منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الصين والصعود إلى القمة : تأملات في نموذج تنموي فريد
من طرف 0676261110 الإثنين ديسمبر 10, 2018 10:20 pm

» إدارة الكوارث : نموذج كوبا
من طرف salim 1979 الإثنين ديسمبر 03, 2018 10:24 am

» تعريف ومدلولات الدبلوماسية الإلكترونية
من طرف salim 1979 الإثنين نوفمبر 26, 2018 9:48 am

» البرنامج النووي الإيراني بين الخيار الإستراتيجي والإدارة الغربية للملف النووي
من طرف Sosoo الأحد نوفمبر 25, 2018 10:51 pm

» تحميل كل أعداد الجريدة الرسمية لسنوات 1990-1991-1992-1993-1994.
من طرف salim 1979 الأربعاء نوفمبر 21, 2018 11:02 am

» العرف والقانون الوضعي
من طرف salim 1979 السبت نوفمبر 10, 2018 11:57 am

» التعريف بالبنك الدولي
من طرف salim 1979 الأحد نوفمبر 04, 2018 4:23 pm

» المستويات الاستراتيجية لدول العالم
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:49 pm

» الهوية : تأثير القيم والعقائد على التفاعلات الدولية
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:18 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 أزمة التنظير

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5161
نقاط : 100011897
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: أزمة التنظير    الأربعاء ديسمبر 25, 2013 1:53 pm

