منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الصين والصعود إلى القمة : تأملات في نموذج تنموي فريد
من طرف 0676261110 الإثنين ديسمبر 10, 2018 10:20 pm

» إدارة الكوارث : نموذج كوبا
من طرف salim 1979 الإثنين ديسمبر 03, 2018 10:24 am

» تعريف ومدلولات الدبلوماسية الإلكترونية
من طرف salim 1979 الإثنين نوفمبر 26, 2018 9:48 am

» البرنامج النووي الإيراني بين الخيار الإستراتيجي والإدارة الغربية للملف النووي
من طرف Sosoo الأحد نوفمبر 25, 2018 10:51 pm

» تحميل كل أعداد الجريدة الرسمية لسنوات 1990-1991-1992-1993-1994.
من طرف salim 1979 الأربعاء نوفمبر 21, 2018 11:02 am

» العرف والقانون الوضعي
من طرف salim 1979 السبت نوفمبر 10, 2018 11:57 am

» التعريف بالبنك الدولي
من طرف salim 1979 الأحد نوفمبر 04, 2018 4:23 pm

» المستويات الاستراتيجية لدول العالم
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:49 pm

» الهوية : تأثير القيم والعقائد على التفاعلات الدولية
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:18 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 الاختراق المعلوماتي والتجسس الأمريكي على العالم... الأبعاد والتداعيات

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أكرم الحوراني
وسام التميز
وسام التميز


الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 240
نقاط : 490
تاريخ التسجيل : 17/09/2013

مُساهمةموضوع: الاختراق المعلوماتي والتجسس الأمريكي على العالم... الأبعاد والتداعيات    الأربعاء ديسمبر 02, 2015 12:41 pm

الاختراق المعلوماتي والتجسس الأمريكي على العالم... الأبعاد والتداعيات

بقلم : خالد وليد محمود

inShare
الخميس هـ - 02 يناير 2014م
ألقت عمليات التجسس الأمريكي بظلالها من جديد على العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبيّة، وفتحت فصلًا جديدًا من "أزمة ثقة" بعد نجاح المستشار السابق بوكالة الأمن القومي الأمريكية[1] إدوارد سنودن Edward Snowden بداية حزيران 2013  ، بتسريب معلومات حول قيام الوكالة بالتجسس على نحو 35 من القادة على مستوى العالم، وعشرات ملايين المكالمات الهاتفية في دول مختلفة، من بينها  دول أوروبية. بالإضافة إلى كشفه تفاصيل برنامج تجسس أمريكي سري لغاية مما أثار الكثير من الجدل داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها بشأن طبيعة ونطاق عملها الاستخباري  و المدى الكبير الذي تصل اليه وكالة الأمن القومي التي وسعت من عمليات المراقبة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011 تحت دعاوى "الحرب على الإرهاب". 
والأزمة التي أحدثتها فضيحة التجسس، إعلاميّة بالدرجة الأولى، بمعنى أن وسائل الإعلام هي التي قامت بالكشف عن هذا الحدث وإعطائه أبعاداً أخرى، لتصل ما وصلت إليه. في البداية جاء تقرير المجلة الألمانية "دير شبيغل"، التي يستقى منها الرأي العام الألماني معلوماته الرسميّة في إطار السباق المحموم بين الصحف العالمية للكشف عن تفاصيل عمليات التجسس الأمريكية الواسعة. فقد كشفت المجلة عن قيام وكالة الامن القومي الامريكي ومن خلال سفارة واشنطن في برلين بأعمال تجسس منظمة وواسعة المدى بدأت بالتنصت على هاتف المستشارة الألمانية ذاتها منذ عام 2002 وحتى عام 2010، وأن المكالمات الهاتفية التي أجرتها من هاتفها تم تسجيلها طوال هذه المدة. وامتدت لتشمل كماً ضخماً من المراسلات والمكالمات الحكومية ونشرت المجلة وثيقة يعود تاريخها إلى عام 2010 تشير إلى وجود وحدة استخباراتية أمريكية تعمل في برلين وفرانكفورت تحت مسمى" خدمة الجمع الخاصة"، وهي وحدة تضم عملاء من المخابرات المركزية وموظفين رفيعي المستوى من وكالة الأمن القومي. أما "صحيفة اللوموند" الفرنسية فوجهت أصابع الاتهام  وبشكل مباشر للسفارة الأمريكية في باريس بنفس المضمون الذي جاء في مجلة "دير شبيغل" الألمانية، واعتبرتها  نفس الأفعال ضد الرئيس الفرنسي وأضافت على الاتهام الألماني أن هناك وحدة استخبارات إسرائيلية اشتركت في أعمال التنصت على قصر الإليزيه، كما كشفت الصحيفة عن أن بعض العاملين بوكالة الأمن القومي الأمريكية يقومون بالتجسس علي أزواجهم وزوجاتهم من خلال استخدام برامج التجسس والتنصت المتوفرة في الجهاز المخابراتي[2].
وفي التفاصيل التي أوردتها صحف ومجلات أوروبيّة فإن هناك وحدات تجسس أمريكية في ثمانين موقعًا حول العالم، من بينها ألمانيا وباريس وروما ومدريد وجنيف وفرانكفورت. وفي برلين حيث لا تبعد السفارة الامريكية عن مكتب ميركل أكثر من ثمانمائة متر توجد من هذه الوحدات يتمركز فيها عاملون من وكالة المخابرات المركزية والطيران والفضاء ناسا، يجمعون المعلومات ويحللونها أو يرسلونها الى مقر البيت الأبيض مباشرة[3]. وأثبتت تلك الوسائل بالدلائل أن وكالة الأمن القومي الأمريكي ومكتب التحقيقات الفيدرالية إف بى آي يتنصتان مباشرة عبر ما يسمى قانون باتريوت[4] على خوادم تسع شركات إنترنت أمريكية لاستخراج الدردشات الصوتية ودردشات الفيديو عبر الإنترنت والصور ورسائل البريد الإلكتروني والوثائق وسجلات الاتصال لعملاء هذه الشركات. كما تقوم أجهزة المخابرات نفسها بتسجيل المكالمات الهاتفية لعشرات الملايين من المواطنين الأمريكيين[5].

ردود الفعل الأوروبية

تواصلت ردود الفعل على عمليات تجسس أجهزة المخابرات الأمريكية على ملايين الاتصالات والمكالمات في أوروبا، وتاليًا رصد لأهم تلك الردود:

  • دفع غضب ألمانيا من عملية التجسس على هاتف ميركل إلى حد القيام باستدعاء برلين للسفير الأمريكي للمرة الأولى في تاريخ البلدين منذ الحرب العالمية الثانية.
  • أعلنت ألمانيا إغلاق مراكز لتبادل المعلومات المرتبط بكابلات الإنترنت العالمية، لتوقف الاتصال بالعالم الخارجي، من خلال وضع أسلوب تقني جديد، يوفر للمستخدمين خدمات الانترنت (بشكله الداخلي)، بهدف حماية البيانات الواردة والصادرة منه.
  •  سعي شركات الاتصالات في ألمانيا إلى تنفيذ مشروع ضخم يهدف إلى حماية مستخدمي الانترنت داخل ألمانيا من التجسس الإلكتروني الأمريكي، يعتمد بشكل أساسي على جعل كافة مراكز تبادل المعلومات عبر الانترنت Exchange Point داخلية وليست عالمية[6].
  • عملت  شركة ''تيليكوم'' الألمانية على التصدي للتجسس الأمريكي، من خلال إنشاء نظام بريد إلكتروني داخلي مشفّر، يقوم على تبادل البيانات عبر خادمات داخلية حصراً[7].
  • اقترح الاتحاد الأوروبي مراقبة حدوده بأنظمة جوية من خلال طائرات بدون طيار متطورة وأعربت الممثلة العليا للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي "كاثرين اشتون" عن أهمية تلك الخطوة قائلة "هناك حاجة ماسة إلى الإعداد لبرنامج طائرات بدون طيار تكون قادرة على أن تعلو بشكل متوسط لفترات طويلة، المعروفة باسم  Male.. ولكن هناك مشكلة واحدة، وهى أن تلك الطائرات تعمل في نفس مستوى الطائرات التقليدية، مما يشكل عقبات رئيسية أمام سلامة المجال الجوي"[8].  
  • تسعى البرازيل لحماية مواطنيها من التجسس الامريكي في المضي قدما لإرغام شركات الانترنت العالمية على تخزين البيانات التي تحصل عليها من المستخدمين البرازيليين داخل البلاد[9]. ورغم معارضة شركات متعددة الجنسيات للبرمجيات ومعدات الكمبيوتر والاتصالات فإن رئيسة البرازيل "ديلما روسيف" تحث المشرعين على إجراء تصويت على مشروع القانون الذي اثاره الكشف عن عمليات تجسس أمريكية واسعة النطاق على بيانات الاتصالات البرازيلية. وإذا تم اقراره فإن القانون الجديد قد يؤثر على طريقة عمل عمالقة الانترنت مثل غوغل وفيسبوك وتويتر وشركات اخرى في اكبر بلد في أمريكا اللاتينية وأحد أكبر أسواق صناعة الاتصالات عالميًا.
  • أعلن مكتب الادعاء العام الاسباني أنه فتح تحقيقًا أوليًا في عمليات التجسس التي تقوم بها الولايات المتحدة بعد الكشف عن قيام وكالة الأمن القومي الأمريكي بالتنصت على اكثر من 60 مليون مكالمة هاتفية في اسبانيا خلال شهر واحد فقط.
  • اعرب قادة الحزبين الرئيسيين في النرويج عن غضبهم بسبب عمليات التجسس الامريكية، وطالبوا الحكومة ببحث المسألة مع ادارة اوباما. وقال تريني سكي جراندي، زعيم الحزب الليبرالي "يعد هذا هجوما على امن وسلامة المواطنين في النرويج شأنه شأن اي هجوم آخر".وقال كنوت اريلد هاريد، زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي، إنه شعر بالصدمة بيد أن هذا الامر لم يفاجئه. وحثت رئيسة الوزراء إيرنا سولبرج على الرد على ما تم الكشف عنه فورا وبحث الامر مع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل خلال لقائهما
  • استدعت كل من فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، سفراء الولايات المتحدة، وأظهرت غضبها مما حدث، وأكدت أنه سيؤثر حتما في آفاق التعاون المستقبلي مع الإدارة الأمريكية.
  • أعلنت ألمانيا وفرنسا عن اعتزامهما التفاوض مع الولايات المتحدة لإبرام اتفاقيات تحظر على أطرافها إجراء أي عملية تجسس ضد بعضها بعضا. وبلغ الأمر في دول أوروبا من الخطورة نتيجة النشاطات التجسّسية لوكالة الأمن الوطني، أن هدّدت بوقف المفاوضات المتعلّقة باتّفاق التجارة الحرّة بين دول الأطلسي، والتي تمثّل هدفاً تجارياً استراتيجياً بالنسبة للولايات المتحدة[10]. 
  • ألقت فضيحة التجسس الأمريكية، بثقلها على جدول أعمال القمة الأوروبية التي عقدت في بروكسل يوم الجمعة 25-10-2013. واعتبرت المفوضية الأوروبية أنه قد حان الوقت ليصدر الاتحاد الأوروبي ردَّ فعلٍ قوي وموحد لهذه "الإهانة الأمريكية"[11]. أما رئيس المفوضية خوسيه مانويل باروزو فقد ندد بهذه العملية، وشدد على حق الأوروبيين في حماية حياتهم الشخصية، وقال: "لا يمكن أن يتصرف المرء كأن شيئاً لم يحدث، إذ يعرف الجميع نتائج استغلال دولة قوتها للتسلل إلى حياة الناس"[12].
  • دعا البرلماني الأوروبي الى تعليق العمل باتفاقية تتبيع تمويل الارهاب الموقعة بين واشنطن واوروبا  والتي تمثل إحدى تجليات صور التعاون ما بين الجانبين[13].

