوراقا ليست عالية، فمن الممكن أن تخسر أو أن لا تحقق النتيجة التي كنت تصبو إليها على الأقل. على سبيل المثال فالولايات المتّحدة الأمريكية كانت أكبر قوة بعد الحرب العالمية الأولى ومع ذلك فقد فشلت في منع ظهور "هتلر" أو حدوث "بيرل هاربر". لذلك فإن تحويل مصادر القوة الأمريكية إلى قوة حقيقية يتطلب سياسة مخطط لها جيدا وقيادة محترفة وماهرة.



تقليديا، اختبار القوّة العظمى كان" "قدرتها على خوض حرب"(18). فالحرب كانت اللعبة القصوى والتي من خلالها يتم استعراض كافة أوراق السياسة الدولية وتأكيد تخمينات القوة النسبية للآخرين.

وعلى العموم فقد تطورت وتغيرت مصادر وعناصر القوة مع مرور القرون والتطور التكنولوجي،
ففي المجتمعات الزراعيّة الأوروبية التي سادت في القرن الـ 17 و الـ18 ، كان العنصر السكاني مصدر قوة لأنه كان بمثابة قاعدة لتأمين المال للضرائب وللمتطوعين المشاة (والذين كانوا بمعظمهم من المرتزقة)، فهذه التركيبة أو المعادلة من الرجال والمال أعطت قوة دفع لفرنسا آنذاك.
لكن في القرن التاسع عشر (19)، ومع تصاعد أهمّية الصناعة كانت بريطانيا (والتي حكمت الأمواج بقوّة بحرية لم يسبق لها مثيل) أوّل المنتفعين، ثمّ تلتها ألمانيا التي استخدمت الإدارة بكفاءة، حيث استغلّت أيضا سكك الحديد لنقل الجيوش من أجل تحقيق انتصارات سريعة في القارة مع العلم أنّ روسيا حينها كانت الأكثر سكّانا وقوّة عسكريّة.
و في أواسط القرن العشرين (20)، ومع حلول العصر النووي، لم تمتلك الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي القوّة الاقتصاديّة فقط بل أصبحت تمتلك الترسانات النووية والقذائف والصواريخ العابرة للقارّات.

مؤسسة القوّة اليوم أصبحت تبتعد شيئا فشيئا عن مفهوم تأكيد القوة بالقوات المسلحة أو الغزو( التحول على مستوى اعتبار أن مصدر و مورد القوة ينبع من قدرة الدولة على الغزو العسكري). و للمفارقة فإن الأسلحة النووية كانت واحدة من الأسباب التي دفعت إلى ذلك. فكما نعرف من تاريخ الحرب الباردة فقد أثبتت الأسلحة النووية أنها مرعبة جدا ومدمرة أيضا لدرجة أن استعمالها سيكون مكلفا جدّا و كارثيا، لذلك فإن استعمالها يكون نظريّا وفي الحالات القصوى فقط.(19)

التغيير الثاني المهم الذي حصل هو صعود القوميّات، وهو الأمر الذي عقد مهمة الإمبراطوريات في حكم شعوب يقظة. في القرن التاسع قام بضعة مغامرين مع حفنة من الجنود باحتلال معظم أفريقيا في حين قامت بريطانيا أيضا بحكم الهند بواسطة قوة استعمارية تتألف من عدد صغير من السكان الأصليين، أما اليوم فإن الحكم الاستعماري ليس مدانا بشكل واسع فقط، وإنما مُكلف جدّا أيضا كما اكتشفت القوتين العظمتين خلال الحرب الباردة في فيتنام وأفغانستان، فجاء انهيار الإمبراطورية السوفيتيّة بعد انتهاء الإمبراطوريات الأوروبيّة بعدّة عقود فقط.

السبب الثالث المهم أيضا هو التغير الاجتماعي الحاصل داخل القوى الكبرى. فالمجتمعات (ما بعد الزراعيّة) تركّز على الرفاه والرخاء أكثر من تركيزها على المجد والعظمة، لذلك تراهم يشمئزون من العدد العالي والمرتفع للضحايا، إلا إذا كان حقّهم في النجاة أو البقاء في خطر. و هذا لا يعني أنهم لن يستعملوا القوّة حتى و لو كانوا يتوقعون سقوط عدد كبير و مرتفع من الضحايا, و الشاهد على ذلك حرب الخليج عام 1991 أو ما يحصل في أفغانستان اليوم. لكن غياب مبدأ (خلق) المحارب في الديمقراطيّات الحديثة، يعني أنّ استخدام القوّة يحتاج إلى تبرير أخلاقي متقن و قوي لضمان الحصول على دعم شعبي وموافقة (إلا في الحالات التي يكون فيها حق البقاء في خطر أو مهدد بالضياع).
هذا ونستطيع أن نقول (إذا أردنا التحدث بفظاظة) أن هنالك (03) ثلاث أنواع من الدول في العالم اليوم:
1- الدول الفقيرة (الما قبل صناعية): والتي غالبا ما تكون عبارة عن بقايا فوضوية للإمبراطوريات المنهارة. 2- الدول الصناعيّة الحديثة: مثل الهند والصين.
3- والمجتمعات (الما بعد صناعية): التي ظهرت في أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان.