أزمة التنظير

هل يعد التفكيك مقابلا موضوعيا للتنظير ؟ وهل يعد النزوع إلى تفكيك البنى النظرية الكبيرة كالأيديولوجيات الشاملة و النظريات العامة ، وتفكيك البنى المادية كالنظم الإدارية والإنتاجية والتعليمية وغيرها ، لونا من ألوان مناهضة التنظير Anti-Theory strand ؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه البنى التربوية من تفكيك ، ذلك الذي يطال ظهيرها الفلسفي / الاجتماعي ، لأنه يفرغها من مضمونها ، ويحولها إلى ممارسات تقنية لا رابط بينها . الأمر الذي يلقي بظلال من الشك حول قدرة النظرية ( الاجتماعية خصوصا ) على مؤازرة الممارسة التربوية ، وعلى فهم الظاهرة التربوية ووضعها ضمن تصورها العام لبنية المجتمع وعلاقاته .
وبوجه عام ، يمكن تمييز اهتمامين رئيسين للعلم الاجتماعي هما: التساؤل حول طبيعة الوجود الاجتماعي، بما يتضمنه من نوعين من الموجودات هما الأفراد والمجتمعات، وهو اهتمام ذا طابع أنطولوجي، والآخر هو التساؤل حول الأسباب التي تقف وراء الظواهر الاجتماعية وتحركها، وهو اهتمام ذا طابع ابستمولوجي بالأساس. وفي سعي العلم الاجتماعي لتحقيق هذين النوعين من الاهتمامات تبرز الحاجة إلى النظرية لكي تقدم صورة مكتملة، أو تكاد، لطبيعة الوجود الاجتماعي، وكيفية حركته وتطوره، أي القيام بوظيفتي: الوصف، والتفسير.
ولكي تقوم النظرية بوظيفتيها، لابد من اكتمال أبعاد أربعة أساسية وان كانت منفصلة ومتباينة أحيانا ، كما يطرحها ( كريب Craib 1992) وهي ( 24)
o تأمل الواقع الاجتماعي ورصد ما يعتريه من حركة وتحول، على كافة الأصعدة، وفي مختلف المجالات، ومحاولة الربط بين الظواهر والأعراض التي تزدحم بها المشاهد الاجتماعية.
o إقامة معرفة متماسكة ومتجانسة، إلى أبعد حد ممكن، حول علاقة كلا المكونين للوجود الاجتماعي، ونعنى بهما الأفراد الفاعلين، والبنى المجتمعية، بما يطرأ عليهما من تغير في المستويات المختلفة من الفعل الاجتماعي، والبناء الاجتماعي.
o طرح الرؤية الخاصة بالنظرية، والتي تنتظم في نسيجها كافة المشاهدات، والاستخلاصات، والتفسيرات المستمدة من الواقع، والممزوجة بذاتية المنظر وخلفياته وخبراته.
o إقامة نظام معياري لما ينبغي أن يكون عليه الوجود الاجتماعي ، وما يجب أن يؤول إليه التغير الذي يعتريه .
بيد أن النظرية في سعيها لاستكمال تلك الأبعاد وتحقيقها، يمكـن أن تنزلق في مزالق خطـيرة لعـل من أهمــها(25)
· محاولة تطويع الواقع الاجتماعي لكي يتطابق والتصور النظري المطروح من قبل النظرية، وقد يفضي ذلك إلى كثير من مظاهر افتقاد النزاهة والموضوعية، ولي الوقائع الامبريقية لكي تنسجم مع التصور النظري، وتسد ما به من فجوات، وهو ما يسميه ( كريب ) شرك الأحجية Crossword puzzle trap، فكما أن الأحجية تعطينا إطارا ومجموعة من المفاتيح لحل اللغز، فان النموذج النظري المطروح يعطينا إطارا عاما ومؤشرات تدل على ما يجب أن يكون عليه شكل ذلك الواقع، فيقوم العالم بملء تلك المربعات بالتفاصيل، وهي طريقة فعالة لاستخدام النظرية في العلوم الطبيعية، ولكنها محفوفة بالخطر في العلوم الاجتماعية، حيث يستحيل عزل جوانب مهمة من الحياة الاجتماعية لاختبارها ن ولكون النشاط الإنساني عملية تستند على الوعي الذاتي والتأمل.
· التوهم بممارسة التفسير، بينما لا يتعدى الأمر مجرد الوصف والتحليل، فلا يتحقق البعد الابستمولوجي للنظرية، ولا تحقق إضافة جديدة إلى معرفتنا حول الواقع الاجتماعي. وهو ما يسميه ( كريب) شرك الوصف Description trap.
· الوقوع في شرك التعقيد، وإرضاء الزهو العقلي بافتعال أهمية بالغة لقضايا ثانوية، أو ما يسمى شرك الألغاز الصعبة Brain-teaser trap، حيث تحتل مشكلات الرتبة الثانية مكانة أكبر مما تستحق، بالرغم من عدم ارتباطها مباشرة بتفسير شيء ما.
· شرك الترابط المنطقي، وقد يبدو هذا غريبا، حيث أن المظهر الرئيسي للتفكير النظري هو محاولته تحقيق ترابط منطقي بين مختلف أجزاء النظرية، والمقصود هنا أن هذا السعي قد يأخذ شكلا مبالغا فيه، بحيث يؤدي أحيانا إلى تقويض النظرية ذاتها، فالعالم ذاته مليء بما هو غير منطقي، أو بما هو منطقي ولكن بصورة مختلفة عما تطرحه النظرية.
والسؤال المطروح هنا : إلى أي مدي تؤثر تلك المزالق والشراك على معالجة التربويين لظواهرهم ، وعلى نجاحهم في فهمها وتفسيرها ؟ وإلى أي مدي يدركون تلك المخاطر المحفوف بها اعتمادهم على النظرية في تطوير مجالهم المعرفي ؟
1-وقوع التربويين في أسر النظرية
لاشك أن للنظرية جاذبية خاصة لدى التربويين ، سواء على مستوى الباحثين الأكاديميين منهم ، أو واضعي السياسات ومصممي المناهج ، أو حتى على مستوى المربين في الميدان ، وبالرغم من تنامي الاتجاهات المناهضة للنظرية Anti-Theoretical strands في اطار ما بعد الحداثة ، فقد ظلت سمعة النظرية لدى التربويين فوق مستوى النقد أو التشكيك .
ومكمن الخطورة في انسياق التربويين دون وعي وراء النظرية، هو ذلك الإسراف في نعت الكثير من الأفكار والتصورات بـ" النظريات " ، لمجرد أنها حققت نجاحات في مجالات معرفية أخرى ، ولكونها استمدت مشروعيتها المعرفية Epistemological legitimacy من تلك النجاحات ، وهو سبب غير كاف، من وجهة نظر النقاد ، لتبرير ذلك القدر من الرومانسية الذي يتسم به تعامل التربويين معها ، خاصة وهي في أغلب الأحيان مستعارة من حقول معرفية أخرى أكثر انضباطا ، وليست نابتة من تربة الحقل التربوي وما يحفل به من اضطرا بات منهجية (26) ، والشواهد على ذلك كثيرة ومتعددة كما في مجال المناهج وطرائق التدريس وما يحفل به من مسميات على غرار " نظريات المنهج " و "التدريس واستراتيجياته " ، أو في مجال الإدارة التعليمية والتخطيط التربوي وما يحفلان به من مسميات على غرار " نظريات التطوير المؤسسي " .. وغيرها