 
لقد ترافقت موجة الغضب الاحتجاجية على برامج التجسس على المواطنين في أرجاء المعمورة التي عبر عنها من خلال تظاهرات ضخمة شارك فيها الآلاف للمطالبة بإصلاح برامج المراقبة والحيلولة دون انتهاك الحريات الخاصة[14]، مع سباق الصحف ووسائل الاعلام العالمية التنقيب عن تفاصيل برامج التجسس الأمريكية خاصة "بريزم" الذي استخدمته وكالة الأمن القومي الأمريكي واستهدفت من خلاله مؤسسات وأفراد ودول في الاتحاد الأوروبي.

البرنامج التجسسي "بريزم"[15]

سرّب "سنودن" Snowden معلومات سريّة للغاية تشير إلى أن وكالة NSA متورطة بأكثر من 61 الف عملية قرصنة على شركات وأشخاص وحكومات. وذكر بأن الوكالة ومكتب التحقيقات لهما القدرة للوصول مباشرة الى الخوادم المركزية لتسع شركات أمريكية رئيسية للإنترنت من خلال برنامج سري للغاية اسمه Prizm "بريزم". وتتضمن الوثائق السرية التي سربها لصحيفتي الواشنطن بوست الامريكية والغارديان البريطانية معلومات عن برنامج (PRISM) وهو برنامج تجسس رقمي مصنف بأنه سري للغاية يُشّغل من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكي. ويعتبر هذا البرنامج أحد البرامج التجسسية الضخمة[16] الذي يتيح لوكالة الأمن القومي الامريكي عبر جمع وتحليل المعلومات الوصول المباشر إلى خوادم الانترنت الكبرى للحصول على رسائل البريد الالكتروني والمحادثات دون الحاجة لأمر قضائي.
يعد برنامج ""PRISM وريث لتاريخ من التحالفات الاستخباراتية مع حوالى مائة شركة أمريكية موثوق بها منذ السبعينيات، وتسمى وكالة الأمن القومي الأمريكية هذه بعمليات المصادر الخاصة، والتي يقع في نطاقها هذا البرنامج، وكان هناك برنامج مشابه يحمل اسم BLARNEY الذى يجمع معلومات فنية عن حركة مرور الاتصالات وأجهزة الشبكة، ووصفه بأنه برنامج جمع مستمر يعزز مجتمع الاستخبارات والشركات التجارية للحصول على المعلومات الاستخباراتية الأجنبية التي يمكن الحصول عليها من الشبكات العالمية واستغلالها، إلا أن برنامج PRISM يبدو أقرب لأوامر المراقبة بدون إذن قضائي المثيرة للجدل التي أصدرها الرئيس بوش عقب هجمات سبتمبر 2001[17].
التزم الكونغرس بقانون حماية أميركا في عام 2007 وتعديلات قانون مراقبة المخابرات الأجنبية لعام 2008، والذي حصن الشركات الخاصة التي تعاونت بشكل طوعي في عملية جمع الاستخبارات الأميركية. قام "بريزم" بتوظيف أول شركائه، شركة "مايكروسوفت"، وبدأ ست سنوات من عملية جمع بيانات متنامية بسرعة تحت سطح جدل وطني مؤرق حول المراقبة والخصوصية.
يركز البرنامج المصدق عليه من المحكمة على حركة الاتصالات الأجنبية، التي عادة ما تتدفق عبر الخوادم الأميركية، حتى عندما ترسل من موقع خارجي لآخر. وفي الفترة ما بين عامي 2004 و2007، أقنع محامو إدارة بوش قضاة محكمة مراقبة المخابرات الأجنبية بإصدار أوامر مراقبة في صيغة جديدة تماما. وحتى ذلك الوقت، تعين على الحكومة تقديم سبب محتمل لارتباط "هدف" أو "مرفق" بعينه بالإرهاب أو الجاسوسية. فـ "المعلومات التي تم جمعها في إطار هذا البرنامج تعتبر من بين أهم وأقيم المعلومات الاستخباراتية الأجنبية التي جمعتها وكالة الاستخبارية الامريكية"[18].


  • شريحة مسربة من عرض تقديمي لـ NSA يوضح عمل برنامج بريزم (المصدر: ويكيبيديا)

بدأ العمل بالبرنامج عام 2007 واستخدم شركة مايكروسفت للوصل إلى هدفه ومن ثم استخدم شركة "أبل" في عام 2012. من خلاله تقوم كالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفيدرالي الخوادم الرئيسة باختراق لتسع شركات إنترنت أميركية كبرى بشكل مباشر، وتقوم باستخلاص محادثات مسموعة ومرئية وصور فوتوغرافية ورسائل بريد إلكتروني ووثائق وسجلات اتصال تمكن المحللين من تعقب أهداف أجنبية.

تشير التقارير بأن هذا البرنامج يعد الأحدث في برامج التجسس حتى الآن. وربما يكون الأول من نوعه. وتتباهى وكالة الأمن القومي بسرقة أسرار وفك شفرات، وقد اعتادت أن تكون شراكات تساعدها في تحويل مسار حركة البيانات أو تخطي الحواجز[19].
 

مازالت الأزمة التي أحدثتها عملية التجسس تتفاقم يوماً بعد يوم، مما أثار زوبعة من الانتقادات للبيت الأبيض في أكبر فضيحة هزّت الإدارة الأمريكية منذ عقود أي بعد، فرغم  مرور ما يزيد على ثلاثة عقود لا يزال العالم وخاصة الولايات المتحدة يتذكر فضيحة "ووترغيت" 1968 حين قرر الرئيس الأمريكي نيكسون التجسس على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس في مبنى "ووترغيت". وفي 17 يونيو/حزيران 1972 ألقي القبض على خمسة أشخاص في واشنطن بمقر الحزب الديمقراطي، وهم ينصبون أجهزة تسجيل مموهة. كان البيت الأبيض قد سجل 64 مكالمة، فتفجرت أزمة سياسية هائلة وتوجهت أصابع الاتهام إلى الرئيس نيكسون. واستقال على أثر ذلك في أغسطس 1974.. وها هم اليوم الأمريكيون يعاودون الكرة ولكن مع حلفائهم الأوروبيين الذين سارعوا إلى مناقشة الخطوات اللازمة لمواجهة الفضيحة[20]. التي وصفها آل جور نائب الرئيس الأمريكي الأسبق بأنها أمر مخز ويجب أن تكون الخصوصية أولوية في عالم العصر الرقمي.

خصوصية الأزمة الراهنة

ليس جديدًا أن تشهد العلاقات الامريكية الأوروبية ما تشهده اليوم من توتر على خلفية التجسس الأمريكي على الأوروبيين وزعمائهم. لقد شهدت هذه العلاقات الكثير من المحطات احتاج معها الطرفان إلى "بداية جديدة"، كان أبزرها عام 2005 عندما برزت نتائج سياسات إدارة جورج دبليو بوش في العالم وتأثيرات هذه السياسات على العلاقات الأطلسية[21].
لكن ما تثيره أزمة التجسس في فترة إدارة الرئيس اوباما، لا بد وأن تكون أعمق مما خلفته إدارة بوش الابن على الحلفاء. فمنذ أكثر من عقدين وتحديدا عام 1992 شرع الاتحاد الأوروبي عبر مفوضيته بتشكيل بنية لمؤسسة أوروبية تقوم على شؤون الأمن والسياسة الخارجية، سعت إلى التوفيق النسبي بين مواقف دول الاتحاد المتناقضة والمتباينة. لكن بقي الأوروبيون في خلفية المشهد الامريكي في الكثير من الملفات العالمية، مع بعض التميز المحدود الذي أبدته فرنسا وبريطانيا وألمانيا ولجنة الأمن والسياسة الخارجية، في بعض الملفات[22].
حاول الرئيس الأميركي باراك أوباما امتصاص صدمة حلفائه على "فضيحة التجسس" بقوله بأنهم "يتجسسون أيضا، فدعونا نتحاور.. وسوف نقوم ببعض التغييرات"[23]. مما دعا  رئيس الوزراء الروسي لطرح سؤالًا مباشرًا: من سيصدق التصريحات الأمريكية التي تقول أنهم لن يتنصتوا على أصدقائهم مرة أخرى؟[24] وحتى تصبح التعهدات الامريكية[25] ذات مصداقية يبدو ان أنصار الحفاظ على الخصوصية حول العالم لن يهدأ قريبًا. وواشنطن تبقى تراوح أمام خيارين إما الالتزام بهذه المبادئ التي تتحدث عنها أو الحرص على عدم تسرب أساليبها التجسسية مرة أخرى ولكن هل تستطيع؟ وهل تقدر أيضًا ترميم الثقة التي تصدعت مع أقرب حلفائها خاصة فما يتعلق بالتنسيق في تبادل المعلومات الأمنية والاستخبارية؟
الملاحظ لغاية الآن من ردود فعل المسؤولين الأمريكيين على فضحية التجسس هو أنهم يبررون هذا الفعل بهاجس الخوف من الإرهاب، أو تفسيره ضمن سياق "مكافحة الإرهاب" أو ما تسمى "الحرب ضد الإرهاب"، التي بدأ الحديث عنها على خلفية هجمات 11 سبتمبر 2011، وبالتالي، فإن ما تقوم به وكالة الاستخبارات الامريكية يستند إلى القول الدارج في السياسة الميكافيلية وهي "الغاية تبرر الوسيلة". من هنا نرى أن واشنطن تتجسس مدركة تماما أن عالما بنى سياسته على مفاهيم ميكافيلية سيتعامل مع الادوات– رفضا وقبولا - وفق قدرتها على الوصول إلى الهدف، وليس استنادًا على القبول الاخلاقي بها. لهذا نرى الادارة الأمريكية تصرّح بأنها تقوم بعملية مراجعة شاملة لأساليب جمع المعلومات الاستخباراتية؛ وبنفس الوقت تقوم بتذكير أصدقائها وحلفائها بأهمّيّة التجسّس الذي تشاركهم فيه.

