منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الصين والصعود إلى القمة : تأملات في نموذج تنموي فريد
من طرف 0676261110 الإثنين ديسمبر 10, 2018 10:20 pm

» إدارة الكوارث : نموذج كوبا
من طرف salim 1979 الإثنين ديسمبر 03, 2018 10:24 am

» تعريف ومدلولات الدبلوماسية الإلكترونية
من طرف salim 1979 الإثنين نوفمبر 26, 2018 9:48 am

» البرنامج النووي الإيراني بين الخيار الإستراتيجي والإدارة الغربية للملف النووي
من طرف Sosoo الأحد نوفمبر 25, 2018 10:51 pm

» تحميل كل أعداد الجريدة الرسمية لسنوات 1990-1991-1992-1993-1994.
من طرف salim 1979 الأربعاء نوفمبر 21, 2018 11:02 am

» العرف والقانون الوضعي
من طرف salim 1979 السبت نوفمبر 10, 2018 11:57 am

» التعريف بالبنك الدولي
من طرف salim 1979 الأحد نوفمبر 04, 2018 4:23 pm

» المستويات الاستراتيجية لدول العالم
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:49 pm

» الهوية : تأثير القيم والعقائد على التفاعلات الدولية
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:18 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 النخبة السياسية الإسلامية في تركيا و دورها في عملية التحول الديمقراطي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5161
نقاط : 100011897
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: النخبة السياسية الإسلامية في تركيا و دورها في عملية التحول الديمقراطي   الجمعة أكتوبر 04, 2013 7:29 pm

الكاتب أ.إيمان دني أستاذ مساعد جامعة قسنطينة 3
السبت, 22 يونيو 2013 14:44
مقدمة:
تعتبر الظاهرة النخبوية من الظواهر الجديرة بالدراسة،كمجال للبحث في العلوم السياسية، و ذلك لما لها من أثر بالغ على الحياة السياسية، و على سلوك الدولة الداخلي و الخارجي على حد سواء،و لعل أهم ما يثير دارسي و متتبعي حركة المجتمع و الحياة السياسية في تركيا،كثرة تردد مصطلح النخبة على المستويين المدني و العسكري،إذ مرت تركيبة النخبة التركية بمراحل تاريخية تباينت فيها الحدود الاجتماعية و السياسية في رسم مفهوما تبعا لمراحلها التاريخية، فضلا عن ذلك فقد ارتبط هذا المفهوم اجتماعيا و سياسيا بالثقافة العامة للمجتمع، و عقيدة النظام السياسي و أهمية المقال تتمحور حول أهمية الأدوار السياسية و الاجتماعية لهذه النخب، و محددات الصراع الاجتماعي و السياسي حول مفهوم النخبة و التيار الإسلامي.
Résumé:
L’expérience des islamistes turques est unique dans son genre, en sa stratégie et ses mérites, notamment la conviction précoce affichée pour une adhésion totale au processus politique pour aboutir à la rupture, le changement et les réformes.
Cette mouvance à tendance islamique a exercé la politique au parlement et au gouvernement comme le stipulent les conditions imposées par la démocratie, exploitant de toutes ses forces, la marge de manœuvre autorisée, malgré les contraintes, l’adhésion de ce mouvement à la démocratie s’est établi sans transgressions aux règles qui régissent le jeu démocratique, ce qui lui a permis d’exprimer les desseins de son idéologie ouvertement et pacifiquement.
Ainsi cette même démocratie qui voulait contenir cette mouvance et réduire son danger, qui le hissait aux portes du pouvoir, dans une république laïque.
الملخص:
يمكن اعتبار تجربة الإسلاميين في تركيا فريدة ونوعية من عدة نواحي أهمها إيمانها منذ وقت مبكر بأهمية المدخل السياسي في عملية التغيير والإصلاح ، فهي قد مارست السياسة في البرلمان والحكومة وفق نظام ديمقراطي، وآمنت بشروطه كلها ، وعملت في الهامش الضيق المسموح لها به ، وبالرغم من ذلك فانتظام هذا التيار ضمن شروط اللعبة الديمقراطية، أتاح له التعبير عن طروحاته علنا وبطريقة سلمية،وهكذا تكون الديمقراطية التي كانت وسيلة لاستيعاب التيار الإسلامي والتقليل من" أخطاره" و"أصوليته" هي نفسها تحمل هذا التيار ممثلا بحزب "الرفاه " في التجربة السابقة وحزب "العدالة والتنمية" في التجربة السياسية الحالية إلى السلطة في تركيا الجمهورية العلمانية.

مقدمة:
تعتبر الظاهرة النخبوية من الظواهر الجديرة بالدراسة،كمجال للبحث في العلوم السياسية، و ذلك لما لها من أثر بالغ على الحياة السياسية، و على سلوك الدولة الداخلي و الخارجي على حد سواء،و لعل أهم ما يثير دارسي و متتبعي حركة المجتمع و الحياة السياسية في تركيا،كثرة تردد مصطلح النخبة على المستويين المدني و العسكري،إذ مرت تركيبة النخبة التركية بمراحل تاريخية تباينت فيها الحدود الاجتماعية و السياسية في رسم مفهوما تبعا لمراحلها التاريخية، فضلا عن ذلك فقد ارتبط هذا المفهوم اجتماعيا و سياسيا بالثقافة العامة للمجتمع، و عقيدة النظام السياسي و أهمية المقال تتمحور حول أهمية الأدوار السياسية و الاجتماعية لهذه النخب، و محددات الصراع الاجتماعي و السياسي حول مفهوم النخبة و التيار الإسلامي.
مفهوم النخبة:
لقد اكتسب مفهوم النخبة أو الصفوة أهمية خاصة في الدراسات السياسية، و صار مفهومها محوريا لا يمكن الحديث عن بناء القوة و التحكم السياسي أو إصدار القرارات السياسية بدونه مما لا شك فيه أن هناك تعريفات كثيرة قد أطلقت على النخبة، و يشير مفهوم النخبة إلى الأقلية داخل أي تجمع اجتماعي مثل المجتمع و الدولة و الحزب السياسي، أو على جماعة تمارس نفوذا متفوقا على المجتمع تسمى الصفوة الحاكمة أو الصفوة السياسية أو غيرها من التسميات كالطبقة الحاكمة أو الهيئة الحاكمة، و ترجع الأصول الأولى لدراسات النخبة إلى كتابات "فلفريد باريتو" (1932-1848) و هو عالم اجتماعي و اقتصادي معروف من أصول إيطالية في كتابه "علم الاجتماع العام" و كذا كتابات "جيتانو موسكا" في كتابه "الصفوة" و "روبرت ميشلز" في كتابه " الأحزاب السياسية" و يعد كل من "جايمس برنهام" و "رايت ميلز" استمرار للمفكرين الثلاثة الأوائل في دراسة الصفوة التي شكلت محور اهتمامهم جميعا.