يضاف إلى ذلك ، أن ثمة معان واستعمالات متعددة لمفهوم النظرية تتزاحم وتسبب الارتباك وسوء الفهم لدى من يتداولونه من التربويين ، الأمر الذي يجعل حدود استعماله مطاطة إلى حد بعيد ، ويفضي في النهاية إلى تفريغه من مضمونه ومحتواه :
ويرصد ( شامبرز (Chambers 1992 معان تسعة على الأقل لما يحفل به ميدان التربية من استعمالات لمصطلح النظرية هي : (27)
أولا : استعمال المفهوم للتعبير عن الشك Hunch وعدم اليقين أو فقدان المبررات ، أو مجافاة التصور العقلي لما تنبئ به الوقائع المؤكدة ، وثانيا: استعماله للإشارة إلى كل ما هو مضاد لمعاني الممارسة والتطبيق الميداني ، ثم استعماله ثالثا : للإشارة إلى تلك البنى المعرفية التي تتراكم عبر الزمن ومن خلال الممارسات Accumulating bodies of knowledge ، والتي تستمد مشروعيتها من استقرارها الإحصائي ، وتغطيتها لمزيد من الحالات، أو التي يمكن تشبيهها بالرواسب الكلسية Stalactites ، ورابعا : للإشارة إلى ما نخلص إليه من تعميمات وقواعد يمكن اتباعها من خلال تأمل الممارسات المهنية ، أو ما يمكن تسميته بنظريات الممارسة Practical theories ، وخامسا : استعماله للإشارة إلى تلك التوليفات من الأفكار المجردة أمثال الفروض Hypothesis، والنماذج Models وغيرهما ، وسادسا : يستعمل لفظ النظرية للإشارة إلى الافتراضات المسبقة Presuppositions ، أو المبادئ الموجهة التي تحكم تفكيرنا عندما تعالج قضية معينة ، وسابعا : للإشارة إلى المعنى المعياري الذي تقاس إليه الآراء والمواقف بشأن موضوع معين Normative theory ، وثامنا : للإشارة إلى تلك المعارف التقنية المستمدة من نجاح التطبيقات Technical theory ، وتاسعا وأخيرا : للإشارة إلى المعنى المألوف للنظرية العلمية Scientific theory ذات المستوى العالي من التعقيد والتماسك الداخلي.
ومع ما يمكن إدخاله من تعديلات على ذلك التصنيف، بضم بعض فئات الاستعمال، أو إفراد البعض الآخر، أو بإضافة فئات جديدة إليه فإنه يمكن، وفقا لرأي (جاري توماس (Thomas 1997 تصور كل هذه المعاني والاستعمالات وقد انتظمت كنقاط متعاقبة على متصلين: (28)
الأول يمثل النقيضين: الممارسة / التنظير Practice versus theory continuum، حيث تتدرج الاستعمالات بداية من أكثرها التصاقا بالممارسة وتعميم التطبيقات الناجحة، وصولا إلى أكثر المعاني صرامة واستغراقا في التنظير.
والثاني يمثل النقيضين: الصيغة المفردة أو البسيطة للنظرية / الصيغة المركبة Theory as singular versus theory as plural continuum، حيث تحتل النظريات ذات الفروض البسيطة ، والمتغيرات والعلاقات المحدودة أحد طرفي المتصل ، وتتدرج في تعقيدها حتى تصل إلى تلك النوعية من النظريات المركبة ذات البنى المعرفية المتشعبة ، والتي تمثل غالبية النظريات التربوية المعروفة .
وواضح أن الاتجاه السائد حاليا يميل إلى فئة النظريات الفردية ( البسيطة ) المستقاة من الممارسة ، على حساب فئة النظريات المركبة ذات الطابع التنظيري الخالص ، وهو ما ينسجم مع المزاج العام للعقل التربوي ذي الطابع الأداتي التجزيئي Fragmental, Instrumental Reason ، علاوة على طبيعة التربية ذاتها بوصفها مجالا معرفيا معالا من قبل المعارف والعلوم الأحرى ، ومعتمدا على ما تفرزه من نظريات .
وعلى عكس ما يحدث في العلوم الطبيعية ، فإن النظرية في النظم المعرفية الحديثة _ نسبيا بالمقارنة مع النظم الأمهات كالفلسفة والرياضيات والمنطق والطبيعة ..إلخ _ مثل التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع ، تعاني من عقدة نقص Inferiority complex تتعلق بموقعها من شجرة النسب المعرفية ، كما تعاني من حساسية مفرطة تجاه ما يوجه إليها من انتقادات ، الأمر الذي يفسر الإعجاب الشديد بفكرة النظرية من جانب الأكاديميين التربويين ، والرغبة في التشبه والالتصاق Contiguity بنظريات العلوم الطبيعية ، بل والتعامي عن الاتجاهات الناقدة للمفهوم بشدة في فكر ما بعد الحداثة المنتشر الآن .
إن أحد أهم الانتقادات الموجهة إلى النظرية الآن ، أنها مدمرة لمسيرة تقدم الفكر ، وأنها تقولبه في مسارات محددة سلفا ، لكون الكثير من النظريات هو في الحقيقة من نتاج الصدفة ، أو التجاور العشوائي للأحداث ، بل ومن نتاج غرابة الأطوار أحيانا !! . إلى الحد الذي دفع بـ ( فيرابند (Feyerabend 1993 أحد أهم فلاسفة العلم في القرن العشرين ، وأكثر النقاد ضراوة في مهاجمة التنظير بمعناه اللاتاريخي العقيم ، إلى استعارة كلمات ( آينشتاين (Einstein في وصفه للعلماء المبدعين بأنهم كثيرا ما يكونوا انتهازيين وفاقدين للنزاهة Unscrupulous opportunists، خاصة وهم ينتقون بصورة متعمدة تلك الصياغات النظرية التي تحظى بقبول الناس ، والتي تتسـم بالجاذبية والإبهار، ويتجنبون عمدا تلـك النقاط الغامضة أو التي تستعصي على الفهم عندما يصوغون نظرياتهم ، فتبدوا مكتملـة ومتجانسة (29)
ولنتوقف عند هذا النقد الخطير ، لنطرح مزيدا من التساؤلات حول :
· مدى ملاءمة ما توظفه التربية من نظريات لطبيعة الظواهر التي تتصدى لدراستها ؟