و بناء على هذا التقسيم فالقوة ما زالت أمرا شائعا بالنسبة للدول من النوع الأوّل، في حين أن القوّة مازالت مقبولة بالنسبة للنوع الثاني من الدول، بينما هي أقل إجازة في الدول من النوع الثالث. فكما قال الدبلوماسي البريطاني "روبرت كوبّر": "عدد كبير من أقوى الدول ما عادت ترغب في أن تصارع أو تحارب أو تغزو"(20).
الحرب مازالت احتمالا, لكنّها أقل قبولا بكثير ممّا كانت عليه قبل قرن أو نصف قرن من الآن. (21)

أخيرا، نستطيع أن نقول أنّ:" استعمال القوّة من قبل معظم القوى الكبرى يشكّل خطرا على أهدافهم و تطلّعاتهم الاقتصاديّة". و حتى الدول الغير ديمقراطيّة والتي تشعر بأنّها أقل شعبية و التزاما أخلاقيا فيما يتعلّق باستخدام القوّة فعليها أن تأخذ بعين الاعتبار التأثيرات السلبية لاستعمال القوّة على أهدافها الاقتصاديّة.
وكما قال "توماس فريدمان"، الدول تضبط بـ"قطيع كهربائي" من المستثمرين الذين يسيطرون على وصولهم وحصولهم على رأس المال في اقتصاد معولم.(22) وكما كتب "ريتشارد روزينكرانس":"في الماضي، كان من الأرخص أن تقوم بالاستيلاء على أراضي الدول الأخرى بالقوّة بدلا من أن تقوم بتطوير معاييرها الاقتصاديّة و التجاريّة المعقّدة لتستفيد من التبادل التجاري معا فيما بعد"(23). وقد استخدمت الإمبراطورية اليابانيّة هذا المفهوم عندما أنشأت أعظم نطاق مزدهر في شرق آسيا في الثلاثينيّات, لكن يابان ما بعد الحرب العالمية الثانية أثبتت أنّها أكثر نجاحا بكثير من السابق باعتمادها على التبادل التجاري الأمر الذي جعل من اقتصادها الوطني ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لذلك فمن الصعب الآن تصوّر سيناريو تحاول اليابان فيه استعمار دول الجوار أو أن تنجح في ذلك.
وكما هو مذكور أعلاه، لا شيء من هذا يقترح أنّ القوّات العسكرية لا تلعب دورا في السياسة الدولية اليوم. فالثورة المعلوماتيّة يجب عليها أن تحوّل معظم العالم...خاصة بعد أن تفشت الحروب الأهليّة في العديد من أجزاء العالم حيث تركت الإمبراطوريات المنهارة فراغا في السلطة.
علاوة على ذلك، وإذا استعرضنا التاريخ, فإننا سنلاحظ أن ظهور قوى عظمى جديدة ترافق دائما مع تخوّفات أو حالات قلق شديدة عجّلت في بعض الأحيان باندلاع الأزمات العسكريّة. فعلى سبيل المثال:
- الحرب "البيلوبونيزية" في اليونان القديمة كان سببها ظهور قوّة أثينا والخوف الذي صنعته في إسبارطة(24). - الحرب العالمية الأولى تتعلّق كثيرا بصعود ألمانيا القيصر والخوف الذي أثارته في بريطانيا (25) .
- والبعض في هذا القرن يتنبئون بديناميّة مشابهة تأتي نتيجة لصعود الصين والخوف الذي تخلّفه في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
الجيواقتصاديون لم يستبدلوا بالجيوسياسيين، على الرغم من أنّه وفي بداية القرن الواحد والعشرين كان التشويه في الحدود التقليدية بين الاثنين واضحا.
و على العموم، فإن تجاهل دور القوّة ومركزية الأمن سيكون أشبه بتجاهل الأوكسجين. ففي الظروف العاديّة يكون الأوكسجين شيئا عاديا ومتوافرا بكثرة وبالكاد ننتبه إلى ذلك وندركه، ولكن حينما تتغير هذه الظروف ونصبح بحاجة إليه فلن يكون باستطاعتنا التركيز على شيء آخر باستثنائه(26).
حتى في تلك المناطق حيث التوظيف المباشر للقوّة، فإنّ القوّة تسقط من الاستعمال بين الدول، مثلا (ضمن أوروبا الغربيّة أو بين الولايات المتّحدة واليابان)، لكن الفاعلين غير الحكوميين أو التابعيين للدولة مثل الإرهابيين على سبيل المثال يمكن أن يستخدموا القوّة،
علاوة على ذلك فانّ القوّة العسكريّة مازال بإمكانها اليوم أن تلعب دورا سياسيا هامّا بين الدول المتقدّمة. فعلى سبيل المثال: معظم الدول في شرق آسيا ترحّب بوجود فرق أمريكية على أراضيها كضمان ضدّ أي من جيرانها غير الجديرين بالثّقة، بالإضافة إلى ذلك فإن ردع التهديدات وضمان الوصول إلى مصادر حاسمة كالنفط في الخليج الفارسي مثلا يزيد من تأثير أمريكا على حلفائها، وفي بعض الأحيان الرابط يكون مباشرا, وغالبا ما يكونون موجودين في مؤخّرة عقول رجال الدولة. و كما تصفها وزارة الدفاع، فانّ واحدة من مهام الفرق الأمريكيّة المتمركزة وراء البحار هي "تغيير المحيط" أو "إعادة تشكيل المحيط"، يقصد الدول المجاورة أو التي تتمركز الفرق الأمريكيّة فيها.
بناء على ذلك، فالقوّة الاقتصاديّة أصبحت أكثر أهميّة مما كانت عليه سابقا، وذلك لسببين:
الأول: هو الارتفاع النسبي في حدود التكلفة لاستعمال القوّة.
ثانيا: لأنّ الأهداف الاقتصاديّة تطغى بشكل كبير في قيم المجتمعات ( الما بعد صناعيّة)(27).
ففي عالم العولمة الاقتصاديّة، كل الدول تعتمد إلى حدّ ما على قوى السوق بعيدا عن سيطرتهم المباشرة. عندما كان الرئيس كلينتون يصارع من أجل تحقيق التوازن في الميزانيّة الاتّحاديّة عام 1993, صرّح أحد مستشاريه قائلا أنه لو كان ولد مرّة أخرى لاختار أن يعود من جديد كـ "سوق", لأنّه كان من الواضح جدّا أن السوق هو اللاعب الأقوى (28) . لكنّ الأسواق تعيق وتقيّد دولا مختلفة وبدرجات متفاوتة, ولأنّ الولايات المتحدة أنشأت مثل هذا الجزء الكبير من السوق في التبادلات التجاريّة والماليّة فمن الأفضل لها أن ترتّب وتضع شروطها الخاصّة بدلا من الأرجنتين أو تايلاند على سبيل المثال، وإذا كانت البلدان الصغيرة مستعدّة لدفع ثمن الانسحاب من السوق فبإمكانهم عبر هذه الطريقة أن يخفّفوا من تأثير قوّة الدول الأخرى عليهم، لذلك فإن العقوبات الاقتصاديّة الأمريكيّة كان لها تأثير محدود على هذه الدول، على سبيل المثال فيما يخص تحسين سجل حقوق الإنسان في مينمار. إن رغبة صدّام حسين الشديدة في البقاء بدلا من الاهتمام برفاهيّة الشعب العراقي جعل العقوبات الشديدة، ولأكثر من عقد من الزمان، تفشل في إزاحته من السلطة. كما أن العقوبات الاقتصاديّة قد تعرقل ولكن لا تردع الإرهابيين. لكنّ الاستثناءات تثبت القاعدة, فالقوّة العسكريّة تبقى حاسمة في بعض الحالات, لكن سيكون من الخطأ الشديد إذا ركّزنا أو نظرنا من زاوية ضيّقة على الأبعاد العسكريّة للقوّة الأمريكيّة.