و يعرف "باريتو" النخبة بأنها تتكون من الأعضاء المتفوقين في المجتمع، هؤلاء الذين تسمح لهم صفاتهم العليا بالوصول إلى السلطة و الشهرة ،محددا صفات النخب العليا في الذكاء و المهارة و القدرة و القوة، معتبرا أن التفوق الطبيعي في المهارات الفردية هو سبب وصول مجموعة صغيرة من الناس الناجحين في حياتهم إلى سدة الحكم، و رغم هذه التعريفات إلا أنه لا يزال هناك عدم وضوح مفاهيمي حول النخبة و هو ما يذهب إليه عالم نظم الاتصال و السياسة الأمريكي "هارولد لاسويل" (1902-1978) الذي عرف النخبة عام 1936 في كتابه من؟ يحصل على ماذا؟ متى؟ و كيف؟ بأنها القلة التي تستحوذ على أكثر ما يمكن الاستحواذ عليه من عناصر القوة، ليعود عام 1965 ليؤكد أنه مع تعدد تعريفات النخبة على أنه ليس هناك تعريف واحد، الأمر الذي يؤكد الاختلاف الكبير بين الدارسين حول مفهوم النخبة.وفي القواميس الإنجليزية تعرف باعتبارها:" أقوى مجموعة من الناس في المجتمع، ولها مكانتها المتميزة وذات الاعتبار"(1).و من المهام الأساسية في دراسة النخبة التمييز بين النخب الحاكمة و النخب الغير حاكمة(2) و من خلال نظرية النخبة يمكننا التمييز بين أربعة اتجاهات أساسية للنخب الاتجاه الأول و هو الاتجاه السيكولوجي النفسي و تمثله كتابات (باريتو)، أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه التنظيمي و يمثله كل من (موسكا) و تلميذه (روبرت ميلز)، أما الاتجاه الثالث فهو الاقتصادي و تمثله كتابات (جيمس بيرنهام)، و يأتي الاتجاه الرابع النظامي المؤسسي و يمثله (رايت ميلز).
و تندرج النخب تحت أربع أنواع تأتي في المقدمة النخب التي تتمثل في الزعماء السياسيين و يبرز هذا النوع من النظم ذات الولاء الشعبي القومي للزعيم السياسي، و شاع استعمال هذا النوع من النخبة أثناء التحرر من الاستعمار لحاجة دول العالم المستعمرة إلى شخصيات عظيمة تعبر عن تطلعات أممها، و تستطيع توجيه و تعبئة الأفراد و غالبا ما يحاول هؤلاء الزعماء عند وصولهم إلى سدة السلطة إضفاء نوع من الهالة على شخصياتهم ليبدوا كقادة كارزماتيين، ثم التكنزقراطيون و يرى "جيمس بيرنهام" أن هناك أربعة أنواع من القادة يمكن تصنيفهم على أنهم تكنوقراطيون وهم: رجال المال الذين يتعاملون في البورصة، الموزعون الذين يؤمنون تصريف المنتجات، المنظمون "المديرون" الذين يحسنون تنظيم الشركات الكبرى أو النقابات أو الأحزاب أو الإدارات العمومية، و المثقفون حيث غالبا ما تضم هذه الفئة المؤلفين و الفنانين و العلماء و الفلاسفة و المفكرين الدينين و المتخصصين في النظريات الاجتماعية...إلخ، كما ركز "كارل مانهايم" على قدوم نخبة ثقافية جديدة حاملة لتخطيطات جديدة لتنظيم الحياة الاجتماعية، و أخيرا النخبة العسكرية و يبرز هذا النوع من النخب بالمجتمعات النامية و حديثة الاستقلال خاصة حيث يوضح "توم بوتمور" أنه بالدول النامية دور هذه الجماعة يفوق تأثير المثقفين أو القادة السياسيين خاصة بالدول حديثة الاستقلال أين تكون السلطة السياسية غير مستقرة، و يكون لأولئك الذين يسيطرون على القوة العسكرية فرصة القيام بدور هام في تحديد مستقبل الأمة، و لقد ازداد الاهتمام بالنخبة العسكرية مع بروز ما يعرف بعملية "تسييس الجيش" و التي يعد الباحث الفرنسي "موريس بيير" أحد المهتمين بها إذ يرى أن الجيش قد يتصرف كقوة ضامنة للسلطة الحاكمة.
و يمكن القول أن المعايير التي يمكن تصنيف النخب السياسية الحاكمة و النخب الأخرى التي حيالها تتعدد، ففي السياق البحثي الخاص و تبعا لمعيار توجهها التنموي العام، يتم التمييز بين النخب التقليدية و تلك الإصلاحية التحديثية و تلك الثورية التعبوية، و تبعا لمعيار الأيديولوجية السياسية أو الحزب السياسي الذي تنتمي إليه النخبة يتم التمييز بين نخب سياسية قومية ،و أخرى ليبرالية، و ثالثة إسلامية و رابعة ماركسية، و تبعا لمصدر التجنيد يمكن التمييز بين نخب مدنية و أخرى عسكرية و ثالثة تشمل مزيجا بينهما . أما إذا أخذنا بمعيار الطبقية الاجتماعية فنجد كبار الملاك و المستثمرين و البرجوازية الرأسمالية، و نخب من الطبقة الوسطى و العمالية.
و نقول أنه من البين لمتتبع الشؤون التركية أن دور النخبة في تركيا له دور بالغ التأثير و غاية في الأهمية بالنسبة لحركة المجتمع و الحياة السياسية، و النخبة في تركيا مرت بمراحل تاريخية مختلفة و يرتبط مفهوم النخبة بالثقافة العامة للمجتمع و عقيدة النظام السياسي.