· وحول إمكانية أن يواصل الفكر التربوي تطوره في ظل ما تعانيه نظرياته من قصور ، وما تسببه من إعاقة أو " قولبة " بتعبير ( جاري توماس ) ؟
· وحول مدى صلاحية الرؤى البديلة عن النظرية ، والداعية إلى التحرر المنهجي واللاتنظير Methodological anarchy لدفع هذا الفكر إلى الأمام ؟
· بل ونتساءل كذلك عن أثر مثل هذه الرؤى البديلة على الظاهرة التي نحن بصدد دراستها في هذا الكتاب ، ونعني بها ظاهرة تفكيك البنى التربوية ؟
2- تجزؤ النظرية الاجتماعية وانعكاساته على التنظير التربوي
كما سبق ، تسعى النظريات الاجتماعية إلى تغطية أكبر مساحة ممكنة من الظاهرة ، وتحرص على ذلك كل الحرص ، فتكون النتيجة هي الإخفاق في تحقيق ذلك الهدف ، وتحول النظرية إلى أجزاء غير مترابطة .
فالنظرية الاجتماعية في سعيها إلى تفسير الظواهر تلجأ إلى الاستعارة Metaphor وتشبيه بنية العلاقات بأشياء ملموسة : فالماركسية تشبهها بالبناء ، والتفاعلية الرمزية تشبهها بالمحادثة ، والبنائية الوظيفية تشبهها بالنظام الطبيعي ، وهكذا ، الأمر الذي يجعل من المثال عامل قسر وإجبار للوقائع بحيث ينطبق عليها تمام الانطباق ، وبحيث لا تخرج أي منها من تحت عباءته .
ولا تستثني النظرية أيا من الموجودات في العالم الاجتماعي إلا وتسعى إلى إحصائها وتغشيها تحت عباءة المثال المستعار ، سواء كانت موجودات فاعلة ، وهم الأفراد بذواتهم ودوافعهم وأفعالهم واختياراتهم ، أو كانت الموجودات هي البنى والمؤسسات والنظم المتحققة من تراكم أفعال الأفراد الفاعلين ، وهذا الحرص من قبل النظرية على أن تتحدث عن كلا النوعين من الموجودات هو الذي يجعلها تعاني من الانقسام والتجزؤ :
" فالمجتمعات والأفراد الفاعلين شكلان مختلفان من أشكال الوجود ، يحتاجان إلى شكلين متباينين من أشكال الفهم والتفسير ، غير أننا لكي نفهم الواقع الاجتماعي فلابد لنا من فهم كليهما : فالمجتمعات لا يمكن أن تستمر في الوجود دون الفاعلين ، والعكس بالعكس .. {بحيث} يبدو أن النظرية الشاملة Totalizing theoryهي فكرة متضمنة في صميم مشروع علم الاجتماع ، ومع ذلك فهي فكرة غير قابلة للتحقيق ، وعلى الرغم من ذلك فإن كثيرا من النظريات تدعي الشمول ، وهذا ما يفسر لنا بدقة لماذا تحدث عملية الانقسام تلك ، أو لماذا كانت النظريات عرضة للانقسام ابتداء ، لقد حاولت هذه النظريات في الواقع أن تعمم نظرية تناسب شكلا واحدا من موضوعات العالم الاجتماعي ، وتطبقها على جميع أشكال الموضوعات الاجتماعية ، وهذه المحاولات أدت إلى إخفاقات واضحة في التعامل إما مع المجتمع أو الفاعل أو كليهما .. إن طبيعة العصر تعكس نفسها على النظرية الاجتماعية فتفاقم من نقاط الخلاف والانقسام فيها ، وأعتقد أن تجزؤ خبرتنا في حد ذاته قد أدى إلى شك عام حول إمكان الوصول إلى النظرية الشاملة. "(30)
وقد تعددت ردود الفعل تجاه إخفاق النظرية عموما ، والنظرية الاجتماعية بوجه خاص ، في وضع تصورات شاملة متكاملة حول الوجود ، وبالتالي إخفاقها في تقديم معالجات ناجعة لما يحفل به ذلك الوجود من مشكلات .. نقول تعددت ردود الفعل بداية من الثلث الأخير من القرن الماضي ، في ظل ظروف حضارية وأيديولوجية خاصة اعترت المجتمعات الأوربية ، ولكن تظل من أبرز ردات الفعل هذه كتاب " ضد المنهجِAgainst Method " 1975 لفيلسوف العلم (فييرابند) ، و كتاب " بنية الثورات العلمية " لـ (توماس كون ) ، وكتابات مؤرخ الأفكار ( ميشيل فوكو ) :
فقد رفض (فييرابند ) المنهج بمعناه اللاتاريخي العقيم ، وخاصة في مجال العلوم الطبيعية ، وأكد على "نسباوية "Relativism النظرية ، وعدم جواز خضوعها للمقارنة اللاتاريخية مع النظريات الأخرى السابقة عليها أو اللاحقة ، أو ما يعرف بمبدأ " اللامقايسة Incommensurability "، حيث تجوز ، بل وتحبذ ، الاستعانة بمداخل ومنهجيات متعددة لدراسة الظاهرة ، لأن السؤال عن المنهج الواحد سؤال زائف ، فالعلم لم يكن أبدا أسير منهج أو نظرية واحدة ، بل هو مشروع "فوضوي "Anarchic Enterprise ، أي لا يعترف بأية سلطة ، وكـل المناهـج يمكـن أن تـجدي تبعا للشعار الذي رفعه " كـل شـيء مقـبول "Any thing goes (31)
وكان (توماس كون ) قد سبق (فييرابند) في ردة فعله الرافضة للنزعة اللاتاريخية في العلم ، وفي نقده لفكرة الارتكان إلى الملاحظات التجريبية والاستقراء كأساس للتعميم والوصول إلى القانون العلمي ، وهو الذي أكد على أهمية النظرية كإطار موجه لعمليات التجريب والاستقراء ، بمعنى أن يسبق التصور المبدئي أو الفرض عملية التجريب أو النزول إلى الواقع ، ويعمل على ربط الوقائع والمعطيات الإمبريقية في إطار متناسق يؤدي إلى تكوين القانون العلمي (32) ... بيد أنه لم ينظر إلى هذا الإطار التنظيري نظرة تقديس ، بل دعا إلى ضرورة الثورة عليه باستمرار ، وإلى استبدال نموذج استرشادي جديد في البحث (بيرادايم (Paradigm بالنماذج الاسترشادية الراهنة كلما كان ذلك ممكنا ، مدللا على ذلك بأمثلة كثيرة من الثورات العلمية التي تعاقبت على الفكر الإنساني ، مؤكدا على نسباوية ذلك النموذج الإرشادي ، وهي التي تعلمها منه (فييرابند ) ، وعلى ضرورة نقده وتحليله في إطاره التاريخي ، بل وعلى ضرورة نقد الجماعة العلمية الـتي تسانده أيضا ، باعتباره مفهوما اجتماعيا وليس فقط باعتباره مجـرد بديل للنظرية الشامـلة (33)