التجسس من خلال محركات البحث المهيمنة

ليست المنظومة السياسية والامنية لعلاقات دول الشمال وحدها المرشحة للتأثر، بل والاقتصادية أيضا، خاصة والحديث يطال كبرى شركات الانترنت في العالم، سواء "غوغل" أو "ياهو"، وغيرها التي تعتبر بمثابة البوابة التي يلجأ اليها مرتادو الانترنت طلبا للتواصل او تبادل المعلومات. فقد كشفت وثيقة سرية عن قيام وكالة الأمن القومي الأمريكي، باختراق روابط الاتصالات التي تربط بين مراكز بيانات كل من غوغل وياهو حول العالم من خلال اعتراض البيانات عن كابلات الألياف البصرية التي تستخدمها الشركتين، لجمع بيانات مئات الملايين من المستخدمين (العديد منهم أمريكان)، واستطاعت الوكالة جمع بيانات لما يقارب من 181 مليون مستخدم، في يناير 2013، تضمنت رسائل إلكترونية، نصوص، ملفات صوتية، وأشرطة فيديو[26] بالإضافة إلى جمع بيانات المستخدمين، من خلال برنامج يطلق عليه "ماسكيولار" الذي تم تشغليه بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات البريطانية من خلال نقاط اعتراض (غير معلنة)، تقوم بنسخ البيانات التي تتدفق عبر الكابلات لكلا منهما[27]. ورغم ان تسريبات سنودن أكدت على أن وكالة  NASA تحصل بشكل يومي من  شبكة Yahoo and  Google معلومات تخضع للتسجيل وتقدر بمئات الملايين من المعلومات، الا الجنرال Keith Alexander  أشار بالقول "أنا  أستطيع القول باننا لا ندخل على خوادم Google وYahoo لكننا نسلك الطرق ألقانونيةـ عبر القضاء ـ" وهي عبارة غير مباشرة بأن الوكالة تعترض مرور المعلومات، فقد بات معروفا أن الوكالة تدخل على حزمة الالياف الزجاجية تحت البحار"[28].
كما أثارت عملية التجسس قلق كبريات مزودي خدمة الانترنت بعد ان تضمنت تسريبات سنودن عن اختراق وكالة الأمن القومي لعملاقي الانترنت "ياهو" و"غوغل" واعتراض بياناتهما، وهذا  بحد ذاته يعتبر مخالفة قانونية كون وكالة الامن القومي تستخدم الخوادم الاميركية للتجسس. فرغم نفي  المسؤولين في الخوادم الاميركية وابرزها Google فان المعلومات التي سربها سنودن  تشير إلى أن "وكالة الأمن القومي الأميركية لديها اتفاقات سرية، غير معلنة مع عدد من الخوادم اي محركات الأنترنت للدخول وتصفح المشاركين في مختلف دول العالم من خلال برنامجها PRISM"[29].
مما دفع المستشار القانوني لشركة غوغل "ديفيد راموند" بالتعقيب على ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" بقوله "إننا قلقون منذ زمن طويل حيال احتمال وجود هذا النوع من المراقبة، ولذلك عملنا بشكل متواصل على توسيع الترميز، ليشمل عددا متزايدا من خدمات غوغل وروابطه"[30]. وعقبت شركة "ياهو" بقولها "إننا نطبق تدابير مراقبة صارمة جدا, لحماية أمن مراكز جميع معطياتنا، ولم نسمح بالوصول إلى هذه المراكز لا لوكالة الأمن القومي، ولا لأي وكالة حكومية أخرى"[31]. 
إن ممارسة الرقابة في هذه الحادثة، مثل غيرها الكثير، إنما يدعو إلى القلق وذلك بسبب الافتقار إلى الشفافية بعد أن ساور الملايين من المستخدمين الكثير من الشك بشأن حقوقهم في حرية التعبير بعد التجسس على الرسائل والمحادثات التي يجرونها.
لقد أدرك العالم مبكرًا ما تفعله أمريكا بشركات الانترنت لديها لكن ما لم يكن يدركه حجم الرغبة الامريكية في الذهاب بعيدا في ملف التجسس. لقد سبق للبرلمان الأوروبي سنة 2000 ان اصدر تقريرا يتهم فيه الولايات المتحدة بمراقبة المكالمات، والفاكسات، والبريد الإلكتروني لشركات أوروبية من خلال برنامج تجسس يسمى "إيشلون"، وردًا على الاتهامات الأوروبية، أعلنت الولايات المتحدة إنهاء العمل بالبرنامج تماما في سبتمبر 2002. لكن بدا ان انهاء واشنطن العمل بالبرنامج كان كونها كانت تمتلك أدوات تجسسية أخرى.
يظهر أن الولايات المتحدة تطبق سيطرتها التجسسية على العالم "مواطنين ومسؤولين"، فبينما هي تفعل ذلك مع المسؤولين تتكفل شركات الانترنت لديها بالتجسس على مواطني العالم العاديين، لهذا قال جوليان أسانج مدير موقع "ويكيليكس" إن "الفيسبوك" أكثر أداة تجسس مرعبة ابتكرها الإنسان في تاريخ البشرية، خاصة وكالة الاستخبارات الأمريكية التي تتطلع على كافة بيانات البشر في شتى بقاع الأرض.[32]
لكن ما يدعو إلى الريبة أن المسؤولين الامريكيين لم يظهروا ندما كافيا على ما فعلوه، بل إن "نيويورك تايمز" نقلت في احد تقاريرها تأكيد أن المسؤولين الأمريكيين يرون ضرورة مواصلة التجسس على الدول.
إنّ اتساع رقعة قدرة الولايات المتحدة الامريكية على التجسس اكبر بكثير مما يمكن رصده، وعلى حد وصف المدير السابق لوكالة الأمن القومي الأميركي ووكالة الاستخبارات الأميركية، مايكل هايدن، "فإن عسكرة الإنترنت الذي اتبعته وكالة الأمن القومي الأميركي له ما يبرره، نظرا لأن تداول أغلب البيانات على الإنترنت يتم عبر خوادم أميركية، وأيضاً لأن الإنترنت اختراع أميركي سيذكر العالم كله أميركا لأجله، كما يذكر الرومان حالياً للطرق التي شيدوها، بحسب تعبيره[33].
هذا الاخفاق الذي يصيب إدارة واشنطن لملفها الأمني يذكر العالم اليوم بزلزال وثائق ويكيلكس، لكنه اليوم ليس اخفاقا إداريا يمكن تفهمه، بل كارثة يضاعف حجمها تعثر اقتصادي ومالي، انتج مع أسباب موضوعية أخرى شلل امريكي تارة وتخبط تارة أخرى في ملفات كثيرة أزعج حلفاء، الى حد وصف ذلك ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، إن "اعداء امريكا لم يعودوا يخشوننا، أما أصدقاؤنا فلم يعودوا يعتمدون علينا لأنهم لم يعودوا يثقون بنا"[34].
ووفق تقرير لصحيفة "اندبندنت" البريطانية، فان الوثائق التي سربها "ادوارد سنودن" تظهر أن وكالة المخابرات البريطانية تشغل شبكة من "مواقع التجسس الالكترونية" على مرمى حجر من البرلمان الالماني ومكتب المستشارة الالمانية. واعتبر وزير الخارجية الألماني السابق فرانك فالتر شتاينماير، زعيم كتلة الديموقراطيين الاشتراكيين بالبرلمان الألماني حالياً، ان العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة الأمريكية بأنها في غاية التدهور والفتور. "وعلى أثر ما نشرته مجلة "ديرشبيغل" الألمانية وتأكيدها أن وكالة الأمن القومي الأمريكي تستخدم برنامجاً للتجسس الإلكتروني يحمل اسم "بريزم" وأنها استطاعت عبر هذا البرنامج استهداف مؤسسات ودول في الاتحاد الأوروبي، أصدرت المفوضية الأوروبية بياناً طلبت فيه من واشنطن تقديم تفسيرات بهذا الخصوص. ووصف رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولز معلومات التجسس تلك بأنها تمثل "فضيحة كبرى"، حال تأكدها"[35].
يأتي ذلك وقد توالت التقارير أخطرها هي التي تؤكد ان عمليات التجسس الامريكي لم تقتصر على الاوروبيين وحدهم، بل استهدفت منظمات الامم المتحدة نفسها وهو ما أشار إليه العميل الأميركي السابق، توماس دريك وخبير شئون الاستخبارات النمساوي، سيجفريد بيير[36].

اخفاقان بفضيحتين: برادلي مانينغ  وإدوارد سنودن

اليوم، من حق الاوروبيين الشك بأن إجراءات أمنية يتعرضون لها من قبل حليفهم الاستراتيجي "العم سام" وما زالت طي الكتمان من دون الكشف عنها. وإذا كانت ويكيلكس قد وضعت علامات استفهام حول قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على إدارة وثائقها السرية، فإن العالم مجددا قد وضع علامات استفهام أكبر حول الخطوط الحمر والمحاذير التي تضعها واشنطن نصب عينيها في علاقاتها مع حلفائها.
ما يدعو الى الاستغراب استناد البعض في رفضه للتجسس الامريكي على الحلفاء الى العامل الاخلاقي، حتى كتب عدد من الكتاب عن حاجة العالم لثورة أخلاقية جذرية[37]، رغم أن المستند الاخلاقي في تعامل الدول مع بعضها لبعض كان منذ الازل ولا زال خاضع لعامل المصالح فقط.
في الحالتين، "ويكيلكس والتجسس على الحلفاء" كان السبب وراءهما مواطنان امريكيان قادهما موقعهما الى معرفة تصادمت مع ما يسمعانه من الخطاب الاخلاقي للسياسة الامريكية. الاول: الجندي الأمريكي برادلي مانينغ الذي سرب آلاف الوثائق السرية لموقع ويكيليكس الاليكتروني، والثاني إدوارد سنودن، الذي عمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ووكالة الأمن القومي، وقام بنشر معلومات سرية خاصة بعمل الوكالة.