و إذا أردنا تتبع المسار التاريخي التطوري للنخبة في تركيا نجده كالآتي:لقد شكلت السلطنة العثمانية "مؤسسة دينية" تحت رعايتها،منذ عهد السلطان سليمان القانوني في القرن السادس عشر، و فرض هذا النمط السلطاني للدولة التمييز بين السلطة الزمنية، ومهمات السلطة الدينية الموكلة لـ "العلماء" ثم لدار الإفتاء، و غدت السلطة الزمنية ذات السيادة متحكمة بالسلطة الدينية(3) و ظل الحال على ما هو عليه إلى غاية القرن التاسع عشر.
ومن خلال هذه الورقة سوف يُسلط الضوء على النخبة الإسلامية في تركيا عبر المراحل التاريخية المختلفة منذ إعلان الجمهورية التركية و عن دورها في عملية التحول الديمقراطي، من خلال التعرف على مفهوم النخب و أنواع النخب و أهم معايير تصنيفها، ثم نشاط و عمل النخبة الإسلامية في تركيا، معوقات نشاطها، وأخيراً كيف ساهمت هذه النخبة بالذات في عملية التحول الديمقراطي في تركيا و محافظة المجتمع التركي على مقوماته و هويته، وخلصت الورقة إلى حوصلة و استنتاجات تبين و توضح حدود دور النخبة الإسلامية في الحياة السياسية في تركيا. و لمحاولة الاقتراب من الموضوعبصفة دقيقة فإننا نطرح الإشكالية الأساسية التي تتمحور حول:
- ما مدىمساهمة النخبة الإسلامية في عملية التحول الديمقراطي في تركيا و دورها في خلق نوع من التوازن بين النخب حسب طبيعة التركيبة التركية؟
النخبة الكمالية و علاقاتها بالتيار الإسلامي بعد تأسيس الجمهورية:
شهدت تركيا بعد الحرب العالمية الأولى حركة قومية عبر إسهامات فكرية للنخبة العثمانية المثقفة، كان أبرزها تلك المحاولات التي قام بها كتاب اهتموا لحركات سياسية مثل "تركيا الفتاة"، و "شباب العثمانيين"، و "الوطن"، و"جمعية الاتحاد و الترقي"، طرح هؤلاء أفكار بدت للوهلة الأولى جريئة و غير تقليدية، و ربما غير علمية عن القومية و الدين و الحرية و الديمقراطية و معاني السيادة و مظاهرها.(4) و من أهم هؤلاء القياديين "مصطفى كمال أتاتورك" الذي كان عضوا في حزب "تركيا الفتاة" و ضابطا في الجيش العثماني، و الذي أعلن جمهورية تركيا فتولى رئاستها سنة 1923، كما ألغى الخلافة سنة 1924 معلنا بذلك بداية عهد جديد أراده قطيعة مع الماضي العثماني، و ذلك وفق برنامج تحديثي ثوري شامل و طموح إلى حد ما، يقوم على مبادئ محددة(5) تتلخص إيديولوجيته في خمسة مبادئ،أولا الفكرة الجمهورية التي تحققت على يدي "مصطفى كمال أتاتورك" باستبدال النظام السلطاني العثماني بالنظام الجمهوري، ثانيا الوطنية التركية التي تقف على أساس المواطنة المشتركة و الإخلاص للمثل و القيم الوطنية العليا، دون الاعتماد على الدين أو العنصر.ثالثا الشعبية التي تعني المساواة أمام القانون و نبذ الامتيازات الطبقية و الصراع الطبقي، و المبدأ الرابع هو الدولية التي تعني تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية و الاجتماعية و الصحية و الثقافية لمصلحة المواطنين و التصدي للآثار المدمرة للحرب العالمية الأولى، و تأتي خامسا العلمانية أي فصل الدين عن الدولة(6) فقد عمل "أتاتورك" على إعادة توزيع القوى في المجتمع التركي معتبرا أن أحد أسباب هزيمة العثمانيين هو الدين الإسلامي، أي أنه ربط بين تخلف الدولة العثمانية و بين إيديولوجيتها الدينية، ومن هذا المنطق أكد هذا الأخير أن الدين قد يضر باللغة القومية.(7) فقد أدخل "أتاتورك" قوانين علمانية غربية لتحل محل الشرع الإسلامي و ذلك بهدف إلغاء دور الدين مستلهما ذلك من كتابات العالم الاجتماعي "زيياغو كالك" حول " التتريك، التحديث، التغريب"،فقام "أتاتورك" بتغيير في سياساته الداخلية حيث استبدل الطربوش بالقبعة.(Cool و قرر أن تكتب التركية باستخدام الحروف الرومانية بدلا من العربية، و أصبح المجتمع التركي يعيش أزمة هوية و هي ناتجة عن عدم الانسجام بين المعطيات التاريخية و الثقافية و الجغرافية لهذا البلد و بين الواقع السياسي و الثقافي و القانوني الذي فرض عليه. و رغم محاولة "أتاتورك" تغريب المجتمع التركي و جعله منسلخا من قيمه الدينية الإسلامية، إلا أن أفكاره لم تتجاوز المدن الكبرى و ظل غالبية الشعب التركي يعيش وفق التقاليد الإسلامية، و ظل الناس ينظرون إلى الإسلام باعتباره شيئا مقدسا لا يمكن التضحية أو الاستغناء عنه.بعد ذلك جاء خلف "كمال أتاتورك" "عصمت إينونو" و الذي مارس نفس أساليب "أتاتورك" في بناء الدولة و تحديث المجتمع.و لم يقتصر "عصمت إينونو" في تركيا على تحييد دور الدين و فصله عن الدولة لكنه مضى أبعد من ذلك إلى حد طمس كل معالم هذا الأخير في الحياة العامة مثل: حظر الحجاب، و حظر الآذان باللغة العربية...إلخ و قد خلقت سياسة "عصمت إينونو" صدمة و تململا في صفوف الشعب، فنشأت في عام 1945 و بتشجيع الولايات المتحدة الأمريكية، أحزاب جديدة فظهر "حزب الأمة" و "حزب الانقاد الوطني" و "الحزب الديمقراطي".(9) و فتح مجال النشاط السياسي أمام كل التيارات السياسية باستثناء الحركات الكردية و إلى حد ما التيار الإسلامي.