ثلاث رؤى بديلة ، إذن ، تم طرحها ابتداء من الستينيات من القرن الماضي : الأولى تدعو إلى محاصرة الظاهرة بأكثر من نظرية وأكثر من منهجية ، سعيا إلى استثمار ما لدى كل منها من أسلحة ناجعة ، سواء في سبيل التفسير والفهم ، أو في سبيل التنبؤ والتحكم ، والثانية تدعو إلى استبدال النموذج الإرشادي Paradigm بالنظرية الشاملة ، باعتباره خبرة متعلمة ثبتت فاعليتها لدى جماعة علمية من الباحثين ، وربما وجدت جماعة أخرى في خبرة غيرها فاعلية أكبر في تحقيق أهداف العلم في نفس الموضوع ، سواء بشكل متزامن ، أو بشكل متعاقب ، دون أن تكون ثمة زاوية واحدة للنظر ،وليس باعتباره تصورا كليا لها ولما يحيط بها من ظواهر وموجودات .
أما الرؤية البديلة الثالثة ، فقد قدمها كتاب ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة ، وتتلخص في رفض النظرية بالمعنى الذي يجعلها صانعة لعالمها ، ومستقلة عن معرفة الإنسان ، وفي إسقاط سمة الإحكام المنطقي عنها ، و يمكن في هذا الصدد تصنيفهم إلى اتجاهين : اتجاه سلبي متشدد Skeptic Postmodernists يرفض النظرية بوصفها تصورا كليا ، ويراها مقيدة ، بل ومدمرة للفكر ، والآخر إيجابي Affirmative Postmodernists يرفض الوقوع في أسر النظرية والاعتقاد بأنها بمثابة الحقيقة ، ويرى ضرورة نقدها وتطويرها ، وليس إلغائها .
وأيا كانت الطروحات بشأن إخفاق النظرية ، أو تجزئها ، أو خطورة الإسراف في الاعتماد عليها لكونها تقيد الفكر وتقولبه ، يبقى التسليم بأن الإنسان بطبيعته كائن نازع إلى التنظير ، وبأن المبالغة في رفض التنظير (الدعوة إلى اللاتنظير ) هي دعوة غير واقعية ، وغير قابلة للتطبيق ، لأنها ببساطة دعوة إلى الامتناع عن التفكير ، أو الامتناع عن التأمل المرئي Theoria بالتعبير اللاتيني (34) ، وهو ما يمثل ، في مجال التربية خصوصا ، خطرا داهما على الممارسات ، حيث ستأتي مفككة ومعزولة عن أطرها وسياقاتها .
3- في مواجهة تجزوء النظرية .. الحاجة إلى النقد والوعي الأيديولوجي
وما نسعى إلى إظهاره في العرض التالي ، هو أن قدرة النظرية الاجتماعية ، وتطبيقاتها التربوية بطبيعة الحال ، على الوفاء بمهامها تجاه الظاهرة .. هي قدرة محدودة بحدود الأسئلة الأنطولوجية والإبستمولوجية التي تطرحها ، وأن الإسراف في الاعتماد على نظرية بعينها يهيئ غالبا للوقوع في شرك تجزؤها ، الأمر الذي يتعين معه توافر قدر وافر من الوعي المنهجي والأيديولوجي لدى استخدامها .
وكما سبق ، فإن النظرية الاجتماعية في سعيها إلى التفسير تعنى بالإجابة عن نوعين من الأسئلة ، الأولى أسئلة أنطولوجية حول طبيعة المجتمعات وطبيعة الفاعلين ، أما الثانية فهي أسئلة إبستمولوجية حول أسباب ونتائج الأفعال والعلاقات بين الأفراد الفاعلين والبنى الفاعلة .
وعلى ذلك فقد تنازعت الدراسة الاجتماعية للظاهرة التربوية نزعتان رئيستان :أولاهما تنطلق مما يمكن تسميته بمجموعة نظريات الفعل ، وتضم البنائية الوظيفية بشكل أساسي علاوة على التفاعلية الرمزية والظاهراتية والإثنوميثودولوجي .. وهي في مجملها تفسر الظاهرة التربوية باعتبارها نتيجة من نتائج الفعل والتفاعل بين أفراد المجتمع ، و "مؤسسة " من مؤسساته بتعبير الوظيفية ، أو " محادثة " من محادثاته بتعبير النظريات التفاعلية التي تهتم باللغة باعتبارها صورة الحياة الاجتماعية ، وقالبها الذي يحويها .
أما النزعة الثانية ، فتنطلق من مجموعة نظريات البنية ، وتضم الماركسية بشكل أساسي ، علاوة على البنيوية ، وما بعد الحداثة ، والمدرسة النقدية .. وفيها تفسر الظاهرة التربوية باعتبارها : إما أداة في يد بعض الفئات الاجتماعية أو يد الدولة لإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي المشوه ، أو وسيلة من وسائل تحرير الإنسان من القهر ، وهي في الحالتين تعبير عن البنية وانعكاس لخصائصها ، أو جزء لا يتجزأ من خطابها
التربية في نظريات الفعل : البنائية الوظيفية
فالبنائية الوظيفية ، على رأس نظريات الفعل الاجتماعي ، ترى أن التربية هي إحدى مؤسسات البناء الاجتماعي الناشئة عن تراكم فعل " التربية " من قبل أفراد المجتمع على مدى قرون من الزمن ، على المستوى اليومي المباشر غير المخطط ، وعلى المستوى الجمعي أيضا ، حتى إذا جرى تنميط هذه الأفعال من خلال أنساق التنشئة الاجتماعية والتنظير المتخصص ، وتم ترشيدها بواسطة الأنساق المعيارية المعتمدة ، أضحت التربية بمفهومها المؤسسي الاجتماعي عنصرا رئيسا من عناصر بقاء المجتمع واستمراره .
وهكذا تسير العملية في دورة متصلة : الأفراد والجماعات يربون أبناءهم لتحقيق غايات خاصة ، ووفقا لمعايير ومعانٍ خاصة ، وتنتظم تلك الأفعال بواسطة أنساق من القيم والمعايير الاجتماعية المستقرة ، فتتحول الأفعال الفردية وما يقف وراءها من غايات ( أفعال غائية طوعية ) أو ما يسميه ( بارسونز ) بـ" وحدة الفعل الصغرى " إلى نطاق ممكن للفعل المتاح للجميع ، بمعنى أنها تتحول إلى أفعال نمطية تحكمها مجموعة محددة من التوقعات من قبل المجتمع .
وفي مقابل إذعان الأفعال الفردية بعد ذلك لنمط الأفعال المتوقعة ، أو ما يسمى بـ " أدوار المكانة status roles " ، كنمط الأفعال المتوقعة من الوالدين مثلا ، أو من المعلمين .. إلخ ، يحظى أصحابها بالقبول الاجتماعي ، وهو ما يتكرر ويتراكم ليصبح بمثابة النواة لبلورة المؤسسة التربوية ، التي يوكلها المجتمع مهمة حفظ معاييره والعمل على بقائه واستمراره .
التربية ، بهذا المعنى ، آلية اجتماعية محافظة ، تسعى إلى تعزيز أنماط معينة من الأفعال والعلاقات ، وإن كانت هي أصلا نتيجة من نتائج أفعال الأفراد الفاعلين . أي أن البنية تنشأ عن الفعل ، ثم لا تلبث أن تتحكم فيه وترشده