خلاصة

أحدثت انشطة التنصت الامريكية قدرًا كبيرًا من الحرج الدبلوماسي مع الخصم والصديق على حد سواء ورغم أن رأس هرم الدبلوماسية الأمريكية حاول امتصاص نقمة غضب الحلفاء حين اعترف أن بلاده ذهبت بعيدًا في انشطة التنصت وأن الادارة الأمريكية ستحرص على عدم تكرار هذا الأمر مستقبلًا. ويبدو ان الرئيس الامريكي الذي تكاد ان تلتصق فضيحة التجسس باسمه أمر وكالة الأمن القومي الامريكي بوقف التنصت على الصندوق والبنك الدولي والأمم المتحدة في النيويورك وذلك من أجل تفادي ما يمكن تفاديه من تدهور للعلاقات الامريكية مع حلفائها وأصدقائها.
 فثمة محددات كثيرة تجعل من الصعب أن تهجر دول الاطلسي بعضها البعض بسبب الطلاق العاطفي الذي أصاب علاقاتها مع أمريكا. فهناك روسيا الراغبة في الظهور على خشبة المسرح كقوى قطبية مجددا، وهناك ملفات مصر وسوريا وهناك ما تعانيه أمريكا من أزمة مالية، وهناك الملف الايراني وما يحمله من تهديد على أمن دول الشمال، اضافة إلى اسرائيل.
من المؤكد أن ذيول عملية التجسس لن تتوقف، وستتواصل تداعياتها لفترة زمنية على العلاقات الامريكية الاوروبية، لكن الطرفين لن يذهبا بعيدا في تمادي تأثير هذه الفضيحة على علاقاتهما، وبالتالي لن تكون هذه الأزمة سوى سحابة صيف في مسار العلاقات بين ضفتي الأطلسي، بعد أعلنت دول أوروبية عديدة أنها ستسعى إلى إيجاد أرضية تفاهم مع واشنطن قبل نهاية هذا العام في ما يتعلق بمسائل ووضع تصور أمني معلوماتي عالمي جديد ملزم للجميع ضمن إطار الأمم المتحدة، وستحل الأمور بالتفاهم وليس بقطع العلاقات الاستراتيجية إلا أن ذلك سيحتاج إلى جهد استثنائي تبذله الدول الأطراف لترميم العلاقات المأزومة عبر الأطلسي لكن الأمور قد تشتد أكثر إذا ما كشف ادوارد سنودين عن المزيد من المعلومات أو السرية.
 إنّ بعض الاتفاقيات المعلنة والسرية كافية ليهدأ الاوربيون بعد أن أعلن البيت الأبيض  إلى أن أوباما مستعدّ، على ما يبدو، للتفاوض بشأن فرض قيود جديدة على أساليب جمع المعلومات كخطوة تفسر على انها مسعى لتهدئة أصوات الاحتجاج الآتية من القارة العجوز. رد واشنطن تضمن الحديث عن مراجعة ولم يتضمن "وعدًا" بعدم التجسّس "اطلاقّا" على الحليف والصديق، وخصوصاً أن الولايات المتحدة كانت تقوم بهذا العمل منذ عقود عدّة، وطالما بقيت الكثير من مصالح أوروبا بيد واشنطن سيما في الجوانب الاستخباراتية فلن يلحظ العالم الكثير من المتغيرات في العلاقات بين الجانبين. على المستوى الآخر[38] فإنه وعلى الرغم من ان تستطيع واشنطن تقليص الضرر وتهدّئ مخاوف الدول الأوروبية بفرض بعض القيود التي تقيّد جمع المعلومات، فإن هذا الاجراء قد لا يهدّئ غضب  المواطنين الأوروبيين و"مزودي الانترنت" بعد أن تبين قيام الوكالة الأمريكية بالتجسس من خلال محطات التنصت الإلكتروني التابعة على أهم المواقع على الانترنت التي يتعامل معها "المستخدمون" بشكل يومي مما حدا بمنظمات المجتمع المدني برفع دعاوى قضائية ضد وكالة الأمن القومي الأمريكية، طالبوا فيها بوقف استخدامها للبيانات، التي حصلت عليها الوكالة بطريقة غير قانونية على اعتبار ان ذلك يعد انتهاكًا و تعديًا على خصوصيتهم.




المصادر

[1] وكالة الأمن القومي   National Security Agency واختصارها NSA، وهي كالة أمريكية فيدرالية مختصة بشؤون جمع المعلومات المرسلة عن طريق أنظمة الاتصالات المختلفة، وتحليلها بواسطة تقنيات متقدمة. تم انشائها في 4 نوفمبر، 1954 بغرض جمع المعلومات عن الاتصالات الدولية وتحليلها. ومقرها الرئيسي في" فورت ميادي"بولاية ماريلاند الأميركية.
[2] دير شبيغل‏:‏ واشنطن تجسست علي هاتف ميركل منذ‏2002‏ وآلاف الأمريكيين يحتجون بعد تجسس حكومتهم علي حياتهم الشخصية، صحيفة الأهرام،28/10/2013، الرابط
[3] أبعاد تجسس أميركا على حلفائها، الجزيرة نت، 29/10/2013، الرابط
[4] أحد أنواع قوانين العمل بحالة الطوارئ بعد 11/9/2011 لما يشتمل عليه من إجراءات ووسائل لا يتم العمل بها في الإطار الطبيعي لسير إجراءات حفظ الأمن والاستقرار وتطبيقها في أوساط مجتمعهم .ومن خلال هذا القانون يمكن للسلطات الامريكية انتهاك خصوصيات الأفراد في مساكنهم أو مكاتبهم وسائر أعمالهم والتجسس عليهم.
[5] فضيحة التجسس الأمريكي، الأهرام اليومي، على الرابط
[6] أمريكا تتجسس على 181 مليون مستخدم لـ "جوجل" و "ياهو"، صحيفة الوقت، 1/11/2013، الرابط
[7] المصدر نفسه.
[8] المصدر نفسه.
[9] البرازيل تصر على تخزين بيانات الإنترنت داخل البلاد خوفا من التجسس الأمريكي، الرابط
[10] لماذا تتجسّس واشنطن على حلفائها؟، مجلة المشاهد السياسي، 9/11/2013، الرابط
[11] نفق التجسس الأمريكي، صحيفة الخليج، 3/11/2013، الرابط
[12] القمة الأوروبية تنشغل بالتجسس الأميركي بعدما طاول الهاتف الخليوي لمركل، صحيفة الحياة،25/10/2013، الرابط
[13] .  بدأ العمل بهذا البرنامج بعد أحداث 11 سبتمبر في ظل إدارة جورج بوش كجزء من التعاون الأوروبي مع الولايات المتحدة للحرب على الإرهاب. بمقتضى هذا البرنامج، سمح للولايات المتحدة تتبع عدد كبير من التحويلات البنكية من خلال الدول الأوروبية. ولقد ظل هذا البرنامج في طي السرية حتى كشفت عنه عدد من الصحف، من بينها النيويورك تايمز، والواشنطن بوست في عام 2006، وهو ما دفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتحويله إلى اتفاقية معلنة تقوم على أسس قانونية.
[14] صحيفة الاهرام، 28/10/2013
[15] انظر: برنامج سري يتيح لوكالات الأمن الأميركي الحصول على بيانات تسع شركات إنترنت كبرى، الشرق الاوسط، الرابط
[16] هناك برنامج تجسس آخر كشفت عنه الادارة الامريكية وهو "مخبر بلا حدود" لكشف وتحليل المعلومات وجمع هذا البرنامج مائة مليون معلومة استخبارية وتم الكشف لاحقا عن برنامج "اكس كي سكور" اطلقته وكالة الامن القومي الامريكي في العام نفسه ويعتبر من اخطر برامج التجسس حيث يتيح للوكالة مراقبة شاملة للإنترنت. هذه البرامج الثلاثة أهم برامج التجسس الامريكية التي اطلقتها الوكالة عام 2007
[17] أمريكا تدخل مباشرة على "سيرفرات" كبرى شركات الإنترنت للحصول على معلومات استخباراتية، اليوم السابع، الرابط
[18] أمريكا تدخل مباشرة على "سيرفرات" كبرى شركات الإنترنت للحصول على معلومات استخباراتية، اليوم السابع، الرابط:
[19]    6.52  مليار دولار إجمالي "الميزانية السوداء" لشبكة التجسس الأمريكية. انظر: صحيفة اليوم السابع، على الرابط التالى : الرابط
[20] من بينها اللجوء إلى الأمم المتحدة للتوصل إلى ضمانات فيما يتعلق بالرقابة على الاتصالات
[21] يعقوب جابر، مستقبل العلاقات الامريكية الاوروبية، جريدة الدستور، 15/2/2005
[22] جواد الحمد، مجلة دراسات شرق أوسطية، العدد (31)،  ربيع 2005
[23] التجسس الأمريكي.. هل يميز بين الأعداء والحلفاء؟.. رؤية غربية، صحيفة أخبار الخليج، البحرين، على الرابط التالى: الرابط
[24] تداعيات فضيحة التجسس الأميركية، الجزيرة نت، 1/11/2013، لمشاهدة الفيديو على الرابط التالى: الرابط
[25] تمثلت ردود الفعل الأمريكية الرسمية على فضيحة التجسس بالتالي: "رد وزير الخارجية كون كيري على ذلك بأن السعي للحصول على معلومات من دول أخرى ليس أمرًا غير أمر معتاد. في الوقت نفسه قلّل البيت الأبيض على لسان المتحدثة باسم الرئاسة كاثيلين هايدن من شأن الجدل الناجم عن كشف أنشطة التجسس الأمريكي في فرنسا، مشيرة إلى أن واشنطن تجمع من الخارج معلومات استخباراتية مثل كل الدول، مشيرة أيضاً إلى ما ورد في خطاب الرئيس الأمريكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الفائت من أن واشنطن بدأت مراجعة الأسلوب الذي تجمع به المعلومات الاستخباراتية بهدف الموازنة الصحيحة بين المخاوف الأمنية المشروعة لمواطنيها ومواطني الدول الحليفة من جهة، والمخاوف من انتهاك الخصوصية.أما رئيس وكالة الأمن القومي، الجنرال كيث ألكسندر، فألقى خطابا أمام الكونغرس، أشار فيه إلى أن ما نشر عن تنصت الولايات المتحدة على ملايين المكالمات الهاتفية لمواطنين في إسبانيا وفرنسا غير صحيح، وأن هذه المعلومات قد جمعتها الأجهزة الاستخباراتية للدول الأوروبية ذاتها، وهي التي قامت بتسليمها للولايات المتحدة، وهو بالتالي لا يرى ما يتعارض مع مشروعية حصول الولايات المتحدة على هذه المعلومات" .
[26] شركات الإنترنت تحت حصار التجسس الأمريكي وتقنيات أوروبية جديدة لمواجهة الأزمة، على الرابط التالى : الرابط
[27] المصدر نفسه
[28] مصدر سبق ذكره، على الرابط التالى : الرابط
[29] جاسم محمد، تداعيات تجسس أميركا على حلفائها .. الاستخبارات تعيد الحرب الباردة، صحيفة المثقف،14/11/2013 على الرابط التالى :الرابط
[30] أمريكا تجسست على جوجل وياهو، صحيفة الراية، 1/11/2013، الرابط:
[31] NSA infiltrates links to Yahoo, Google data centers worldwide, Snowden documents say, Link
[32] "الفيس بوك" أداة تجسس مرعبة ابتكرها الانسان، صحيفة اليوم السابع، 23/5/2011، على  الرابط التالي: الرابط
[33] الإرهابيون يفضلون بريد غوغل، سكاي نيوز، 17/11/2013
[34] فضيحة التنصت.. شرخ في علاقات "شرطي العالم" بحلفائه، المصري اليوم، 1/11/2013، على الرابط التالى : الرابط
[35] محمد السعيد ادريس، فضائح التجسس . . حرب أمريكية ناعمة، العربية. نت، 30/10/2013
[36] استعرض بيير العمليات الاستخباراتية الامريكية في بلده النمسا مؤكدا استهداف وكالة الأمن القومي الامريكي لمقار المنظمات الدولية في فيينا، خاصة وان الأمريكيين مهتمون في المقام الأول بما يحدث داخل المنظمات الدولية في النمسا"، الخاضعة كما قال لعملية تنصت بشكل كامل. انظر: مجلة "بروفيل": اتساع أبعاد فضيحة التنصت الأمريكي في النمسا، الرابط
[37] نفق التجسس الأمريكي، صحيفة الخليج، 3/11/2013، على الرابط التالى : الرابط
[38] على أثر فضيحة التجسس  تجمع المتظاهرون الذين بلغ عددهم بحسب المنظمين4500 شخص أمام مبني الكابيتول مقر الكونجرس، واطلقوا هتافات ضد وكالة الامن القومي، من بينها وكالة الأمن القومي يجب أن ترحل وأوقفوا الحكومة السرية وكفوا عن التجسس وكفوا عن الكذب. كما رفعوا لافتات كتب عليها كفوا عن مراقبتنا. وقدم المتظاهرون الى الكونجرس عريضة وقعها عبر الإنترنت أكثر من575 الف شخص تطالب البرلمانيين بـكشف الحجم الكامل لبرامج التجسس لوكالة الأمن القومي المكلفة اعتراض الاتصالات علي أنواعها.