تركيا تتحول من الأحادية الحزبية إلى التعددية و دور الجيش في عرقلة المسار:
شهدت بداية عقدي الخمسينات و الستينات من القرن الماضي تناميا واسعا في التنظيمات السياسية الإسلامية على المستويين الرسمي و الشعبي، لأن الدين كان يعبر عنه بوصفه ممثلا عن اتجاهات الرأي السائد لدى العديد من القطاعات و الشرائح الاجتماعية، مما فسح المجال في تلك المرحلة إلى ظهور أحزاب سياسية كما عادت للظهور تنظيمات دينية إسلامية مثلت نخبا مدنية إسلامية، و في أعقاب الحرب العالمية الثانية، شهد النظام الحزبي في تركيا انعطافا تاريخيا مهما بالانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعدد الأحزاب.(10)
فجاء "الحزب الديمقراطي" و هو حزب إسلامي محافظ و كان "الحزب الديمقراطي" يؤكد و بصورة مستمرة تمسكه بالمبادئ الكمالية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون أكثر انفتاحا فيما يخص الدين و في انتخابات 1950 انتهت بفوزه و كان موقفه من المسألة الدينية من بين عوامل ذلك الفوز(11)،و بعد تشكيله للحكومة بمفرده اتبع سياسة بسيطة حيال الإسلام بغية التخفيف من الإجراءات العلمانية المتشددة التي كانت تنتهجها حكومة "حزب الشعب الجمهوري، و السماح بنشوء توازن نخبوي جديد تلبية لمتطلبات قواعده الاجتماعية(12)،و هكذا رفع الحظر الذي كان مفروضا على آذان للصلاة باللغة العربية، كما رفع الحظر عن البرامج الدينية في الإذاعة،و بدأ ترتيل القرآن الكريم على الهواء مباشرة(13)،غير أن المؤسسة العسكرية في تركيا و التي إن أردنا تتبع مسار علاقتها بالتيارات الإسلامية نجدها سلبية على طول الخط فهي كانت الحارسة للعلمانية في تركيا، فهي تعد من أقوى مؤسسات الدولة التركية و أكثرها تنظيما إن لم تكن بالفعل سلطة عليا تقع فوق الدستور و مؤسسات الدولة الأخرى، بما فيها الهيئات المنتخبة، إذ أن آدائها لا يقتصر على دورها ووظيفتها التقليديين ، بل كان لها منذ تأسيس الجمهورية التركية، دورا أساسيا في الحياة السياسية، و يرتبط هذا الميل عند الجيش التركي لممارسة أدوار سياسية إلى الإرث العثماني، فخلال ستة من قرون من التاريخ العثماني، أطاح الانكشاريون بخمسة سلاطين و ثلاثة و أربعون وزيرا، و في نهاية القرن 19 كان ضباط الصف على رأس "حركة الأتراك الشباب"، التي دفعت السلطة العثمانية إلى إصدار أول دستور عثماني عام 1876 (14) و تعود قوة هذه المؤسسة أيضا إلى صرامة و إحكام تنظيمها الداخلي، و تمتعها باستقلالية كاملة في اختيار عناصرها القيادية، و وضوح رؤيتها بشأن دورها و الأهداف العليا للدولة، وفي هذا الصدد يشبهها العديد من المحللين بالمؤسسة الباباوية(15)،و تستمد المؤسسة العسكرية مكانتها المتميزة،من قوة الوضع السياسي و المؤسساتي الذي تتمتع به بموجب الدستور التركي،و من خلال القنوات التي تمارس بواسطتها نفوذها،في عملية صنع القرار السياسي بصورة قانونية،وتتدخل المؤسسة العسكرية في تركيا في الحياة السياسية،من خلال مؤسستين:مجلس الأمن القومي،والمكتب الحكومي لإدارة الأزمات،والذي يرأسه الأمين العام لمجلس الأمن القومي،وتتساوى صلاحياته إلى حد ما بصلاحيات رئيس الوزراء،كما يملك صلاحية إصدار القرارات الملزمة في حالات الطوارئ(16). وقد نصب الجيش التركي نفسه حارسا للإرث الكمالي، وحاميا للمبادئ الديمقراطية و العلمانية وضامنا لاستمرارها، و بالفعل فقد مارس الجيش هذا الحق ثلاث مرات في (1960.1971.1980) و في أول دور سياسي للجيش التركي في آذار/1960 راح ضحيته "الحزب الديمقراطي"، وبعدها توالت محاولات نخب التيارات الإسلامية في تركيا إعادة ترتيب البيت الداخلي و إعادة طرح نفسها تحت مسميات متعددة "حزب الرفاه" 11 فبراير/1962 (17) ثم "حزب السلامة الوطني الإسلامي"...و غيرها(18)، و حزب "الرفاه" حورب من طرف المؤسسة العسكرية سياسيا لا عسكريا، و ذلك راجع إلى تخوف الأخيرة مما قد يترتب عن الانقلاب العسكري خاصة مع شعبية "نجم الدين أربكان" الواسعة ،فذهبت إلى فرض قيود على الدعم المالي الخارجي لحزب "الرفاه" و خاصة من العمال الأتراك في ألمانيا، إقالة أكثر من (160) ضابط من الجيش من ذوي الاتجاهات الإسلامية، الالتزام بمبادئ العلمانية التي نص عليها دستور عام 1982 في المادة(174)، حل أي جماعة إسلامية مسلحة غير رسمية، لقد سعى العسكر من وراء هذه الإجراءات ضد التيار الإسلامي إلى استئصال البنى التحتية لقوة التيار الإسلامي في تركيا من خلال تصفيتهم تربويا و قانونيا، و التي تعد من أهم آليات عمل التيار الإسلامي في تركيا، و في مايو/1997 لجأ الجيش إلى المحكمة الدستورية لحل حزب "الرفاه" بدعوى أنه يعمل على إثارة حرب أهلية و تغيير النظام العلماني للدولة، و في 18 يونيو/1997 أرغم "نجم الدين أربكان" على الاستقالة، و تولى مقاليد السياسة زعيم "الحزب الوطني الأم" "مسعود يلماز" بالإتلاف مع زعيم حزب "اليسار الديمقراطي" "بولند أجاويد" و تولت هذه الحكومة تنفيذ مخططات المؤسسة العسكرية بضرب الإسلاميين فمنعت المظاهر التي سمحت بها الحكومة السابقة، كمنع المحجبات من دخول الجامعات و حوصرت الشركات الاقتصادية الإسلامية(19)،و قد زادت علاقة الجيش توترا بالإسلاميين في 1999 من خلال قضية "مروى قاواقجي" الفائزة عن "حزب الرفاه" و التي رفض خلالها الجيش مجئ "مروى قاواقجي" لآداء اليمين الدستوري بالحجاب و اعتبره عصيانا ضد الجمهورية و الديمقراطية.كما صرح الجيش في 9/1/1999 بأنه لن يسمح بتكوين حكومة إسلامية و منذ ذلك الحين صنف الإسلام بمثابة الخطر الذي يتهدد الدولة التركية(20)