النظريات التفاعلية

بيد أن تفسيرا مختلفا للظاهرة التربوية تسوقه نظريات أخرى للفعل ، هي مجموعة النظريات التفاعلية ، ونقصد بها التفاعلية الرمزية Symbolic Interactionism ، والظاهراتية Phinomenology ، والمنهجية العامية (منهجية النظام الاجتماعي ) Ethnomethodology
فالفعل الاجتماعي المنشئ للبنية لديها فعل لغوي أو رمزي بالأساس ، بحيث تبدو الظاهرة التربوية في الأخير ، وكأنها " محادثة " تتم بين الأفراد الفاعلين بتعبير التفاعلية الرمزية ، أو تبدو وكأنها " مؤامرة " يتواطأ أفراد المجتمع فيما بينهم كي تظل معانيها ودلالاتها حكرا عليهم دون غيرهم .
فالأفراد يتصرفون حيال الأشياء والمواقف وفق ما تعنيه بالنسبة لهم ، وهي المعاني الناشئة عن الرصيد السابق للتفاعلات الحادثة فيما بينهم ، والتي تتجسد في مجموعة من الرموز التي بدورها يجري تأويلها عبر عملية تداولها ، فيتم على أساس ذلك التأويل إقرار بعض العلاقات والمواقف والقيم وتكريسها ، إن كانت المعاني مشتركة ومتفاهم عليها ، أو التحفظ على البعض الآخر أو الاختلاف عليه .. هكذا تفسر التفاعلية الرمزية أفعال أفراد المجتمع ، وهكذا تفسر عمليات تربوية محورية مثل عملية التطبيع الاجتماعي ، ولكنها تغفل الأثر الذي يمكن أن تحدثه البنى الاجتماعية على تلك الرموز وما تحمله من دلالات .
وتمضي الظاهراتية في تغافلها عن أثر البنية إلى أبعد من ذلك ، إلى الحد الذي يبدو فيه الأمر وكأن ليس هناك من شيء اسمه المجتمع !!
فالأفراد عبر عملية التنشئة الاجتماعية ، وهي عملية معرفية بالأساس ، يتعلمون كيف يقومون بتنميط الموجودات في العالم الاجتماعي المحيط بهم إلى فئات تسمى بـ" سياقات المعنى " من خلال إدراكهم الحسي ، وتحكم عملية التنميط هذه معايير ومعاني عامة تشبه نسق القيم المحوري الذي تحدث عنه ( بارسونز ) ، وهي معان خاصة بالمجتمع ولا يعيها إلا أفراده فقط ، بحيث يصعب ، بل يصبح من قبيل الخطأ المنهجي ، أن يبادر الباحث الاجتماعي إلى تأويل أفعالهم قبل أن يسألهم هم عن معانيها بالنسبة إليهم .
وتظل الظاهرة الاجتماعية ، والتربية جزء منها ، بهذا الشكل محصورة في نطاق ما يسمى عند ( فتجنشتاين Wittgenstein ) فيلسوف التحليلية بـ " ألعاب اللغة " ، ويظل الفعل الاجتماعي شكلا من أشكال تفصيل قواعد اللغة في مجتمع معين ، بل يصبح المجتمع ذاته " محادثة رمزية مقصورة المعاني على أصحابها " ، مما يحيل كافة أشكال الحياة إلى نسبية لا تنتهي ، فلاشيء متعين اسمه المجتمع ، وإنما المجتمع ما أصنعه أنا ، وما تصنعه أنت ، وما يصنعه هو ، وما يصنعه كل منا بإدراكه ، بينما نشترك جميعنا في المؤامرة التي تعطي انطباعا بأن هناك شيء اسمه المجتمع .
وهذا ما يجعل بعض الكتابات تصنف الظاهراتية كإحدى أهم تيارات ما بعد الحداثة ، باعتبارها تزدري تلك النظرة " العلمية " إلى الحياة الإنسانية وما تتضمنه من ميكانيكية وتضييق لزاوية النظر ، ولكونها – النظرة العلمية – لا تهتم بالكيفية التي يصنع الناس بها حيواتهم ويجعلوها ذات مغزى ، ويحفل خطابها الموضوعي "المزعوم " بالكثير من المفاهيم المصطنعة حول " النظام الاجتماعي " ، و" البنية المعرفية " ، و" الصراع الطبقي " وغيرها ، إضافة إلى كون الظاهراتية تعتمد الخصوصية الثقافية واللسانية في الخطاب (35)
التربية في نظريات البنية

وهكذا تبدأ نظريات الفعل من نقطة واحدة في تفسيرها للظاهرة ، هي وضع تصور أو نموذج نظري يتضمن أفعال الأفراد ونواياهم والوسائل التي يختارون من بينها لتحقيق تلك النوايا ، وهو في الغالب تصور بلاغي يعتمد على الاستعارة والتشبيه ، فالمجتمع كالكائن الحي في نظر البنائية الوظيفية ، والمجتمع محادثة كما عند التفاعلية الرمزية ، أو مؤامرة كما عند الظاهراتية..
كما يتضمن النموذج النظري أيضا وصفا للمحيط الحاضن لتلك الأفعال والموجه لها ، وهو غالبا محيط من الأفكار والرموز الحاكمة أو المبررة للفعل ، وبالتالي فهو ذو طبيعة معرفية ، بل إن المعرفة الاجتماعية التي يتألف منها ذلك المحيط هي البانية للبنى الاجتماعية سواء كانت مادية أو معنوية ، ولكن ليس بالصورة المباشرة التي ترى في أفعال الأفراد ، وبالتالي في تراكمها وتكرارها على شكل أنساق معيارية سببا مباشرا في خلق المجتمع ، بل تراها ذات وظيفة تحويلية ، تؤثر على طبيعة البنية القائمة ولكن على مدى طويل .
وهذا على وجه التحديد موضع الاختلاف بين نظريات الفعل ونظريات البنية ، فالأخيرة تنطلق من مسلمة إبستمولوجية مغايرة مفادها أن المادة تسبق الفكرة في وجودها ، ومن ثم فهي تشكلها وتوجه مسارها وتطورها ، وأن الفكر انعكاس للواقع الاجتماعي وتعبير عن الوعي به ، كما في الماركسية ، وأنه ربما كانت لذلك الفكر بنيته المتماسكة التي تحدد للأفراد الكيفية التي يدركون بها ذلك الواقع .
البنيوية Structuralism