النشرة الالكترونية

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أكرم الحوراني
وسام التميز
وسام التميز


الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 240
نقاط : 490
تاريخ التسجيل : 17/09/2013

مُساهمةموضوع: رد: الاختراق المعلوماتي والتجسس الأمريكي على العالم... الأبعاد والتداعيات    الأربعاء ديسمبر 02, 2015 4:53 pm

16‏/01‏/2009


مفهوم الأمن في القانون الدولي العام



مفهوم الأمن في القانون الدولي العام
د।خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
1- مفهوم الأمن: تعريف:
من أحدث تعريفات الأمن وأكثرها تداولاً، تعريف باري بوزان، أحد أبرز المختصين في الدراسات الأمنية، وهو يعرف الأمن بأنه "العمل على التحرر من التهديد"، وفي سياق النظام الدولي فهو "قدرة المجتمعات والدول على الحفاظ على كيانها المستقل، وتماسكها الوظيفي ضد قوى التغيير التي تعتبرها معادية"([1])، والأمن يمكن فقط أن يكون نسبياً ولا يمكن أن يكون مطلقاً.
لكن الجامعي الفرنسي داريو باتيستيلا يرى في تعريف بوزان تبسيطاً لمعنى تعريف آرنولد ولفرز لعام 1952، الذي نال نوعاً من الإجماع بين الدارسين، وهو يرى أن "الأمن موضوعياً يرتبط بغياب التهديدات ضد القيم المركزية وبمعنى ذاتي، فهو غياب الخوف من أن تكون تلك القيم محور هجوم" وهي تتمثل بـ" بقاء الدولة، الإستقلال الوطني، الوحدة الترابية، الرفاه الاقتصادي، الهوية الثقافية، الحريات الأساسية..."([2]).
وللأمن مفهوم مزدوج، حيث لا يعني فقط وسيلة للتحرر من الخطر، بل يعني أيضاً وسيلة لارغامه وجعله محدوداً، وبما أن الأمن أوجده الخوف فإنه يقتضي ضرورة القيام بإجراءات مضادة للتحكم فيه، أو تحييده واحتوائه.
وقد تبنت بعض الدراسات نظرة أوسع للأمن تشمل الجوانب العسكرية وغير العسكرية لاسيما تلك التي تتناول دول العالم الثالث، التي أظهرت أهمية العوامل السياسية في المسألة الأمنية والاختلافات بين الدول المتقدمة والنامية. إذ أن التهديدات لأمن الأخيرة تأتي أساساً من المناطق المحيطة بها، إن لم تأت من داخل الدولة ذاتها. وهذا نتيجة لضعف البنى الدولية وعجز في شرعية الأنظمة، مما يتسبب في مشاكل أمن داخلية للدولة والتي غالباً ما تقود إلى صراعات مع الجوار.
لقد ميز بوزان خمسة أبعاد أساسية للأمن([3]):
- الأمن العسكري: ويخص المستويين المتفاعلين للهجوم المسلح والقدرات الدفاعية، وكذلك مدركات الدول لنوايا بعضها.
- الأمن السياسي: ويعني الاستقرار التنظيمي للدول، ونظم الحكومات والأيديولوجيات التي تستمد منها شرعيتها.
- الأمن الاقتصادي: ويخص الموارد المالية والأسواق الضرورية للحفاظ بشكل دائم على مستويات مقبولة من الرفاه وقوة الدولة.
- الأمن الاجتماعي: ويخص قدرة المجتمعات على إعادة انتاج أنماط خصوصيتها في اللغة والثقافة والهوية الوطنية والدينية والعادات والتقاليد في إطار شروط مقبولة لتطورها.
- الأمن البيئي: ويتعلق بالمحافظة على المحيط الحيوي المحلي أو الكوني كعامل أساسي تتوقف عليه كل الأنشطة الإنسانية.
وبفعل العولمة، حدثت تحولات في مفهوم الأمن والمشهد الأمني العالمي، وأبرزها تحولات القوة، التي لم تعد ترتبط ارتباطاً وثيقاً ووحيداً بالعامل العسكري. بل تعدته إلى التكنولوجيا والتعليم، والنمو الاقتصادي والاعتماد المتبادل والمعلومات. فالقوة العالمية اليوم تتأسس على مصادر هي من قبيل القوة اللينة، كما تقوم على مصادر ملموسة: القوة الصلبة. وكما يلاحظ جوزيف ناي فإن : "القوة أقل تحولية، وأقل قهرية، وأقل ملموسية"، ذلك أن تحويل المكاسب المحققة في مجال ما نحو مجال آخر يزداد صعوبة، أما فيما يخص الأمن، فإن الأمن اللين يعني التهديدات غير المباشرة أو التهديدات غير العسكرية، مثل عدم الإستقرار، التطرف، الإرهاب، التهريب، المخدرات، الهجرة غير المشروعة، الجريمة المنظمة، بينما يقصد بالأمن الصلب: التهديدات المباشرة أي التهديدات العسكرية([4]).
واقع الأمر أن مفهوم الأمن متنازع عليه، وقد أدت التغييرات على البيئة الأمنية المعاصرة إلى كثير من المحاولات لتعريف هذه التغييرات ووضع اطارها المفاهيمي، سياسياً ونظرياً، وتأثيراتها على الدول والمجتمعات والأفراد. وقد انضمت إلى المفهوم التقليدي للأمن مفاهيم أخرى توسع طبيعة التهديدات المحتملة (الإرهاب، الجريمة المنظمة...)، وهي تهديدات ترتبط بعوامل الخطر في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية، وتعمّق الأهداف المهددة لتشمل الأمن العالمي والجماعات دون الوطنية والأفراد([5]).
إن إعادة تحديد الأطر المفاهيمية للأمن، التي توسع حالة الأمن لتشمل المخاطر والتهديدات الجديدة، التي تتجاوز الهجوم العسكري، تولّد مفاهيم مثل الأمن الداخلي، الأمن الوظيفي والأمن البيئي. وتتطلب المفاهيم العميقة للأمن التي ترتبط بحماية الأفراد من التهديدات التي تستهدف أمنهم، بناء إطار اجتماعي يستطيع البشر من خلاله أن يعيشوا بحرية من الخوف والحاجة على حد سواء.
وتركز النظريات الواقعية على المشاكل الدولية، والصراعات، وتبرز رؤى الشركات العالمية العابرة للحدود والقومية، النواحي الاقتصادية والمحافظة على النظام الاقتصادي الدولي. وتركز وجهات نظر الأمن الإنساني، التي أخذت تبرز على ظروف الأفراد والعالم، كما أن بدء تحليل المخاطر يبرز طريقة متممة للتعامل مع المشاكل الأمنية للتغلب على التناقض بين الأنواع المختلفة للمفاهيم الأمنية([6]).
2- الأمن الإنساني:
في تقرير الأمن الإنساني 2005، بيانات عن التهديدات العنفية للأفراد، وقد ميّز فريق مؤلفي التقرير، بين "العنف السياسي" و "العنف الإجرامي" وهم يعتبرون أن العنف السياسي يشمل بالإضافة إلى الصراعات المسلحة العنف الجماعي وصراع الجهات غير الحكومية والإبادة الجماعية و"القتل السياسي".
وفي موجز الأمن الإنساني لعام 2006، أنه يتعلق بحماية الأفراد والمجتمعات من أي شكل من أشكال "العنف السياسي" وأن التعريف الملائم للأمن الإنساني يشمل كل أنواع العنف الجماعي التي تهدد حياة الأفراد والمجتمعات في صحتها ومعيشتها([7]).
إن التحول الإنساني في السياسة الدولية، قابله توسع الإهتمامات بالأمن الوطني، فكل أنواع العنف الجماعي يمكن أن تصبح اهتماماً أمنياً إذا كان حجمها كافياً لتهديد نسيج المجتمع، وقد شددت استراتيجيات الأمن القومي الأميركي للأعوام 2002 و 2006، واستراتيجية الأمن الأوروبي لسنة 2003، على المدى الراهن لتهديدات المجتمعات العابرة للحدود القومية، مثل الإرهاب الدولي، وحصول جهات غير حكومية على أسلحة الدمار الشامل وشبكات الجريمة العابرة للحدود القومية.