حزب العدالة والتنمية و دوره في عملية التحول الديمقراطي (نموذج عن نخبة إسلامية)
بعد حضره في عام 1998م أعاد حزب ''الرفاه'' تنظيم نفسه سريعا تحت اسم حزب ''الفضيلة''، لكن هذا الأخير تعرض للحظر بدوره في عام 2001م، و أثار الحظر الجديد انشقاقا في صفوف الحركة الإسلامية، بين حزب ''السعادة'' الذي يضم مجموعة محافظة و متمسكة بالتوجهات و الشعارات القديمة و التي نجد فيها ''نجم الدين أربكان''، و من جهة أخرى حزب ''العدالة و التنمية'' الذي يمثل التيار المسمى ''تجديديا''. (21)
و قدم حزب العدالة و التنمية بقيادة ''رجب طيب أردوغان'' رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية و الذي جاءمن رحم المؤسسة الدينية في تركيا، فهو خريج مدرسة دينية، كما أنه بدأ العمل السياسي من خلال التيار الإسلامي الذي قاده "نجم الدين أربكان"، لكنه يحاول منذ فوزه بالحكومة في عام 2002 التأكيد على أنه لا يمثل حزبا دينيا، لكنه يريد بناء دولة ديمقراطية تفصل بين الدين والدولة كما في أوروبا ولا تسيطر فيها الدولة على الدين كما هو حال العلمانية التركية. و هورئيس بلدية اسطنبول سابقا، دخل السجن حيث أمضى أربعة أشهر لأنه ألقى في مهرجان أبيات شعرية اعتبرت مخلة بالأمن، و حظر عليه ممارسة النشاط السياسي، إلا أن تعديلا دستوريا أعاد إليه حق الترشح الذي سمح له بخوض الانتخابات سنة 2003م، حيث حل محل ''عبد الله غول'' في منصب رئيس الوزراء في 11 آذار 2003م. و ''عبد الله غول'' و هو الرجل الثاني في حزب ''العدالة و التنمية''، تولى حقيبة الخارجية ثم منصب رئيس الوزراء خلال تواجد ''أردوغان'' في السجن، قبل أن يصبح رئيس للجمهورية.قدم هذا الحزب منذ انطلاقته صورة حزب ''ديمقراطي محافظ'' يتمسك بمرجعيته الدينية لكنه لا يحبذ الانفصال عن حركة الرأسمالية المعولمة، و هو يستند إلى قاعدة انتخابية غير متجانسة سبق وأن وصلت إلى السلطة حزب ''الوطن الأم'' عقب الانتخابات التشريعية عام1983م.
و يتمتع حزب '' العدالة والتنمية'' بقاعدة قوية وسط الأناضول، و يطمح أعضاؤه إلى الصعود الاجتماعي و إن كان سلوكهم يميل إلى أن يكون تقليديا.
القطاع الأساس لناخبيه يعيش في الأرياف ،و بصورة رئيسية في المدن الصغرى و المتوسطة المحافظة في الأرياف، و انطلاقا من محاولته علاج مظاهر قصور اليسار، يصور حزب العدالة و التنمية نفسه على أنه ''حزب الفقراء و المحرومين''، و الحزب الذي سيأتي بالعدل باعتباره شريفا و ليس فاسدا و يمكن الاعتماد عليه، إنه يغري الفئات المحرومة في ضواحي المدن الكبرى خصوصا ''اسطنبول''، مثلما يستقطب قطاعا من الجمهور الكردي شرق البلاد، كذلك يحوز على تعاطف مقاولي الأناضول الذين يسجلون صعودا مذهلا، لكونه ''حزب المبادرة الحرة''.
أخيرا يجتذب حزب ''العدالة والتنمية'' بفضل انفتاحه السياسي الفئات الليبرالية التي تتطلع إلى فك ارتباط كامل بين الدولة و الحياة الاقتصادية و الاجتماعية، إذا في غياب أي توجه أيديولوجي راديكالي،يمكن لحزب '' العدالة و التنمية'' أن يحتل مركز الوسط السياسي في المجتمع التركي، مستعيدا قطاعا كبيرا من ناخبي أحزاب الوسط التقليدية.
و يمكن تشبيه فوز حزب ''العدالة و التنمية'' في الانتخابات النيابية في تشرين الثاني 2002م، بذاك الذي حققه الحزب ''الديمقراطي'' عام 1950م و حزب ''الوطن الأم'' عام 1983م، و في ضوء الرفض الكثيف للأحزاب التقليدية، توصل حزب ''العدالة و التنمية'' إلى اجتذاب ناخبي فئات اجتماعية مختلفة عن طريق إقناعهم بأن مطالبهم قابلة للتحقيق، و هو استفاد أيضا من انعكاسات الأزمة الاقتصادية التي كانت تعانيها البلاد في حينه، و التي تسببت بموجة تشاؤم و إحباط في صفوف كل الفئات الاجتماعية، و أثارت كذلك حالة غضب ضد الطبقة السياسية التقليدية.(22)
و كانت الدورة البرلمانية 1999م – 2002م انتهت بصورة فوضوية عبر ائتلاف ثلاثي غير متجانس يذهب من أقصى اليمين إلى اليسار القومي و ينقصه برنامج واضح المعالم، و تميزت هذه السنوات بعجز حكومي مزمن، و بطبقة سياسية فاقدة للمصداقية بسبب توالي الفضائح و تفشي الفساد ووضع اقتصادي يداني الإفلاس، و نتيجة للأزمة المالية الكبرى في 2001م،و تميزت هذه الأزمة بهروب كثيف للرساميل قاد إلى انهيار البورصة، و إفلاس نحو 12 مصرفا و مئات المؤسسات الصغيرة و بيوت التجارة، و لجأت الحكومة فورا إلى التخلي عن خطة مكافحة التضخم و تعويم العملة.و التضخم المتصاعد و مديونية قياسية، انخفضت الليرة التركية بنسبة 40 بالمئة، و قفزت البطالة في المدن من 12,6 في المئة عام 2001م إلى 15,1 في المئة عام 2002م، كذلك ارتفع معدل بطالة الشباب (أقل من 25 سنة) من 14,3 في المئة عام 2000م إلى 16,7 في المئة عام 2001م، قبل أن يبلغ 17,2 في المئة في منتصف 2002، وقد أسفر هذا الوضع الكارثي عن رفض كثيف للطبقة السياسية الحاكمة خلال الانتخابات المبكرة في تشرين الثاني 2002م. و يشكل نجاح حزب العدالة و التنمية في النهوض بالاقتصاد التركي، خلال فترة حكمه منذ 2002 و حتى الآن، أحد أهم عوامل ازدياد شعبيته جماهيريا، و السبب الرئيسي وراء فوزه التاريخي في الانتخابات الأخيرة.