القـوّة الناعمـة ( اللـيّنة ) Soft Power

من وجهة نظري فإن الولايات المتّحدة إذا أرادت أن تبقى قويّة، فعلى الأمريكيين أيضا أن ينتبهوا إلى قوّتنا الناعمة (الليّنة).

ماذا أعني بالقوّة الناعمة (الليّنة) بالتحديد؟
القوّة العسكريّة والقوّة الاقتصاديّة كلاهما أمثلة على القيادة القاسية والتي يمكن استعمالها لإقناع الآخرين بتغيير مواقفهم ومواقعهم. فالقوّة القاسية يمكنها أن تستند إلى مبدأ "العصا والجزرة"،
لكن هناك أيضا طريقة أخرى وغير مباشرة لاستخدام وممارسة القوّة. فبإمكان دولة أن تحصل على النتائج التي تريدها في السياسة الدوليّة لأنّ الدول الأخرى تريد اللّحاق بها وإتباعها إعجابا بقيمها أو تقليدا لنموذجها أو تطلّعا للوصول إلى مستوى ازدهارها و رفاهها وانفتاحها. في هذا الاتّجاه، من الأهميّة بمكان أن: تضع برنامجا في السياسة الدوليّة يجذب الآخرين إليك، كما أن تجبرهم على التغيير من خلال التهديد أو استعمال القوّة العسكريّة أو الأسلحة الاقتصاديّة. هذا المظهر أو الجانب من القوّة (جعل الآخرين أن يريدوا ما تريد أنت) هو ما أسمّيه أنا بالقوّة الناعمة ( الليّنة )(29)، هذه الطريقة تكسب الناس بدلا من إجبارهم.

القوّة الناعمة تستند إلى: القدرة على وضع برنامج سياسي يرتّب الأولويّات بالنسبة للآخرين.
على المستوى الشخصي، الأبوان الحكيمان يعلمان أنّه إذا قاما بتربية أولادهم على القيم والمفاهيم الصحيحة، فإن قوّتهم ستكون أكبر وستدوم لفترة أطول مما لو كانوا اعتمدوا فقط على الضعف والتوبيخ أو قطع المصروف أو أخذ مفاتيح السيّارة مثلا. كذلك الأمر فيما يتعلّق بالمسئولين السياسيين والمفكّرين مثل "أنتونيو جرامشي" الذين فهموا طويلا القوّة الناجمة عن وضع جدول أعمال وخطّة عمل بالإضافة إلى تحديد إطار عمل لنقاش معيّن.

القوّة الناعمة القدرة على وضع برنامج سياسي يرتّب الأولويّات بالنسبة للآخرين
إن القدرة على تأسيس الأولويات تميل دائما إلى الارتباط بمصادر القوّة المعنويّة:
- الثقـافـة.
- إيديولوجيا.
- مؤسسات.