الفصل الأول: نظام الأمن الجماعي
المبحث الأول: مفهوم الأمن الجماعي
الأمن الجماعي، هو ذلك النظام، الذي يهدف إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين، عن طريق تكاتف الدول المحبة للسلام في إطار تنظيم دولي، للوقوف في وجه أي دولة تلجأ إلى انتهاك هذا السلم، أو تعمل على تهديده. واتخاذ التدابير الجماعية المؤدية إلى الحدّ من الانتهاكات([8])، وقد عرّف فريق الخبراء الحكوميين، الذي شكله الأمين العام لإجراء دراسة شاملة لمفاهيم الأمن، تطبيقاً لقرار الجمعية العامة رقم 188 في الدورة 38 لعام 1983، مفهوم الأمن في تقريره الذي نشر عام 1986 على النحو التالي: الأمن من حيث المبدأ، هو حالة ترى فيها الدول، أنه ليس ثمة أي خطر في شن هجوم عسكري أو ممارسة ضغط سياسي أو اكراه اقتصادي بحيث تتمكن من المضي قدماً نحو العمل بحرية على تحقيق تنميتها الذاتية وتقدمها([9]).
مقومات نظام الأمن الجماعي:
1- لقيام نظام أمن جماعي، لا بد من توافر تعهدات إيجابية من جانب الدول المعنية به، أبرزها التالي:
‌أ- حظر اللجوء إلى القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، إلاّ في حالتين فقط:
- من خلال الجهاز الدولي، الذي يجب أن يكون مسؤولاً عن تنفيذ نظام الأمن الجماعي.
- حالة الدفاع عن النفس. مرهونة بتوافر شروط معينة، لا تخرج عن تلك التي نصّت عليها المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
‌ب- احترام الإلتزامات الناشئة عن المعاهدات المبرمة بين الدول الأعضاء.
‌ج- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
‌د- تسوية المنازعات الدولية بالوسائلل السلمية.
2- ضرورة توسيع نطاق العضوية – أي شرط عالمية العضوية، أو شبه العالمية. ولأن عالمية العضوية، تؤدي غالباً ِِإلى الحد من مخالفة النظام الدولي العام.
3- توافر حياد وموضوعية نظام الأمن الجماعي. فإذا أريد للأمن الجماعي أن يؤدي وظيفته بنزاهة وتجرد، يجب على الحكومات والشعوب، أن تبدي مرونة أساسية في سياستها وعواطفها. فالأمن الجماعي لا يعترف بالصداقات التقليدية، ولا بالعداوات المزمنة، ولا يسمح بتحالفات مع، وتحالفات ضد.
4- أن تكون القوة الجماعية قادرة على تحقيق الردع وعدم الإخلال بالالتزامات التي يتضمنها نظام الأمن الجماعي. أي أن نظام الأمن الجماعي يتطلب أن تكون لديه الوسائل القسرية التي يمكنه اللجوء إليها في مواجهة الدولة التي تخلّ بالإلتزامات التي يفرضها النظام. وتتمثل هذه الوسائل فيما يسمى بالجزاءات (العقوبات). وهي جزاءات متعددة المستويات على النحو التالي([10]):
‌أ- الجزاءات غير العسكرية: ومنها الدبلوماسية، والمالية والاقتصادية.
‌ب- الجزاءات العسكرية: وهي التي تتطلب استخدام القوة العسكرية في تنفيذها.
[ ولكن في ضوء التطورات المتزايدة على الصعيد الدولي، وبروز عمليات التكامل والتعاون الدوليين، وازدياد نفوذ المؤسسات والشركات الدولية كفاعلين جدد على الساحة الدولية. ظهرت طروحات جديدة في النظرة للأمن الجماعي ومقوماته.
وأبرز هذه الطروحات ما تحدث عنه روبرت مكنمارا في كتابه "جوهر الأمن"([11])، في ستينات القرن الماضي. والذي أسس لمفهوم جديد للأمن: "إن الأمن ليس هو المعدات العسكرية وإن كان يتضمنها، والأمن ليس القوة العسكرية وإن كان يشملها، والأمن ليس النشاط العسكري التقليدي وإن كان ينطوي عليه. إن الأمن هو التنمية ومن دون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن. والدول النامية التي لا تنمو بالواقع، لا يمكن ببساطة أن تكون آمنة".
المبحث الثاني: نظام الأمن الجماعي في نطاق عصبة الأمم
[ مثل عهد عصبة الأمم، قفزة كبيرة نحو التثبيت الرسمي لعناصر الأمن الجماعي. فقد تحددت صيغته كما يلي: "قامت العصبة بين دول تعاقدت فيما بينها بصورة اختيارية، بهدف تشجيع التعاون الدولي، وتحقيق السلام والأمن الدوليين، من خلال الإلتزام بعدم اللجوء إلى الحرب. على أن يكون القانون الدولي، هو قاعدة السلوك المتبعة في العلاقات بين الدول التي يجب أن تكون علنية وعادلة وشريفة.
لقد قام نظام الأمن الجماعي الذي تضمنه عهد عصبة الأمم على ثلاثة عناصر رئيسية هي:
‌أ- احترام سلامة أقاليم جميع أعضاء العصبة واستقلالها السياسي. فقد نصت المادة العاشرة منه على أن "يتعهد أعضاء العصبة، باحترام سلامة أقاليم جميع أعضاء العصبة، واستقلالها السياسي القائم، والمحافظة عليه ضد أي عدوان خارجي". وفي حالة وقوع عدوان من هذا النوع، أو في حالة وقوع تهديد أو خطر، يبادر مجلس العصبة إلى استخدام الوسائل الكفيلة بتنفيذ التزاماته.
‌ب- تسوية النزاعات سلمياً. إذ نصّت المادة 12 من العهد على أنه "إذا نشأ نزاع من شأنه أن يؤدي إلى احتكاك دولي. يوافق الأعضاء على عرض الأمر على التحكيم، أو التسوية القضائية، أو التحقيق بواسطة المجلس. كما نصّت المادة 13 فقرة (1): أنه كلما نشأ نزاع بين أعضاء العصبة، يحال إلى التحكيم، أو التسوية القضائية، إذا لم يكن ممكناً تسويته على نحو مرض بالدبلوماسية. وتوضح الفقرة (2) من المادة 13، أنواع الخلافات التي يمكن أن تنشأ، والتي تعتبر من الخلافات الملائمة للتحكيم أو التسوية القضائية. كما توضح الفقرة (3) من المادة نفسها، أن المحكمة المختصة في مثل هذه الحالات هي: "المحكمة الدائمة للعدل الدولي" أو أية محكمة يتفق عليها أطراف النزاع.
‌ج- عدم مشروعية الحرب، إلا إذا جاءت بعد انقضاء ثلاثة شهور على صدور قرار التحكيم أو الحكم القضائي أو تقرير المجلس، في أي نزاع ينشأ ومن شأن استمراره أن يؤدي إلى احتكاك دولي. وفي المادة 16، اعتبر الحرب غير مشروعة، إذا لجأ عضو من أعضاء العصبة إليها مخالفاً تعهداته وفقاً للمواد 12 و 13و 15. فيكون قد ارتكب فعلاً من أفعال الحرب ضد جميع أعضاء العصبة. وقد نصت المادة المذكورة على العقوبات التي تفرض في هذه الحالة على العضو المخالف مثل: قطع العلاقات التجارية، والمالية، والعقوبات العسكرية.
شكل قيام عصبة الأمم خطوة حاسمة في طريق انتقال العلاقات الدولية من حالة "الطبيعة" إلى حالة "المجتمع" على حد تعبير هوبز وذلك من زوايا عديدة([12]):
- أنها فتحت أبواب عضويتها أمام الدول كافة، واستناداً إلى قاعدة المساواة السيادية بينها، من دون تمييز بين الدول الكبرى والدول الصغرى، سواء في حقوق العضوية أو في واجباتها. وكانت تلك خطوة حاسمة على طريق الانتقال من مفهوم الأمن "أو الضمان" الجماعي باعتباره مسؤولية أو حق تقتصر ممارستها على الدول الكبرى وحدها، إلى مفهوم أكثر تطوراً ينظر إلى فكرة الأمن باعتباره مسؤولية مشتركة تقتضي تعاون الجميع.
- أنها عالجت قضية الأمن الدولي في سياق أوسع وهو سياق تنظيم المجتمع الدولي ككل. ورغم اعطاء الأولوية لقضية الأمن بشكل مباشر إلا أن العصبة لم تهمل معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وقضايا حقوق الإنسان.
- أنها حاولت وللمرة الأولى في التاريخ الحديث، تنظيم العلاقات الدولية على أسس ثابتة ودائمة، وفقاً لقواعد محددة في اطار معاهدة دولية شبه ملزمة، والانتقال إلى صيغة "العقد الاجتماعي الدولي".
لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن العصبة لم تتحول بالفعل إلى منظمة عالمية، إذ غلب عليها الطابع الأوروبي، فالولايات المتحدة التي أسهمت بالدور الرئيسي في صياغة عهد العصبة، لم تصبح عضواً فيها بسبب رفض الكونغرس، ولم ينضم الاتحاد السوفياتي إليها إلا في عام 1934 ثم طرد منها عام 1939. وقد انسحبت اليابان عام 1933 وكذلك ألمانيا، ثم انسحبت معظم دول أميركا اللاتينية عام 1936 وفي الوقت نفسه، لم تهتم العصبة بالمشكلة الاستعمارية، باستثناء نظام الانتداب الذي طبق على المستعمرات، وبالتالي لم يكن متاحاً أمام نصف شعوب العالم تقريباً المساهمة في نشاط أول منظمة عالمية.
ورغم الأهمية التأسيسية لعهد وميثاق عصبة الأمم. إلا أنه لم يشق طريقه إلى التنفيذ، بل ظلّ محكوماً بالتطورات والتغيرات التي حدثت في التوازنات الدولية العامة. وتحت ضغط "توازن القوى" الذي حكم ولا يزال السياسة الدولية، مترادفاً مع توازن المصالح. وهو ما حال دون تحول نظام الأمن الجماعي إلى واقع فعلي بسبب عوامل عديدة منها:
- اعطاء الأولوية للمصالح القومية للدول المنضوية تحت لواء العصبة.
- الإجحاف الذي تضمنه الصلح في باريس عام 1919 بحق الدول المهزومة.
- لم يضع مؤتمر الصلح حداً للتنافس الاستعماري بين الدول العظمى، لأنه اعترف بـ"الانتداب" وهو الذي شكل الوجه الآخر للاستعمار (غير المباشر)، مما أدى إلى الشك في مصداقية العصبة والتزاماتها الواقعية.
- عدم تمكن العصبة من التوسع عالمياً. فقد غاب عنها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وانسحبت اليابان وايطاليا، مما حدّ قدرتها على حل المشكلات، وعجزت عن فرض إجراءات جماعية ضد الدول المنتهكة لأحكام عهدها.
- بروز الفاشية والنازية في كل من ايطاليا وألمانيا.
- حدة التنافس على المصالح والمستعمرات بين بريطانيا وفرنسا.
المبحث الثالث: نظام الأمن الجماعي في نطاق الأمم المتحدة
[ رغم استمرار سياسة توازن القوى في التحكم بالعلاقات الدولية، وترجمته لاحقاً، في منح "حق النقض- الفيتو" للدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، وهيمنة سياسة الاستقطاب الدولي على العلاقات الدولية. فقد جاء ميثاق الأمم المتحدة ليلغي عصبة الأمم، وليحدد بصورة غير مسبوقة، دور المنظمات الإقليمية في حفظ السلام والأمن الدوليين. مقدماً نموذجاً جديداً في مجال الأمن الجماعي، ينطلق من فكرة الحؤول دون قيام الحرب في المستقبل. من خلال اتفاق له طابق دولي، على مجموعة من الأهداف والمبادئ، تشكل نظام الأمن الجماعي ويرتكز على دورين للأمم المتحدة.