فعندما جاء الحزب إلى السلطة منذ إحدى عشر سنة، كان الوضع الاقتصادي المتدهور و الانهيار التجاري و المالي لتركيا يشكل التحدي الأول و الأصعب أمامه، و قد استطاع الحزب خلال فترة حكمه عبر السياسات الاقتصادية الإصلاحية التي انتهجها، النهوض بالاقتصاد التركي بما يشبه المعجزة، ما انعكس على نظرة الشعب التركي للحزب، خاصة بعد عقود طويلة من الفساد و الرشاوي و الأزمات المالية و الاقتصادية التي عاش فيها الأتراك في ظل الحكومات العلمانية و القومية المتعاقبة على الحكم.
إن ما حققته الحكومة التركية من نهضة اقتصادية بقيادة حزب "العدالة والتنمية" في إحدى عشر سنة قد فاق كل ما حققته الحكومات التركية في فترة الجمهورية منذ 1923 وقد تمثلت أهم مؤشرات تقدم الاقتصاد التركي في عهد العدالة والتنمية فيما يلي :
*قفز الناتج القومي الإجمالي بين عامي 2002-2008 من 300 مليار دولار إلى 750 مليار دولار، بمعدل 6.8 بالمئة.
*قفز معدل الدخل الفردي للمواطن في نفس السنة من حوالي 3300 دولار إلى حوالي 10.000 دولار.
*تحسنت أجواء الاستثمار، حيث دخلت تركيا بين أكثر دول العالم جذبا للاستثمار الخارجي.
*أصبحت تركيا في المرتبة السادسة عشرة في ترتيب أكبر الاقتصاديات على المستوى العالمي، و السادسة على المستوى الأوروبي، و بذلك تقلصت الفجوة و لأول مرة بهذه السنة بين معدلا التنمية التركية و معدلات التنمية الأوروبية و أصبحت تركيا من مجموعة العشرين (ج-20)، و ذلك بعد أن كان الاقتصاد التركي في سنة 2002 يأتي في المرتبة السادسة و العشرين.
كما حققت تركيا تحسنا كبيرا في العلاقات الاقتصادية و التجارية إقليميا و عالميا و شهدت الشركات التركية نموا استثنائيا من خلال توسعها في شتى أسواق العالم.و يلاحظ أن ما تم تحقيقه من انجازات كان واضحا و منعكسا فعلا على الشغب التركي و رفاهيته، سواء بإقامة الطرق السريعة و المستشفيات الكبرى، و توسيع الضمان الصحي، و تقليل نسبة البطالة و توفير الوظائف و رفع الحد الأدنى للأجور، و رفع مستوى المعيشة و تحقيق من النمو الاقتصادي الذي أقرت به مؤسسات دولية معتبرة، منها صندوق النقد الدولي، وغيرها من الانجازات التي لمسها المواطن التركي العادي.
و لأن الحزب الحاكم يدرك أن الاقتصاد يأتي أولا و قبل كل شيء من ناحية هموم الناخب التركي، فقد خصص له الشق الأكبر في مشروعه الانتخابي العملاق و فيه وعد بأن تصبح تركيا في غضون 2023 تحتل المرتبة العاشرة اقتصاديا في العالم، و أن تكون اسطنبول أحد أهم عشرة مراكز اقتصادية في العالم، و هي الوعود التي نالت مصداقية كبيرة لدى المواطنين الأتراك، نظرا لثقتهم الشديدة في قدرة "أردوغان" على تحقيقها، لما له من خبرة و رصيد هائل من الانجازات الاقتصادية طوال الإحدى عشر سنة الماضية، و كانت دافعا قويا لإعطاءه صوتهم الانتخابي.(23)
أما سياسيا فقد أصبح حزب ''العدالة و التنمية'' القوة السياسية الأولى في البلاد بعد حصوله على 34 في المئة من الأصوات و 363 نائبا من أصل 550 تضمهم الجمعية الوطنية، و للمرة الأولى منذ 1987م يتولى حزب تركي مسؤوليات حكومية من دون أن يضطر إلى تشكيل ائتلاف، و لم يكن أمام حزب ''العدالة'' في البرلمان سوى تشكيل سياسي واحد هو حزب ''الشعب الجمهوري'' (178 مقعدا)، و هذه سابقة منذ 1945م في تركيا.
ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة قامت حكومة "أردوغان" في بدايات عام 2003 باستصدار حزم قانونية جديدة بهدف إعادة هيكلة المؤسسات، واستصدار تشريعات متوافقة مع معايير "كوبنهاجن"، غير أن الحزمة القانونية السابعة التي صادق عليها البرلمان التركي في 30 يوليو/تموز 2003م كانت نقطة التحول الأقوى في العلاقة بين العسكريين والمدنيين داخل مجلس الأمن الوطني وأمانته العامة؛ حيث استهدفت الحد من دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية من خلال تقليص وضعيته الدستورية والقانونية.
ولقد تناولت التعديلات الخاصة بمجلس الأمن الوطني وأمانته العامة محورين يفضي كلاهما إلى تقليص وضعية المؤسسة العسكرية داخل الحياة السياسية التركية، وهما إلغاء هيمنة المؤسسة العسكرية على بنية مجلس الأمن الوطني، وتقليص سلطات المجلس التنفيذية.