إن القدرة على تأسيس الأولويات تميل دائما إلى الارتباط بمصادر القوّة المعنويّة، كأن تكون ثقافة جذّابة أيديولوجيا أو مؤسسات. فإذا استطعت أن أجعلك تريد أن تفعل ما أريد أنا، فعندها لن يكون عليّ إجبارك على أن تقوم بما لا تريد أن تقوم به. فلو أنّ الولايات المتّحدة تمثّل قيما يريد الآخرون إتباعها لكانت الكلفة التي ندفعها للقيادة (قيادة العالم) أقل.
أن القوّة الناعمة (الليّنة) ليست تماما كالتأثير، مع أنها مصدر من مصادر التأثير المتعدّدة، في النهاية أنا باستطاعتي أيضا التأثير عليك بالتهديد أو الترغيب.
القوّة الناعمة أيضا لا تعني الإقناع، فهي أكثر من الإقناع والبرهنة بالجدال، فهي: الإغراء والجذب، والإغراء والجذب غالبا ما تؤدّي إلى الرضوخ والتقليد.

القوّة الناعمة هي جزء من قيمنا، هذه القيم موجودة في ثقافتنا وفي سياساتنا التي نتّبعها داخل دولتنا وفي طريقة فرض نفسنا على الصعيد العالمي. في بعض الأحيان، تجد الحكومة أنه من الصعب السيطرة على القوّة الناعمة وتوظيفها. فالأمر شبيه بالحب، فهو صعب القياس والتحمل وليس شيئا ملموسا لكنّ ذلك لا يلغي أهمّيته. وكما قال "هوبير فيدرين": "الأمريكيون أقوياء لهذه الدرجة لأنّ باستطاعتهم استلهام أحلام ورغبات الآخرين، والفضل في ذلك يعود إلى سحر الصور المعولمة التي تبث من خلال الأفلام والتلفاز، ولنفس هذه الأسباب، فإن عددا كبيرا من الطلاّب من دول أخرى يذهبون إلى الولايات المتّحدة لإتمام دراساتهم"(30). لذلك فإن القوّة الناعمة هي حقيقة مهمّة.

لا شك بأنّ القوّة القاسية والقوّة الناعمة ترتبطان ببعضهما البعض وتدعمان بعضهما. فكلاهما مظهر من مظاهر القدرة على انجاز أهدافنا عبر التأثير على طريقة تصرّف الآخرين. هذا وبإمكان بعض مصادر وعناصر القوّة في بعض الأحيان أن تؤثّر على مجمل تصرّفات وسلوك الآخرين من الإجبار إلى الجذب والأغراء (31) .
لكن على الأرجح أنّ الدولة التي تعاني من انحطاط وانحدار اقتصادي وعسكري ستفقد قدرتها على صياغة أجندتها الدوليّة كما أنها ستفقد قدرتها على الجاذبية والإغراء. هذا وقد تنجذب بعض الدول إلى دول أخرى عبر القوّة القاسية عن طريق "أسطورة المناعة أو الحتميّة" (بمعنى أن إتباع هذه الدولة أمر حتمي أن لا مناعة لنا في مواجهتها). فقد حاول كل من "هتلر" و "ستالين" تطوير هكذا أساطير، إذ من الممكن أيضا استعمال القوّة القاسية في تأسيس إمبراطوريات و مؤسّسات تضع أجندة الدول الأخرى الأصغر منها، مثال على ذلك (الهيمنة السوفيتيّة على دول شرق أوروبا).
لكن في المقابل لا نستطيع أن نقول إن القوة الناعمة هي بكل بساطة انعكاس للقوّة القاسية (ليست الوجه الآخر).
فالفاتيكان لم يخسر قوّته الناعمة عندما خسر الدويلات البابوية في إيطاليا في القرن الـ19.
و بالعكس فقد فَِقَدَ الاتّحاد السوفيتي كثيرا من قوّته الناعمة عندما اجتاح هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا على الرغم من أن مصادر القوّة الاقتصاديّة والعسكريّة استمرّت آنذاك في النمو. فالسياسات التعسّفيّة التي طبعت القوّة السوفيتيّة القاسية طغت في حقيقة الأمر على قوّته الناعمة. في حين أنّ بعض الدول مثل: كندا،هولندا والدول الاسكندينافية تمتلك نفوذا سياسيا يفوق بكثير قدرتها وقوّتها الاقتصاديّة والعسكريّة وذلك بسبب تجسيدها لأسباب الإغراء والجاذبية مثل: المساعدات الاقتصاديّة أو حفظ السلام، وتأكيدها في مفهومهم للمصلحة الوطنيّة. وهذه دروس يجب أن يتعلّمها الأحاديّو الجانب المؤمنون باستقلالية السياسة الخارجية خلال تعرّضهم وتعرّضنا للخطر.

لقد طوّرت كل من بريطانيا في القرن التاسع عشر، وأمريكا في النصف الثاني من القرن العشرين قوّتهم من خلال: - إنشاء قواعد ومؤسسات اقتصاديّة ليبرالية دولية منسجمة مع المبادئ والهياكل الليبرالية والديمقراطيّة للرأسماليّة في بريطانيا و أمريكا (التجارة الحرّة ونظام الذهب في حالة بريطانيا، البنك الدولي ومنظمة التجارة العالميّة ومؤسسات أخرى في حالة الولايات المتّحدة).

إذا استطاعت دولة أن تشرع قوتها في عيون الآخرين فأنها ستواجه مقاومة أقل لرغبتها، إذا كانت ثقافتها وأيديولوجيّتها جذّابة فسيرغب الآخرون أكثر في إتباعها، إذا استطاعت أن تؤسس قواعد دوليّة تتماشى مع مجتمعها ستكون رغبتها في التغيير أقل،وإذا كان باستطاعتها أن تساعد دعم المؤسسات التي تشجّع الدول الأخرى على التّحول، أو التي تحدّ من نشاطاتهم بوسائل تفضّلها هي، فعندها من الممكن أن لا تحتاج إلى هذا الكم المكلف من العصي والجزر، (نسبة إلى مبدأ العصا والجزرة).