1- دور وقائي: ويشمل:
‌أ- حظر استخدام القوة:
فقد نصّت المادة 2 فقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة على أن العلاقات الدولية يجب أن تقوم على أساس الامتناع:
- عن التهديد باستعمال القوة.
- عن استخدام القوة والتهديد بها ضد الاستقلال السياسي لأية دولة.
- عن استخدام القوة أو التهديد بها على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.
ولكن تعددت التفسيرات والاجتهادات في هذا الباب من الميثاق في اتجاهين:
- الاتجاه الأول، واعتبر أصحابه أنه إذا استخدمت القوة بصورة تتفق ومقاصد الأمم المتحدة، فإن ذلك لا يتعارض ونص المادة 2 فقرة 4، وقد اعتمدت الولايات المتحدة على هذا التفسير في ضربها العراق عام 1997 ويوغسلافيا عام 1999، بحجة أنهما لا ينفذان قرارات مجلس الأمن.
- الاتجاه الثاني، وهم أغلبية في الأمم المتحدة، فقد اعتبروا أن الحظر الوارد في ميثاق الأمم المتحدة، لا يقتصر على استخدام القوة ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي فحسب. بل يمتد ليشمل أيضاً كافة أشكال القوة. طالما أن في ذلك تهديداً أو خرقاً للسلم والأمن الدوليين.
وقد أكدت هذه الوجهة قرارات الأمم المتحدة، وأعمال القضاء الدولي، عبر العديد من القرارات المندّدة باستخدام القوة في العلاقات الدولية، ومن بينها الإعلان الصادر عن الجمعية العامة لعام 1970، والذي جاء فيه: "إن على جميع الدول، الامتناع عن التهديد بالقوة، أو استخدامها كوسيلة من وسائل حل المنازعات الدولية. وكذلك الفقرة الأولى من قرار مجلس الأمن 242، والقاضية بعدم الاعتراف بالاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ولكن اسرائيل التي قبلت نص القرار، أخرجته بتفسيرها عن مضمونه، حيث ميّزت بين الاستخدام المشروع، وغير المشروع للقوة([13])...؟
ب- تسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية
لقد تطورت آلية تسوية المنازعات بالطرق السلمية، لتأخذ صيغة محددة، في الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة كجزء لا يتجزأ من نظام الأمن الجماعي.
فنظام الأمن الجماعي لا يقوم على أساس ردع العدوان فحسب، بل لديه آلية محددة لمنع نشوئه، تتمثل بالطلب من أطراف أي نزاع – من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلام والأمن الدوليين للخطر، أن يلتمسوا حله بطريق المفاوضات والوساطة والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية (المادة 33، الفقرة 11) من ميثاق الأمم المتحدة.
وقد حدثت تطورات مهمة في هذا السياق، منها: إعلان مبادئ القانون الدولي التي تحكم العلاقات الودية بين الدول لعام 1970، وأعلان مانيلا لعام 1982، والقرار رقم 59/47 لعام 1992 الخاص بتقصي الحقائق في مجال حفظ السلام والأمن الدوليين، والقرار 47/120 لعام 1992 والذي ثبتت فيه الجمعية العامة ما جاء في تقرير الأمين العام حول "أجندة السلام"، مؤكداً فيه "أن المحافظة على السلم والأمن الدوليين، تقتضي اتباع الدبلوماسية الوقائية لصنع السلام والمحافظة عليه، ولبناء السلام بعد انتهاء النزاع"([14]).
يشار هنا إلى "عمليات حفظ السلام"، باعتبارها تطور هام في فعالية مواجهة الأزمات المتفجرة والصراعات المسلحة. خاصة في ضوء تحكم الاستقطاب الثنائي الدولي (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي) وحلفائهما في التوازنات الدولية، وهيمنة الحرب الباردة على العلاقات الدولية، والإسراف في استخدام حق النقض: "الفيتو" في مجلس الأمن ، والذي تحول إلى أداة من أدوات الصراع السياسي بين المعسكرين، خلافاً لوظيفته الأصلية في ميثاق الأمم المتحدة، والتي هدفت إلى تمكين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن من ممارسة دورها الرئيسي في حفظ السلام.
ج-تدابير قمع العدوان
المهمة الجوهرية لنظام الأمن الجماعي، تتمثل في حشد قوى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لقمع العدوان، من خلال قرارات وتدابير جماعية، تتراوح بين تدابير مؤقتة، وأخرى عسكرية حاسمة. فعند إقرار مجلس الأمن بوجود تهديد للسلم، أو إخلال به، أو عمل من أعمال العدوان، له الحق بسلطة تقدير واسعة، أن يصدر قراراً يصف فيه المسألة المعروضة عليه، بأحد الأوصاف المتاحة في الميثاق، ويتخذ في ضوئها القرار المناسب. كما يجوز له اللجوء إلى أحكام الفصلين السادس والسابع من الميثاق.
فالمادة 42 من الميثاق تنص على أنه إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها لا تفي بالغرض "جاز له أن يتخذ من الأعمال ما يلزم لحفظ السلام والأمن، واعادتهما إلى نصابهما".
ولما كان القيام بعمل عسكري مباشر وفعال لحفظ السلام يفترض وجود تنظيم عسكري ملموس للأمم المتحدة، فقد نصت المواد 43 و 47 على تشكيل هذه القوة، وحددتا كيفية عملها، وتشكيل لجنة اركان الحرب، في إطار:
- تعهد جميع أعضاء الأمم المتحدة، بوضع ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات الضرورية لحفظ السلام، بتصرف مجلس الأمن وبناء على طلبه.
- تحديد عدد القوات، وأنواعها، ومدى استعدادها وامكاناتها.
- اجراء المفاوضة على الإتفاق بالسرعة اللازمة والمصادقة عليه.
- مبادرة مجلس الأمن لوضع الخطط اللازمة لاستخدام هذه القوات العسكرية طبقاً لنص المادة 46 بمساعدة لجنة أركان الحرب، الخاضعة لسلطة المجلس عليها.
د- دور علاجي:
يدخل في إطار البعد العلاجي في نظام الأمم المتحدة للأمن الجماعي، الترتيبات اللازمة لفرض الأمن والسلم الدوليين، في حالة رفض الإنصياع للتسوية بالطرق السلمية أو حدوث عدوان أو تهديد أو اخلال بالسلم يتطلب رداً فورياً لردعه أو قمعه([15]).
ويعتبر هذا الجانب العلاجي، أقوى ما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة، وقد مثل نقلة بالغة الأهمية في سياق استكمال نظام حقيقي لأمن المجتمع الدولي، باعتباره وحدة متكاملة واحدة، وقد اختص به مجلس الأمن، إذ زوّده الميثاق بالصلاحيات والسلطات كافة، التي تمكنه من مواجهة الموقف، بالإضافة إلى السلطات والصلاحيات الممنوحة له بموجب الفصل السادس، فقد منحه الميثاق، بموجب الفصل السابع، سلطة تقدير وتقرير ما إذا كان الذي قد وقع يشكل تهديداً للسلم أو اخلالاً به، أو عملاً من أعمال العدوان (المادة 39)، ودعوة المتنازعين إلى الأخذ بما يراه ضرورياً من تدابير مؤقتة (المادة 40)... وقطع العلاقات الدبلوماسية (المادة 41), وأخيراً فقد أجاز له الميثاق "أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدوليين أو لاعادتهما إلى نصابهما" (المادة 42)([16]).
ولتمكين مجلس الأمن من استخدام القوة فعلاً ضد الخارجين على الشرعية الدولية، حرص الميثاق على أن يضع بتصرفه أداة عسكرية دائمة ومستقلة عن إرادة الدول الأعضاء، فقد نصّت المادة 43 على تعهد جميع الدول الأعضاء بأن "يضعوا تحت تصرف مجلس الأمن، بناء على طلبه وطبقاً لاتفاق أو اتفاقيات خاصة، ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات الضرورية لحفظ السلم والأمن الدوليين وفي خدمة ذلك. وأقر الميثاق تشكيل لجنة أركان حرب من رؤساء أركان حرب الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لتكون "مسؤولة عن التوجيه الاستراتيجي لأية قوات مسلحة موضوعة تحت تصرف المجلس".
وبما أنه كان من المتوقع، أن يمر الوقت قبل وضع الاتفاقيات المشار إليها في المادة (43) موضع التنفيذ، فقد حرص الميثاق على أن يكون مجلس الأمن في وضع يمكنه من استخدام القوة المسلحة خلال المرحلة الانتقالية اللازمة قبل أن يصبح الجيش الدولي المرتقب جاهزاً ومستعداً، وذلك من خلال اجراءين:
- تفويض الدول الخمس الدائمة العضوية بالقيام نيابة عن الأمم المتحدة بالأعمال اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
- تكليف جميع الدول الأعضاء بأن يكون لديها وحدات جوية وطنية قابلة للاستخدام فوراً لأعمال القمع الدولية المشتركة.
وفي الإستنتاج، بأن ميثاق الأمم المتحدة، قد تبنّى في الواقع مفهوماً تقليدياً للسلم والأمن الدوليين، لأنه افترض أن التهديدات التي يمكن أن تعرض السلم والأمن للخطر تكمن أساساً في احتمالات استخدام القوة المسلحة لتهديد الاستقلال السياسي أو السلامة الإقليمية للدول الأعضاء.
ماذا عن الوجه الفعلي-الواقعي للأمن الجماعي في نطاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن؟
إن النظام الدولي الذي قام خلال فترة الحرب الباردة، وحتى مطلع التسعينات، استند إلى بروز قوتين عظميين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، تاركاً هامشاً ضيقاً للدول الأخرى، للعب أدوار ثانوية، أو مكملة لدور أحد القطبين، ولم تستطع الكثير من المحاولات، وأبرزها من خلال منظمة دول عدم الإنحياز أن تخترق جدار التوازن الثنائي، أو على الأقل تعديل مساراته في مصلحة السلم والإستقرار والمحافظة على ميثاق الأمم المتحدة في جوهره وغاياته الأساسية. فقد أدى توازن الرعب، واصطفاف الدول حول المحورين المذكورين إلى نزاعات متعددة في العالم، وحروب محاور نيابة عن الجبارين.
صحيح أن النظام ثنائي القطبية، وبسبب توازن الرعب النووي بين قطبيه قد أدى إلى استقرار عالمي، وجنب البشرية حرباً مدمرة. إلا أنه كبّل الأمم المتحدة، وحدّ من فعاليتها، بحيث باتت غير قادرة على ممارسة دورها المرسوم لها، إلا من خلال توافق القوى العظمى. وهذا ما عبّر عنه الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة داغ همرشولد بقوله: "لم تخلق الأمم المتحدة لتقود البشرية إلى الجنّة بل لتنقذها من الجحيم"([17]).