والبنية هنا قد تكون " مادية " متجسدة في أشكال النشاط الاقتصادي ، أو التركيب العرقي ، أو التراتب الطبقي .. وقد تكون " فكرية " تتألف من منظومة متماسكة من المعاني العامة ، ولكنها في جميع الأحوال ذات وجود مستقل عن أفعال الأفراد ورغباتهم وما تحمله من معان.
وهذا التمييز بين دراسة البنية بوصفها نظرية في المعاني العامة ، وبين دراستها بوصفها واقعا اجتماعيا محددا للمعرفة والفكر ، وهو ما ينبه إليه ( كريب (Craib عند تناوله للبنيوية Structuralism ضمن نظريات المجموعة الثانية المعروفة بنظريات البنية : فهو يفرق بي البنيوية بوصفها نظرية في المعاني العامة ، تعنى بتحليل اللغة وبنيتها المنطقية وما يسمى بـ " اللغة الشارحة Meta- Language " .. وبين البنيوية باعتبارها نظرية في البنية الاجتماعية وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على أفكار الناس وأفعالهم .
ففي الماركسية البنيوية عند ( ألتوسير (Althusser نجد ثلاثة مستويات من البنى الاجتماعية هي : المستوى الاقتصادي ، وهو ذا تأثير جوهري في بقية المستويات ، والمستوى السياسي ، والمستوى الأيديولوجي ( أي مستوى إدراك الناس لأنفسهم وللعالم ) ، و العلاقة بين هذه البني علاقة تأثير وتأثر ، وليست أحادية الاتجاه تماما كما في الماركسية التقليدية ، وهي في تأثيرها على الأفراد من خلال أجهزة الدولة الأيديولوجية ، والتربية واحدة من أهم تلك الأجهزة على الإطلاق ، تعمل على موت " الذات " ، وجعلها مثل الدمية في مسرح العرائس ، ولكن دون أن تدري ذلك أو تعيه تلك الذات ، فالأفراد يسلكون في الحقيقة وفقا لـ " أوضاع " اجتماعية وليس " أدوار" اجتماعية كما تقول البنائية الوظيفية ، وهذه الأوضاع الاجتماعية يتم إعادة إنتاجها باستمرار من خلال " الممارسات " الفردية التي تبدو لأصحابها وكأنها طوعية واختيارية ومستقلة عن البنى والأوضاع ، بينما هي في الحقيقة غير ذلك .
ومع تزايد الانتقادات الموجهة إلى الماركسية ، وإلى بقية التصورات النظرية الشاملة التي تزهو بعقلانيتها ، ظلت فكرة البنية الاجتماعية المحددة للمعرفة وللعلاقات وللأفعال هي الفكرة السائدة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ، في إطار ما سمي بـ " ما بعد البنيوية " فيما يختص بنقد البنيوية ، و " ما بعد الحداثة " فيما يختص بنقد الرأسمالية الصناعية الحديثة .
ما بعد البنيوية ، وما بعد الحداثة