باختصار:
فإن عالمية ثقافة دولة ما، وقدرتها على وضع قواعد مفضلة ومؤسسات تحكم مناطق النشاط الدولي، هي مصادر حاسمة للقوّة، كقيم الديمقراطيّة والحريّة الشخصيّة والتطور السريع والانفتاح – الذي غالبا ما يتمثّل في الثقافة الشعبيّة الأمريكيّة،التعليم العالي, والسياسة الخارجيّة- المتعلّقة بالقوّة الأمريكيّة في مناطق متعدّدة.
من وجهة نظر الصحافي الألماني "جوزيف جوفي"، فإن:" "قوة الولايات المتحدة الأمريكية الناعمة تفوق مقدراتها الاقتصادية والعسكريّة. فالثقافة الأمريكيّة سواء أكانت ضعيفة أم رفيعة المستوى تشعّ خارجيّا بشكل لم يحصل له مثيل منذ الإمبراطورية الرومانية. إن تأثير ثقافة كل من الرومان وروسيا السوفيتية توقّفت عند حدودهما العسكرية، بينما استطاعت القوّة الناعمة الأمريكية أن تسيطر على إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس أبدا "(32).

بالطبع، فالقوّة الناعمة الأمريكيّة هي أكثر من مجرد ثقافة القوّة. فقيم الحكومة الأمريكيّة داخل بلادها (الديمقراطيّة على سبيل المثال)،في المؤسسات الدولية (الاستماع إلى الآخرين)، وفي السياسة الخارجية (دعم السلام وحقوق الإنسان) من شأنه أن يؤثّر أيضا على خيارات الآخرين. أمريكا باستطاعتها أن تجذب (أو تنفّر) الآخرين عبر تأثير نموذجها عليهم. لكن القوّة الناعمة لا ترتبط بالحكومة الأمريكيّة مباشرة بنفس الدرجة التي ترتبط بها القوّة القاسية، إذ إن بعض مظاهر القوّة القاسية (مثل القوّات المسلّحة) ترتبط ارتباطا حاسما و حصريّا بالحكومة، مظاهر أخرى قد تكون حكوميّة بالوراثة (مثل احتياطات و مخزونات النفط والغاز), ومظاهر عديدة أخرى ممكن أن تنقل إلى السيطرة الجماعية (مثل الموجودات الصناعيّة والتي يمكن نقلها في حالة الخطر والضرورة).




في المقابل, العديد من مظاهر القوّة الناعمة لا ترتبط بالحكومة الأمريكية مع أنّها قد تساهم جزئيّا في تحقيق أهدافها. في الحقبة الفيتناميّة على سبيل المثال، عملت كل من سياسة الحكومة الأمريكية والثقافة الشعبية لأهداف مختلفة. اليوم، قامت الجماعات والعناصر غير الحكومية بتطوير القوّة الناعمة الخاصّة بها والتي قد تتطابق أو تتصادم مع أهداف السياسة الخارجية الرسمية، وهذا سبب آخر لدفع الحكومة للتأكّد من أنّ مساعيها تدعم ولا تتصادم مع القوّة اللينة الأمريكيّة. فأهميّة كل مصادر وعناصر القوّة الناعمة آخذة في الازدياد خاصّة في عصر العولمة و المعلوماتيّة لهذا القرن. ولكن وفي نفس الوقت، فإن الغرور وازدراء آراء الآخرين والنظرة الضيّقة لمصالحنا الوطنيّة والتي يدافع عنها الانفراديّون هي طرق مؤكّدة لتقويض القوّة الناعمة الأمريكيّة.
فالقوّة في عصر العولمة والمعلومات أصبحت أقل ظهورا وأقل استخداما للقهر خاصّة بين الدول المتقدّمة، لكن معظم العالم لا ينتمي إلى المجتمعات (الما بعد صناعيّة)، وهذا بذاته يحدّ من تحوّل القوّة.
فكثير من دول أفريقيا والشرق الأوسط لا تزال محصورة في تراث المجتمعات (الما قبل صناعيّة)، وبمؤسّسات ضعيفة وحكام متسلّطين. دول أخرى مثل الصين، الهند، والبرازيل لديها اقتصاديّات صناعيّة مشابهة في بعض جوانبها لما كان عليه الغرب في منتصف القرن العشرين (33) . في هكذا عالم متنوع، فإن كل عناصر القوّة العسكريّة والاقتصاديّة والناعمة تبقى مترابطة ولكن بدرجات مختلفة وبعلاقات مختلفة. و مع ذلك, فإذا ما استمرّت الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية الحالية، فإن الزعامة أو القيادة في ظل ثورة المعلومات والقوّة الناعمة، ستصبح أكثر أهمّية.

الجدول رقم واحد يزوّدنا بوصف مبسّط عن تطوّر عناصر القوّة خلال القرون القليلة الماضية.

الدول القياديّة ومصادر قوّتها: 1500-2000.

فالقوّة في القرن الواحد والعشرين سوف تعتمد على خليط من عناصر القوّة القاسية والناعمة. وليس هناك من دولة على الإطلاق تحقق لها مثلما تحقق للولايات المتحدة الأمريكية في المجالات الثلاث العسكرية ولاقتصادية والقوة الناعمة، لذلك فمن الخطأ الكبير في هكذا عالم أن نسقط في تحليل الزاوية الواحدة، ومن الخطأ أيضا أن نؤمن أن الاستثمار في القوة العسكرية وحدها سيؤمن لنا القوة اللازمة.