فقد تم تعديل المادة (15) من قانون مجلس الأمن الوطني وأمانته العامة، حيث تم إلغاء البند الخاص بوجوب تعيين الأمين العام لمجلس الأمن الوطني من بين أعضاء القوات المسلحة برتبة فريق أول أو فريق أول بحري، لتنص بعد تعديلها على إمكانية تولي شخصية مدنية لمنصب الأمين العام للمجلس . وبالفعل، فمع انتهاء فترة ولاية الأمين العام للمجلس تم تعيين "محمد البوغان" في 17 غسطس/آب 2004، ليكون بذلك أول شخصية مدنية تتولى منصب الأمين العام لمجلس الأمن الوطني وبتعديل المادة الخامسة أيضًا أصبح انعقاد المجلس الدوري مرة كل شهرين بدلاً من مرة كل شهر. كما أن التعديل الذي جرى على المادتين (4) و(13)، وكذلك إلغاء المواد أرقام 9 و14 و19 من القانون ذاته قد قلَّص بشكل واضح من سلطات المجلس وأمينه العام.(24)
وقد تم تعديل المادة الرابعة التي كانت تُكلف المجلس وأمانته العامة بمهام المتابعة والتقييم الدائم لعناصر القوى الوطنية، وكذلك متابعة أوضاع الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتقنية انطلاقًا من أن المجلس هو الحامي للنظام الدستوري، والقائم على توجيه القيم الوطنية نحو المبادئ الأتاتوركية، فاقتصرت المادة الرابعة بعد تعديلها على أن مهمة المجلس هي رسم وتطبيق سياسة الأمن الوطني، وأن يقوم مجلس الأمن الوطني بإخبار مجلس الوزراء بآرائه ثم ينتظر ما يسند إليه من مهام ليقوم بتنفيذها ومتابعتها وبهذه الكيفية يكون مجلس الأمن الوطني وأمانته العامة قد تحولا إلى جهاز استشاري وفقدا إلى حدٍّ كبير وضعيتهما التنفيذية.
كما أن المادة رقم (13) التي تحدد مهام الأمانة العامة لمجلس الأمن الوطني قد تم تعديلها أيضًا على نحو جعلها تفقد دورها الرقابي ومبادرتها في إعداد قرارات مجلس الأمن الوطني ووضع الخطط والمشروعات للوزارات والهيئات والمؤسسات، لتصبح مهمة الأمانة العامة لمجلس الأمن الوطني قاصرة فقط على تنفيذ ما يكلفها به المجلس من مهام.
أما إلغاء المواد أرقام 9 ، 14، 19 فقد سحب من الأمانة العامة لمجلس الأمن الوطني حقها في الحصول على المعلومات والوثائق السرية بكل درجاتها عند طلبها من الوزارات والمؤسسات العامة والهيئات ورجال القانون.
كما تم إجراء تعديل على المادة رقم (30) من قانون الجهاز المحاسبي التي كانت تعفي الكوادر العسكرية من الخضوع للرقابة المالية؛ لتصبح المؤسسة العسكرية وكوادرها خاضعين لإشراف ومراقبة الجهاز المركزي للمحاسبات.
كما تم إجراء تعديل دستوري بتاريخ 7 مايو/أيار 2004 على المادة 131 الخاصة بالمجلس الأعلى للتعليم، حيث تم إلغاء عضوية الجنرال العسكري من داخل مجلس إدارة المجلس الأعلى للتعليم، وبتعديل دستوري آخر في أغسطس/آب 2004 تم إلغاء الفقرة الخاصة بعضوية الجنرال العسكري داخل اتحاد الإذاعة والتليفزيون. وبهذا أصبح، ولأول مرة المجلس الأعلى للتعليم واتحاد الإذاعة والتليفزيون مؤسستين مدنيتين بالمعنى التام، دون وجود أي رقيب عسكري.
وشملت التعديلات الدستورية والقانونية أيضًا السماح برفع الدعاوى القضائية لاستجواب ومقاضاة الجنرالات القدامى بشأن قضايا الفساد، والسماح للعسكريين بالإدلاء بالتصريحات الإعلامية فقط في المجالات التي تتناول الشأن العسكري والأمني، وتحت إشراف السلطة المدنية أيضًا، وكذلك تم إلغاء إمكانية محاكمة المدنيين داخل المحاكم العسكرية.
غير أن قرار حزب العدالة والتنمية بترشيح وزير الخارجية "عبد الله غول" لمنصب رئيس الجمهورية قد أثار مخاوف رئاسة الأركان، ودفعها لنشر بيان على موقعها الإلكتروني في 27 إبريل/نيسان 2007 أبدت فيه تخوفها على مصير الجمهورية العلمانية. فما ‏كان من "أردوغان" إلا أن أطلق تصريحًا دعا فيه الجيـش إلى الالتزام بمهامـه العسـكريـة، ‏وعدم ‏التعرض للشـأن السـياسـي مطلقًا؛ فرفعت رئاسـة هيئـة الأركان صباح اليوم التالي إنذارها ‏من ‏الموقع. ثم اسـتصدرت الحكومـة قرارًا بمنع العسـكريين من الإدلاء بتصريحاتٍ شـفهيـة أو ‏‏مكتوبـة تتعلق بالشـأن السـياسـي. ويمكن القول: إن هذا "الإنذار الإلكتروني" كان آخر مناوشات المؤسسة العسكرية لاستعادة ممارسة دورها السياسي.
وإزاء كل هذه التعديلات التي جرت على الوضعية القانونية للجيش، ومن ثم دوره في الحياة السياسية، توارى الجيش في ثكناته واستسلم لوضعيته الجديدة واكتفى بدوره العسكري.ويمكن القول: إن "الإدارة السياسية الناجحة" لحزب العدالة والتنمية خلال السنوات العشر الماضية في شؤون السياسة الداخلية والخارجية وبناء اقتصاد قوي، كان لها تأثيرها الإيجابي في تعزيز الديمقراطية وحماية الحريات وحقوق الإنسان، ما جعل المواطن التركي يثق في الإدارة السياسية ويدعم تقليص دور العسكر في الحياة السياسية، كما أن المؤسسة العسكرية ذاتها لم تعد تشعر بذات القلق من الإدارة السياسية القائمة تجاه مبادئ الجمهورية ونظامها العلماني.