والأدهى مما سبق، أنه مع بداية التسعينات، تحكمت في التوازنات الدولية وأدوار الأمم المتحدة ومجلس الأمن، قوة أحادية الجانب هي الولايات المتحدة الأميركية. مما أدى إلى تدهور الأمن والسلم الدوليين على أكثر من محور وساحة إقليمية في مختلف أرجاء العالم وتصاعد الفوضى والأعمال العسكرية في كل مكان، وسادت فوضى المعايير الأمنية والقانونية، وتداخلت وتعقدت التحالفات السياسية والعسكرية، وتفاقمت ظاهرة الإرهاب، ضاربة في قلب الدولة الأميركية العظمى.
لقد صوّر الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، ملامح الأمن الجماعي الدولي في عصر أحادية القوة، خلال مشاركته في اجتماعات مجلس الأمن بناء على دعوة رسمية مارس/آذار 2008، لمناقشة الأزمة العراقية. حيث سلط الأضواء على وهن المواثيق الدولية، وتراجع فعالية الشرعية الدولية ومؤسساتها. ومما قاله:"من الطبيعي أن تدور مناقشات عالمية حول دور مجلس الأمن بين الذين لا يرون دوراً للمجلس في حفظ الأمن، والذين يرون أن دور التنظيم الدولي كله قد بدأ بالاضمحلال، متسائلاً، عن مصير مبادئ السيادة وسلامة الأراضي.. التي تخرق... وتهدد... وعن دور وموقف مجلس الأمن ومعاييره... وهل يقوم أو باستطاعته أن يقوم بما عهد إليه من مسؤولية رئيسية في حفظ السلم والأمن الدوليين كما قضى الميثاق؟ وهل سلم مجلس الأمن بأن القوة أصبحت مصدراً للشرعية أو بديلاً عنها؟
يمكننا القول أن نظام الأمن الجماعي الدولي، الذي رسمه ميثاق الأمم المتحدة، ارتكازاً إلى مبادئ احترام جميع الدول للقانون والشرعية الدوليين، يتعرض منذ أكثر من عقد ونصف لأخطر تحد له على الإطلاق، بتجاهل القانون والميثاق علناً، وغلبة القوة المسلحة تحت ذرائع مختلفة ومتناقضة، خارج إطار الشرعية الدولية.
إن الأمن الجماعي في العلاقات الدولية، يقضي بأن يجعل كل طرف نفسه حارساً على غيره، أي أن لجوء أي دولة إلى استخدام القوة ضد أية دولة أخرى يقاوم بالقوة الجماعية من جميع الدول الأخرى. فمفهوم الأمن الجماعي عملية واسعة تتضمن التالي:
- التخلص من مصادر الخطر المستمر في المجتمع الدولي.
- إجراء تغيير جذري في العلاقات الدولية، يتضمن إقامة علاقات نوعية جديدة في إطار المجتمع الدولي.
- وهو يرتبط بأجهزة قانونية قادرة على تحريم العدوان.
- وهو يقتضي التركيز على الأسس الإيجابية في التعامل الدولي، وليس الغطرسة والعدوان والأحادية([18]).
منظمات الأمن الجماعي (نماذج دولية):
أ‌- منظمة معاهدة شمالي الأطلسي (حلف الناتو)(*):
أنشئت بموجب معاهدة شمالي الأطلسي لسنة 1949، كحلف دفاعي غربي، وتحدد المادة الخامسة في المعاهدة: "إلتزام الأعضاء بالرد على أي هجوم مسلح، يتعرض له أي طرف من الأطراف في المعاهدة".
ومن المشاكل القائمة منذ زمن طويل، هي: تردد الدول في التنازل عن الصلاحيات أو الموارد إلى الإتحاد الأوروبي. لذلك فإن استراتيجية الأمن الأوروبي ظلت ضعيفة في توليد ردود متسقة على أزمات وتحديات محددة في العالم، نظراً إلى عدم وجود تقدم في خطط الإتحاد الأوروبي لإنشاء قوة رد سريع قوامها 60 ألف عنصر، لذلك ما زال يعتمد على سياسته ودبلوماسيته اللينة في معظم الأحيان. والمثال الأحدث على ذلك، هو تقديم بلدان الإتحاد الأوروبي مساهماتها في قوات حفظ السلام في لبنان، في إطار الأمم المتحدة بدلاً من عملية للاتحاد الأوروبي. هذا فضلاً عن صعوبة تنسيق الوسائل الكفيلة بمواجهة التحديات الأمنية الداخلية (الإرهاب، الجريمة المنظمة...).
ورغم مواصلة حلف الناتو منذ بداية القرن الحالي لسياسة الابتعاد عن الدفاع عن الأراضي الأوروبية، نحو مهمات الحملات خارج المنطقة، غير أن هذا التحول لا يلقى موافقة متساوية من الأعضاء. فيما لا يزال الحلف يبحث عن استراتيجية، تنفي التهم عنه بأنه فائض عن الحاجة، إذ لا يميل أعضاؤه، بما في ذلك الولايات المتحدة، للتعامل مع آخر التحديات الأمنية التي تواجههم في الخارج، في إطار الحلف([19]).
ويرمي التحول إلى تغيير حلف الناتو وتعزيزه، وفي أواسط عام 2006 توقع دي هوب شيفر ثلاث "سلال" من النتائج للتغيير: الأولى تشمل العمليات مثل افغانستان وكوسوفو، والثانية تشمل قضايا القدرات مثل قوة الردع التابعة للحلف. والنقل الجوي الاستراتيجي والإنفاق العسكري، والثالثة تتعلق بالتقدم السياسي بما في ذلك مسألة أطر الشراكة مع حلف الناتو.
وإلى جانب تقوية الصلات القائمة مع الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وبلدان القوقاز وآسيا الوسطى والخليج والبحر المتوسط، فقد اقترحت الولايات المتحدة أن ينشئ حلف الناتو "شراكة عالمية" مع البلدان الراغبة مثل أوستراليا ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية واليابان، والفكرة أن يضم منتدى جديد للشراكة العالمية بلداناً متماثلة العقلية وذات توجه غربي، وقادرة على المساهمة في البعثات العسكرية لحلف الناتو في كل أنحاء العالم([20]).
وفي هذا السياق دعا السناتور الأميركي ريتشار لوغار إلى توسيع دور الحلف ليشمل حماية أمن الطاقة للدول الأعضاء، وقد لقي هذا الاقتراح ترحيباً حاراً من قبل دول أوروبا الوسطى والشرقية، إذ تشعر بأنها أكثر عرضة لاضطرابات تدفق النفط والغاز، بسبب اعتمادها الشديد على روسيا.
ب‌- النموذج الروسي، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي(*):
وقعت ست دول من دول الإتحاد السوفياتي السابق على معاهدة الأمن الجماعي، في 15 أيار/مايو 1992، ويعد البند المتعلق بالمساعدة المتبادلة في حال وقوع اعتداء خارجي، العنصر المركزي فيها.
وفي الذكرى العاشرة للمعاهدة في أيار/مايو 2002 اتخذت الدول المشاركة (أرمينيا، بيلاروسيا، كازاخستان، قيرغيزستان، روسيا، طاجيكستان) قراراً بشأن انطلاقة جديدة، وأصبحت الدول المؤسسة لهيكل جديد، هو منظمة معاهدة الأمن الجماعي.. ودخل نظام المنظمة الأساسي خير التنفيذ في أيلول/سبتمبر 2003.
يبدو أن مشروع هذه المنظمة، مستوحى إلى حد بعيد من تجربة "حلف الناتو" إذ يحكمها على غراره نظام مؤسسات سياسية وعسكرية. وقد اتخذت المنظمة قرار انشاء قوات الإنتشار السريع في أيار/مايو 2001، بسبب الوضع في آسيا الوسطى وأفغانستان، كما نشطت في وضع تدابير مضادة للإرهاب، واتخذت خطوات مهمة لتعزيز حضورها الدولي، إذ أصبحت عضواً مراقباً في الأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2006([21]).
وقد أنشأت المنظمة نظاماً موحداً للدفاع الجوي، ونظاماً مشتركاً لتحديد تهديدات ذات صلة بأسلحة بيولوجية وكيماوية، وشكلت لجنة تنسيق بين قادة قوات وأجهزة الحماية من هذه الأسلحة، ووضعت تدابير مضادة للإرهاب. ففي نيسان/ابريل 2004، أيدت إنشاء منبر إعلامي دولي مضاد للإرهاب كهيكل غير حكومي يتعامل مع الدعم الدولي في سبيل الكفاح ضد الإرهاب الدولي. وتقرر في حزيران/يونيو 2005 إعداد قائمة خاصة بمنظمة المعاهدة، تتضمن أسماء منظمات إرهابية ومتطرفة. وفي آب/اغسطس 2006 نفذت المنظمة مناورتها التدريبية، وفق سيناريو ملائم لمتطلبات مكافحة الإرهاب.
ج- منظمة شانغهاي للتعاون:
تأسست هذه المنظمة بإعلان صدر في شانغهاي في 15 حزيران/يونيو 2001 عن ست دول هي: الصين، كازاخستان، فيرغيزستان، ورسيا، طاجيكستان، أوزبكستان، وأصبحت إيران ومنغوليا وباكستان دولاً مراقبة يحق لها حضور اجتماعات عالية المستوى في المنظمة.
تتميز منظمة شانغهاي، بأنها تتضمن قوة خارجية كبيرة هي الصين، وهي تشمل واحدة من أوسع المناطق الجغرافية التي تشملها أي منظمة أخرى من الحدود البولندية إلى فلادفيوستك، ومن البحر الأبيض إلى بحر الصين الجنوبي، وتملك دولها الست الأعضاء فيها ودولها الأربع المراقبة من 17,5% من احتياطي النفط العالمي المؤكدو 47-50% من احتياطي الغاز الطبيعي المعروف، وحوالي 45% من سكان العالم([22]).
وعلى الرغم من أن السبب الرئيسي لوجود منظمة شانغهاي للتعاون منسوب إلى المجال الأمني، فإنها لم تميز نفسها كحلف عسكري شبيه بحلف "الناتو". ويتمثل هدف هذه المنظمة ببناء الثقة المتبادلة والاستقرار وتجنب الصراعات والرد على تهديدات غير تقليدية مثل الإرهاب، وأعمال التمرد والإنشقاق الداخلي.
ولكن الاقتصاد هو المجال الرئيسي لجدارة منظمة شانغهاي للتعاون، وهنا تقود الصين الإندفاع، يحفزها اهتمامها باستغلال السوق الإقليمية لنشاطات التصدير وبتأمين امدادات جديدة من النفط والغاز، وفي عام 2003 اقترح رئيس الوزراء الصيني انشاء منطقة تجارة حرة خاصة بالمنظمة. وقد تم الإتفاق على إنشاء منطقة مؤاتية لحرية حركة المنتجات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا، والخدمات بحلول عام 2020، وشكلت في العام 2004 أربع مجموعات عمل، تشمل التجارة الإلكترونية والجمارك وتوحيد المقاييس والاستثمار، وفي اجتماع شانغهاي للعام 2006، رفعت المنظمة والمجموعة الاقتصادية الأوراسية مذكرة تفاهم على تحسين التعاون في الطاقة والنقل بهدف تيسير التجارة البينية([23]).
http://drkhalilhussein.blogspot.com/2009/01/blog-post_16.html
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الاختراق المعلوماتي والتجسس الأمريكي على العالم... الأبعاد والتداعيات
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** ماســـــتر (Master) ******* :: السنة الثانية ماستار ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات )-
انتقل الى:  
1