يعتقد الكثيرون، وبشهادة التاريخ، أن تفوق الولايات المتحدة سيحفز على تشكيل تحالف مضاد وموازي لقوّتها وسيحد في نهاية الأمر من قوتها..ولكن إذا امتلكت الدولة القائدة القوّة الناعمة وتصرّفت في إطار يفيد الآخرين، فظهور تحالف مضاد لها سيكون بطيئا جدا عندها.

إن قوّة الولايات المتحدة – القاسية والناعمة– هي فقط جزء من القصّة. كيف يتفاعل الآخرون مع القوّة الأمريكيّة هو أمر مساوي في الأهمية للسؤال المطروح عن الاستقرار والحكم في عصر المعلومات.

يمجّد العديد من الواقعيين (أتباع المدرسة الواقعيّة) فضائل ومزايا توازن القوى الأوروبي الكلاسيكي الذي ساد في القرن التاسع عشر، والذي تتبدل فيه التحالفات بشكل مستمر لاحتواء طموح أي قوّة عدوانيّة متميّزة. إنهم يحثّون الولايات المتّحدة على إعادة اكتشاف مزايا توازن القوى على المستوى العالمي اليوم. مع العلم أن ريتشارد نيكسون كان قد ذكر سابقا قبل هذا وفي السبعينات "الوقت الوحيد في تاريخ العالم الذي حظينا فيه على فترات ممتدّة من السلام، كان الوقت الذي ساد فيه التوازن في ميزان القوى، وأنّه عندما تصبح أمّة واحدة أقوى بكثير و بشكل غير محدود ولا متناهي عن منافسيها الحيويين، فإن خطر الحروب يبدأ بالظهور"(34).

فالحرب كانت دائما رفيقا ثابتا وآلة حاسمة لميزان القوّة المتعددة الأقطاب. توازن القوى الأوروبي التقليدي أعطى استقرار في اتّجاه المحافظة على استقلال معظم الدول، لكن على الرغم من ذلك كان هناك حروب بين القوى العظمى لـ 6% من السنوات منذ عام 15(35) . إن التشبّث المستمر والمتكرّر في ميزان القوى والتعدّدية القطبيّة قد يثبت أنّه أمر خطير بالنسبة إلى الحاكميّة العالميّة أو الإدارة العالميّة خاصّة في عالم قد تتحوّل الحرب فيه إلى حرب نوويّة.

لقد شهدت مناطق عديدة من العالم وفترات متعددّة من التاريخ استقرارا وثباتا في ظل الهيمنة، عندما كانت قوّة واحدة متفوّقة، وقد حذرت مارجريت تاتشر من الانجراف نحو "مستقبل اورويلي من أوقيانيا وأوراسيا وشرق آسيا.. ثلاث إمبراطوريات تجاريّة عالمية تشكل أطراف عدائية بشكل متنامي... بمعنى آخر فإن عام 95 من الممكن أن يبدو مثل عام 1914 ولكنه معروض بشكل ما على خشبة مسرح أكبر"(36).

إن وجهات نظر كل من نيكسون وتاتشر تبدو آلية جدا وذلك لأنهم يستبعدون القوّة الناعمة كلّيا. أمريكا استثناء، كما يقول الصحافي الألماني جوزيف جوفي: "لأنّ هذه القوّة الخارقة هي أيضا المجتمع الأكثر إغراء وإغواء في التاريخ. كان على نابليون أن يعتمد على الحراب حتى ينشر عقيدة الثورة الفرنسية"(37).

إن التعبير "توازن القوى" يستعمل أحيانا بطرق متناقضة، الاستعمال الأكثر إثارة لهذا التعبير يكمن عند استخدامه كمتنبّئ لما ستكون عليه تصرّفات الدول، بمعنى هل سيتّبعون سياسات تمنع أي دولة أخرى من تطوير قوّتها التي من الممكن أن تهدّد استقلالهم؟.

يعتقد الكثيرون، وبشهادة التاريخ، أن تفوق الولايات المتحدة سيحفز على تشكيل تحالف مضاد وموازي لقوّتها وسيحد في نهاية الأمر من قوتها. وكما يقول عالم السياسة (الواقعي) كينيث والتز: "سيتفاعل كل من الأعداء والأصدقاء كأنّهم دول عليها دائما أن تكون تحت التهديد، أو أنّ أحدهم يسيطر على الآخر: سيعملون على إعادة التوازن في ميزان القوى، فالوضع الحالي في السياسة الدولية غير طبيعي"(38).