خاتمة
تقدم تركيا نموذجاً حيوياً ومركزياً في اختبار عملية المصالحة بين الديموقراطية والإسلام في الحياة السياسية،حيث كان التيار الإسلامي في تركيا يمثل حتى وقت قريب، مجرد عنصر في المعادلة السياسية التركية. إلا أنه تحول عقب النجاحات الانتخابية المتلاحقة لحزب العدالة والتنمية إلى قوة أساسية مُحددة في الحياة السياسية التركية. وعلى رغم إصرار "العدالة والتنمية" على رفض وصفه بالحزب الإسلامي، يدور جدل بشأن الهوية الحقيقية للحزب وأجنداته "الخفية" في ظل تأكيد زعيمه "رجب طيب أردوغان" أنه يقود حزباً مسلماً ديموقراطياً على شاكلة الأحزاب المسيحية الديموقراطية في أوروبا حيث يمثل الدين خلفية ثقافية، ولا دور مباشراً له في الأجندة السياسية أو العمل السياسي.
ولا نبالغ إذا قلنا إن "العدالة والتنمية" نجح في التعاطي مع الدين في إطار يجعله حاضراً حيث هو غائب في الشأن السياسي التركي، ولعل ذلك يعكس تميز التجربة التركية عن غيرها في التعامل مع الدين، وهو سلوك يرى فيه البعض آلية من آليات اشتغال "العلمانية التركية" في إطار علاقة خاصة بين الدين والدولة تضرب بجذورها في الميراث والتقاليد العثمانية التي "تُخضع" الدين أو "تضمنه" ضمن سلطة الدولة.
و نقول أن كفاح التحول الديمقراطي الطويل و المؤلم في تركيا قد أعطى ثماره و نضجت "ديمقراطية تركيا" بشكل واضح جلي، و اليوم أصبحت تركيا بما لديها من تراكم سياسي تمتلك ثراء يمكنها من تقديم إضافات هامة لدول المنطقة و العالم العربي الإسلامي، و خاصة أن لدينا قناعة أن التجربة التركية سوف تقدم إضافات هامة لدول المنطقة التي تعيش مرحلة الربيع العربي، تلك المرحلة التي تشبه مراحل التغيير التي عاشتها أوروبا الشرقية في تسعينات القرن الماضي.
و عليه فإن التيار الإسلامي و النخبة الإسلامية في تركيا كان لها دور مهم جدا في عملية التحول الديمقراطي، و حتى خلق نوع من التوازن الاجتماعي و السياسي بين النخب في تركيا، و تعايش العلمانيين مع الإسلاميين بفضل سياسات محاولة التقدم بتركيا و اعتبار قضية الدين مفصول فيها و إعطاء الأولوية لمصالح تركيا داخليا و خارجيا.
الهـــــــــــوامش:
(1)محمود محمد الناكوع: أزمة النخبة في الوطن العربي، الطبعة الأولى 1989، ص 15
(2) علي هلال الدين، ونيفين مسعد، النظم السياسية العربية :قضايا الاستمرار و التغيير (بيروت 2000)، مركز دراسات الوحدة العربية، ص،ص،69،71.
(3)عبد الله تركماني، تعاظم الدور الإقليمي لتركيا(مقوماته و أبعاده و مظاهره و حدوده) ،ط1، دار نقوش عربية، (تونس)،2010،ص 249-250
(4) ياسر أحمد حسن، تركيا:البحث عن المستقبل،( القاهرة): الدار المصرية اللبنانية، 2006، ص21.
(5 MustaphaBenchenane ; « Turquie Ambigüe »,Défense Nationale,f2VRIER 1999,p 69.
(6) سيار الجميل، العرب و الأتراك و التحديث من العثمنة إلى العلمنة،( بيروت): مركز دراسات الوحدة العربية،1997،ص 118-119
(7) محمود علي دهام، تركيا ما بعد العثمانية: الجيش و مراكز القوى، شؤون الأوسط، العدد 99، سبتمبر 2000،ص 13-14.
(Coolعبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، ج1،ط4: (بيروت)،المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1999،ص 712.
(9)عبد الوهاب الكيالي،مرجع سابق،ص،ص 712-713.
(10)Turkey Alamamie ,Turkish dialy News,(Iukara 1979) pp.31-14.
(11) كمال أوكه، الدراسات العربية في تركيا الحديث مواضع و اتجاهات و مصادر:ترجمة صلاح سليم علي، أوراق تركية معاصرة، مركز الدراسات التركية ،جامعة الموصل، 1989، ص4.
(12) أوكه، نفس المصدر ،ص 4.
(13) متينهابر،الدينوالسياسةوالمجتمع،أوراقتركيةمعاصرة،ترجمةصلاح سليم علي،مركز الدراسات التركية،جامعةالموصل،العدد(6)،السنةالأولى،)الموصل1993(،ص،ص21-22.
(14) معتز محمد سلامة، الجيش و السياسة في تركيا، السياسة الدولية،العدد 131،جانفي 1998،ص124.
(15) جلال عبد الله معوض، حلقة نقاشية حول صناعة القرار في تركيا و العلاقات العربية التركية، المستقبل العربي، العدد 127، جانفي 1998، ص 21.
(16)جلال عبد الله معوض،صناعة القرار في تركيا و العلاقات العربية التركية،المستقبل العربي ، العدد 127، جانفي 1998، ص21.
(17) C.H.Dodd ,Democracy And Development in Turkey,1979.p76.
(18) هابر،المرجع السابق،ص21.
(19) محمد نور الدين، حجاب و خراب، رياض الريس للكتب و النشر، ط1، (بيروت 2001) ،ص 280.
(20)محمد نور الدين، خطر حزب الرفاه في تركيا: المسيرة المتعثرة للديمقراطية، شؤون الأوسط، العدد 69، فبراير 2008، ص67.
(21)ميشال نوفل،عودة تركيا إلى الشرق :الاتجاهات الجديدة للسياسة التركية، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2010)،ص 63.
(22) ميشال نوفل، مرجع سابق، ص 65.
(23)فاتن نصار، العدالة و التنمية التركي ...أربعة أسباب وراء الفوز، متحصل عليه يوم 06/06/2013 نقلا عن:http://kahireturk.org/Makalat_Main2.php?id_art=66
(24)بشير عبد الفتاح، تراجع الدور السياسي للجيش التركي، مركز الجزيرة للدراسات، متحصل عليه يوم 26/12/2012 نقلا عن:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/169F17B1-047E-4B91-8532-1BC5F2CE60E3.htm


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
النخبة السياسية الإسلامية في تركيا و دورها في عملية التحول الديمقراطي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** ماســـــتر (Master) ******* :: السنة الثانية ماستار ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات )-
انتقل الى:  
1