فقد كانت الانتقادات التي وجهت إلى البنيوية وما تفترض وجوده من اتساق منطقي عقلاني للبنى الكامنة في العالم الذي نعيشه ، مجالا للدعوة إلى إسقاط سمة العقلانية عن هذا العالم ، والدعوة إلى استبدال الأجزاء الصغيرة من العقلانية بالعقلانية الكلية ، أو ما عرف بعد ذلك بالنزعة إلى التفكيك ، خاصة لدى المجتمع الفكري الفرنسي ، بحيث يمكن اعتبار البنيوية بمثابة النذير precursor أو البشير لظهور ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة ، أو باعتبار الأخيرة بمثابة التطور الطبيعي للأولى (36)
إذ علاوة على سقوط فكرة التشكل الاجتماعي بفعل التأثير الحتمي للمستوى الاقتصادي ، وظهور الكثير من الأمثلة لصراعات وتحولات اجتماعية نشأت على أسس أخرى غير اقتصادية كالصراعات العرقية والثقافية .. كان للنقد الموجه إلى فكرة " موت الذات " بفعل خيوط التحريك الأيديولوجية وعمليات تزييف الوعي ، والتي طرحها ( ألتوسير ) وغيره من البنيويين .. كان ذلك النقد بمثابة العيب المميت في البنيوية الذي أدى إلى انهيارها :
ذلك أن موت الذات بتأثير عوامل التضليل والإيهام بمشروعية وعقلانية ما تعيش في ظله من أوضاع اجتماعية ، وكانها من نتاج الأفعال الطوعية والنتائج الموضوعية لتلك الأفعال .. ذلك الموت يتناقض مع الدعوة إلى تغيير البنى الاجتماعية وتحرير الذات من تأثيراتها اللاعقلانية ، لأن الإنسان وفقا لهذا التصور يصبح وكأنه " صفحة بيضاء " ليس لديها أية تصورات مسبقة يدركها ويلتزم بها ، وهو ما يخالف فكرة إدراك الذات ( إدراكا مضللا ) بأنها تسلك بصورة حرة ، إذ كيف لها أن تدرك وهي قد ماتت بالفعل ؟ ولماذا لا تعمل على تحرير نفسها من تاثير الأيديولوجيا إن كانت قادرة على الإدراك ؟
يضاف إلى هذين النقدين ، ما وجه إلى البنيوية من انتقادات تنال من منطقيتها وتماسكها الداخلي ، خاصة في جانبها المتعلق باستقلال البنى النظرية عن معرفة الإنسان ، وتأثيرها على طريقته في إدراك العالم ، إذ لو كان العالم من صنع أفكارنا ، وكانت النظرية هي التي تخلق موضوعاتها ، فإنه (أي العالم ) يصبح ذا بنية منطقية مماثلة للبنية المنطقية المتسقة التي تمتلكها النظرية .. وهو مالا تؤيده حقائق الواقع في كثير من الحالات ، الأمر الذي يقطع بكون البنيوية تستند إلى مسلمات ميتافيزيقية .
وهكذا أصبح الاتجاه السائد في نظريات علم الاجتماع ، هو الاتجاه نحو إسقاط سمة العقلانية عن تلك النظريات التي سادت منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى السبعينيات من القرن العشرين ، سواء تلك التي تزعم أن أفعال البشر مرشدة بفعل أنساق اجتماعية عقلانية ، كالبنائية الوظيفية ، أو تلك التي تزعم أن ثمة بنى فكرية تتسم بالمنطقية تحكم إدراك البشر لذلك العالم كالبنيوية في صورتها اللغوية ، أو تلك التي تبشر بالحتمية التاريخية والاقتصادية وغيرها من حتميات الصيرورة والتفسيرات السببية .
ولكن حتى في ظل ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة ، تظل البنية هي الشغل الشاغل للنظريات الاجتماعية ، ليس من باب البحث عن عمقها العقلاني الحاكم لأفعال البشر وعلاقاتهم ، ولكن من باب البحث فيما تتسم به من فوضى ولاعقلانية وميوعة .
فالفوضى هي القاعدة ، وما تفرزه الذوات ( سواء كانت أفرادا أم جماعات ) من خطابات يضفي على تلك الفوضى بعض الانتظام من خلال ما تحدثه في العالم الاجتماعي من تمايز فيما بينها ، إذ يعتمد معنى كل خطاب منها على علاقته بغيره من الخطابات ، وعلى البنى التي يعكسها كل منها ، إذ أن ما توجهه جماعة أو فئة اجتماعية إلى بقية المجتمع من خطاب يمثل موقعها من البنية ، ويترجم ما تحوزه من قوة منسوبة إلى ما تحوزه بقية الجماعات من قوة .
ومفهوم " القوة" لدى منظري ما بعد الحداثة يعني " المعرفة " ، وهو ارتباط قديم يعود إلى كتابات الفيلسوف الألماني ( نيتشة ) نهايات القرن التاسع عشر ، ولكنه أكثر شيوعا واستعمالا في كتابات ( ميشيل فوكو ( Foucault الذي جعل المعرفة هي القوة ، وليست المعرفة سببا للقوة .
وهكذا تنكر ما بعد الحداثة إمكانية البحث الاجتماعي في عمق الظواهر ، لأنها ترى العالم الاجتماعي سطحيا ، بحيث لا يمكن الطموح إلى دراسة شيء أعمق مما يموج به ذلك السطح من آلاف الخطابات Discourses الصادرة عن الذوات الاجتماعية ، والتي تتضمن كافة الأقوال والأفعال المعبرة عنها ، والتي ترتبط مع بعضها البعض ، مميزة كل خطاب منها عن بقية الخطابات ، ومضفية معاني مستقرة لكل منها .
والمعنى عند كتاب ما بعد الحداثة يظل فوضويا وغير مستقر ما لم يتبلور في خطاب ، أي ما لم يعبر عن علاقة محددة من علاقات القوة بتعبير ( فوكو) ، وهو ما يعني ممارسة القوة من قبل إحدى الذوات على غيرها من خلال ما تمتلكه من معرفة ، وهي التي تجعلها قادرة على تحقيق مصالحها وتحديد نطاق قوتها وتأثيرها بالنسبة للآخرين .
فالعالم مليء بآلاف مؤلفة من علاقات القوة والمقاومة ( علاقات الصراع ) ، حيث يسعى كل من يمتلك معرفة إلى وضع القواعد التي تحقق مصالحه ، والتي يتقرر بواسطتها : من الذي يستطيع أن يقول قولا معينا ، وفي أي إطار يقوله ، كما يحدد بواسطتها من الذي يستبعد من الدائرة ويحرم من أن يقول شيئا بسبب افتقاره إلى المعرفة .. وهي الفكرة التي طورها ( بيير بورديو ( Bourdieu تحت مفهوم العنف الرمزي Symbolic Violence
وهكذا يمكن للفئات الاجتماعية الأقوى ، أي الأكثر حيازة للمعرفة ، أن تفرض رموزها ومعاييرها ( خطابها ) على بقية الفئات ، وأن ترسي القواعد التربوية "العلمية " الحاكمة لعمليات الانتخاب والتصعيد الاجتماعي ، من خلال آليات التشعيب وأساليب التقويم .. وغيرها .
فالمعايير التعليمية ، وقواعد المفاضلة بين المتعلمين للالتحاق ببرامج ونوعيات معينة ، ومفاهيم التقويم وأدواته ومقاييسه المقننة ، وأسس بناء المناهج الدراسية ، واختيار موضوعاتها ومحتواها .. كلها بمثابة رموز ثقافية يتبناها أعضاء المجتمع المهني والأكاديمي التربوي ، ويوجهها إلى بقية أفراد المجتمع وجماعاته في صورة خطاب " علمي " ، مدعوما بمساندة سياسية وإعلامية من أجل اعتم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أزمة التنظير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** ماســـــتر (Master) ******* :: السنة الثانية ماستار ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات )-
انتقل الى:  
1