من وجهة نظري، أعتقد أن هكذا توقّع آلي وميكانيكي يخطأ الهدف، وذلك لسبب واحد وهو أنّ الدول تتفاعل في بعض الأحيان إثر صعود قوّة أحادية فتنضم إلى الأقوى بدلا من الانضمام إلى الجهة الأضعف (عكس النظرة السابقة-المترجم)، وهذا ما فعله موسوليني بالضبط عندما تحالف مع هتلر بعد سنوات من المتردد. أضف إلى أنّ مدى اقتراب الخطر والتصوّرات المتعلّقة به يؤثّر على طريقة تفاعل الدول.(39)

لقد استفادت الولايات المتّحدة من بعدها الجغرافي عن أوروبا وآسيا، لذلك بدت وكأنّها أقل خطرا على تلك المناطق من البلدان المجاورة لها. وبالفعل في عام 1945، كانت الولايات المتّحدة إلى حدّ بعيد أقوى أمّة على الأرض، وبحسب التطبيق العملي لنظرية توازن القوى، كان يجب أن يتم تكوين تحالف ضدّها. لكن بدلا من ذلك، فقد تحالفت أوروبا واليابان مع الولايات المتحدة الأمريكيّة، وهذا لضعف الاتحاد السوفيتي بشكل عام، بينما يشكّل تهديدا عسكريا أعظم بسبب قربه الجغرافي وطموحاته الثورية الطويلة الأمد. اليوم، لا يحبّذ كل من العراق وإيران وجود الولايات المتّحدة في المنطقة لذلك من المتوقع أن يعملوا سويّا لموازنة القوّة الأمريكيّة في الخليج الفارسي، ولكنّهم يخشون أيضا أكثر من بعضهم البعض. القوميّة أيضا من المتوقع لها أن تعقّد التوقعات. على سبيل المثال، إذا أعيد توحيد كل من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، سيكون عندهما دافع كبير للحفاظ على تحالف قوي مع قوّة بعيدة مثل الولايات المتّحدة الأمريكيّة وذلك من أجل الحفاظ على توازن أكبر مع جاريها العملاقين الصين واليابان. لكن القوميّة المتشدّدة التي تؤدي إلى معارضة الوجود الأمريكي من الممكن لها أن تغيّر هذا، خاصّة إذا كانت الدبلوماسيّة الأمريكيّة قاسية. الفاعلون غير الحكوميون أيضا يمكنهم أن يؤثّروا كما لاحظنا ذلك في التحالف ضدّ الإرهابيين والذي أدّى إلى تغيير تصرّفات بعض الدول بعد أيلول 1 .

هذا ومن الممكن أن تكون عدم المساواة في القوّة مصدر سلام وثبات بغض النظر عن كيفية قياس هذه القوّة. إذ يجادل بعض المنظّرين بأنّ التوزيع المتساوي للقوّة بين الدول الرئيسيّة كان نادرا في التاريخ، لكن الجهود المبذولة للحفاظ على التوازن كانت غالبا ما تؤدّي إلى الحروب. من جهة أخرى، فإن اختلال التوازن في القوّة كان غالبا ما يؤدّي إلى السلام والثبات بسبب عدم مقدرة أي من الأطراف على إعلان الحرب على الدولة المسيطرة. لقد قال عالم السياسة روبرت جيلبن: "إنّ السلام البريطاني والسلام الأمريكي مثل سلام روما، ضمن نسبيا نظاما عالميا يتخلله الأمن والسلام". في حين أضاف الاقتصادي تشارلز كايندرليبيرجر أنه: "من أجل أن يكون الاقتصاد العالمي مستقرّا يجب أن يكون هناك جهة تؤمّن له هذا الاستقرار، جهة واحدة ".(4)

إن الحاكمية العالمية تتطلبّ دولة ضخمة تتولى القيادة. ولكن ما هو النوع المطلوب والضروري في عدم المساواة في القوّة؟ وكم وكيف وإلى متى؟

إذا امتلكت الدولة القائدة القوّة الناعمة وتصرّفت في إطار يفيد الآخرين، فظهور تحالف مضاد لها سيكون بطيئا جدا عندها. ولكن من جهة أخرى، فإنه إذا حاولت الدولة القائدة الحفاظ على مصالحها وحدها من نظرة ضيقة واستخدمت ثقلها وقوّتها بغطرسة وفوقيّة فإنها تدفع الآخرين بهذه الطريقة إلى تنسيق جهودهم في التخلّص من هيمنتها.

بعض البلدان تغضب من وزن القوّة الأمريكيّة أكثر من غيرها. والهيمنة تستعمل أحيانا كتعبير عن خزي وعار من قبل القادة السياسيين في روسيا، الصين، الشرق الأوسط، فرنسا، وآخرين. فيما يتم استخدام المصطلح بشكل أقل سلبيّة في البلدان التي تكون القوّة الناعمة الأمريكيّة ذات نفوذ قوي. وإذا كانت الهيمنة تعني القدرة على الإملاء أو على الأقل السيطرة على القواعد والترتيبات المتضمّنة للعلاقات الدوليّة، كما جادل جاشوا جولدشتاين، فالولايات المتّحدة بالكاد تهيمن اليوم(41) . صحيح أنّ للولايات المتّحدة صوت فوق الأصوات المسموعة في صندوق النقد الدولي، لكنّها لا تستطيع لوحدها أن تختار المدير. ولم تكن قادرة على التغلّب على أوروبا أو اليابان في منظمة التجارة العالمية.

لقد عارضت معاهدة الألغام الأرضيّة ولكنّها لم تستطع في النهاية منعها من الصدور. لقد بقي صدّام حسين في الحكم لأكثر من عقد على الرغم من الجهود الأمريكيّة لإبعاده. لقد عارضت الولايات المتّحدة الحرب الروسية في الشيشان والحرب الأهلية في كولومبيا ولكن في النهاية دون فائدة. لو يتم تعريف الهيمنة بشكل معتدل أكثر على أساس أنّها الحالة التي يكون فيها بشكل واضح لدولة معيّنة مصادر قوّة وطاقات أكثر من الآخرين، كان ذلك بكل بساطة يعبّر عن التفوّق الأمريكي وليس بالضرورة عن السيطرة أو التحكّم(42). بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الولايات المتّحدة تسيطر على نصف الإنتاج الاقتصادي العالمي (لأنّ اقتصاديات جميع الدول الأخرى كانت مدمّرة بفعل الحرب) ما كانت قادرة على تحقيق جميع أهدافها(43).

فالسلام البريطاني على سبيل المثال في القرن التاسع عشر كان غالبا ما ينظر إليه كمثال للهيمنة الناجحة بالرغم من أنّ بريطانيا صنّفت وراء الولايات المتّحدة وروسيا، وبريطانيا لم تكن متفوّقة في الإنتاج على بقية العالم كما كانت الولايات المتّحدة منذ عام 1945، ولكن كان لبريطانيا أيضا درجة من القوّة الناعمة. الثقافة الفيكتورية كانت مؤثرة حول العالم، وبريطانيا كسبت سمعةً وشهرة عندما عرّفت مصالحها بطرق تستفيد منها الأمم الأخرى أيضا (على سبيل المثال، فتح أسواقها أمام حركة الاستيراد، والقضاء على القرصنة).

تفتقر الولايات المتّحدة إلى إمبراطورية إقليمية عالمية من الناحية الجغرافيّة كما كانت بريطانيا في ذلك الوقت، إلا أنّها تمتلك بدلا عن ذلك اقتصادا كبير الحجم يعتبر مقياسا قاريّا وله قوّة ناعمة أعظم. هذه الاختلافات بين بريطانيا وأمريكا تقترح بقاء أكبر لقوّة الهيمنة الأمريكيّة. يقول عالم السياسة "وليام وولفورث": "إن الولايات المتّحدة تبدو في المقدّمة حتى الآن، ذلك أنّ منافسيها الحيويين يعتبرون أنّه من الخطر بمكان التركيز على عداوة أمريكا، وباستطاعة حلفاء أمريكا الشعور بالثّقة دائما لأنّه يمكنهم أن يستمرّوا بالاعتماد على أمريكا لحمايتهم(44) . وهكذا فإن قوات الموازنة الاعتيادية ستضعف. ومع هذا، فإذا كانت الدبلوماسيّة الأمريكيّة أحاديّة الجانب ومتغطرسة فإن تفوّقنا لن يستطيع منع الدول الأخرى والفاعلين غير الحكوميين من اتّخاذ الأعمال التي من شأنها أن تعقّد الحسابات الأمريكيّة وتمنع حريّة حركتها وعملها(45) . على سبيل المثال، بعض الحلفاء قد يتبعون العربة الأمريكيّة خاصّة في القضايا الأمنية الكبرى ولكنّهم قد يشكّلون تحالفات لموازنة السلوك الأمريكي في ميادين أخرى كالتجارة أو البيئة، خاصّة أنّ المناورة الدبلوماسيّة القصيرة للحلفاء بإمكانها أن تحصَل بعض التأثيرات السياسيّة، وذلك كما لاحظ "وليام سافير" عندما التقى كل من "فلادير بوتين" والرئيس "بوش" مع بعضهم البعض للمرّة الأولى: "كان مدركا لموقفه الضعيف فحاول الرئيس "بوتين" أن يحاكي إستراتيجية نيكسون بلعب بطاقة الصين، لذلك سافر بوتين مباشرة قبل لقائه بوش إلى شنغهاي ليعقد نصف تحالف وتعاون إقليمي مع "جيانغ زيمين" وأصدقائه الآخرين"(46). وطبقا لأحد المراسلين فإن "تكتيكات بوتين وضعت بوش في موقع دفاعي ممّا جعل بوش يقول بجهد وانزعاج أنّ أمريكا ليست على وشك المضي لوحدها في العلاقات الدوليّة "(47).
من المحتمل أن يدوم السلام الأمريكي ليس فقط لأنّه لا يوجد أحد يضاهي أمريكا في قوّتها وإنما لأنّ الولايات المتّحدة "هي الوحيدة القادرة استثنائيا على التدخّل في المناطق الإستراتيجية والساخنة لتأكيد الشركاء وتسهيل التعاون"(48). إن الطريق المفتوح والمتعدّد الذي تُصنع فيه السياسة الخارجية الأمريكيّة بإمكانه غالبا أن يخفّف من المفاجآت ويسمح للآخرين بأن يكون لديهم صوت مسموع ومساهمة في القوّة الناعمة. أضف إلى ذلك، أنّ التفوّق الأمريكي يلين (يصبح ناعما) عندما يغلّف بشبكة من المؤسسات المتعدّدة الأطراف والتي تسمح للآخرين بالمشاركة في القرارات وتعمل كنوع من الدستور العالمي الذي يحدّ من تّقلب القوّة الأمريكية.

ذلك كان الدرس الذي تعلمته الولايات المتحدة بينما كانت تكافح لتشكيل تحالف ضدّ الإرهاب في أعقاب هجمات سبتمبر/أيلول من العام 1. فعندما يكون مجتمع وثقافة المهيمن جذّابة، فإن اتجاه التهديد والحاجة لموازنته ينخفض جدّا(49) . وسواء ستتّحد الدول الأخرى لموازنة القوّة الأمريكيّة أم لا، فإن ذلك سوف يعتمد على الطريقة التي ستتصرّف بها الولايات المتّحدة وعلى مصادر ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حدود القوّة الأمريكية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** لسا نـــــــــــــــــــــــس ******** :: السنة الثالثة علوم سياسية ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات ) :: عـــــــــام-
انتقل الى:  
1