منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الصين والصعود إلى القمة : تأملات في نموذج تنموي فريد
من طرف 0676261110 الإثنين ديسمبر 10, 2018 10:20 pm

» إدارة الكوارث : نموذج كوبا
من طرف salim 1979 الإثنين ديسمبر 03, 2018 10:24 am

» تعريف ومدلولات الدبلوماسية الإلكترونية
من طرف salim 1979 الإثنين نوفمبر 26, 2018 9:48 am

» البرنامج النووي الإيراني بين الخيار الإستراتيجي والإدارة الغربية للملف النووي
من طرف Sosoo الأحد نوفمبر 25, 2018 10:51 pm

» تحميل كل أعداد الجريدة الرسمية لسنوات 1990-1991-1992-1993-1994.
من طرف salim 1979 الأربعاء نوفمبر 21, 2018 11:02 am

» العرف والقانون الوضعي
من طرف salim 1979 السبت نوفمبر 10, 2018 11:57 am

» التعريف بالبنك الدولي
من طرف salim 1979 الأحد نوفمبر 04, 2018 4:23 pm

» المستويات الاستراتيجية لدول العالم
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:49 pm

» الهوية : تأثير القيم والعقائد على التفاعلات الدولية
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:18 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5161
نقاط : 100011897
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج   الإثنين يونيو 17, 2013 12:41 am


 

 

نــــدوة
تطبيقات علم الاستشراف Futurology
فى تطوير الإدارة العربية
القاهرة – جمهورية مصر العربية
16-20 إبريل 2006
 
 
علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج
 
إعداد
 
أ.د. عواطف عبد الرحمن
 


 
مقدمـة:
ويرجع تاريخ الاهتمام بالمستقبل إلى البدايات الأولى للتطلع البشرى إلى المعرفة الشاملة بالكون واستكناه غوامضه وأسراره وفى مقدمتها الزمن, وذلك بهدف السيطرة على حركته والتحكم فى مساره. ويمكن تبين ذلك بوضوح فى التراث الأسطوري والديني للبشرية حيث توجد الجذور الأولى لعلم المستقبل فى صور وأشكال متباينة وحقيقة الأمر أن إقبال المفكرين والمؤرخين على دراسة التاريخ كان يحمل دوما الرغبة الخفية فى محاولة استشفاف المستقبل. ولم ينفرد العلماء أو الفلاسفة والمؤرخون بالعمل على الاقتراب من خفايا المستقبل بهدف الكشف عن إرهاصاتها وتكوين رؤية معينة لهذا المستقبل بل كان للشعراء والأنبياء دور خاص فى هذا المضمار, ويكفى للتدليل على ذلك أن نشير أي شعراء الملاحم كهوميروس وجلجامش, ومؤلفي اليوتوبيات كأفلاطون وتوماس مور, وأنبياء العهد القديم كأرميا وأشعيا وحزقيال.(1)
ويضاف إلى ذلك رؤى الأديان للمستقبل كحقيقة حتمية يتحرك إليها (المؤمن) دون أن يملك إمكانية تعديلها أو تحويل مسارها وليس للمؤمن سوى التسليم بها كما أنزلت. ورغم أن الفكر البشرى قد عمد منذ القديم إلى دراسة وتأمل البعدين المعروفين للزمن والمقصود بهما الماضي والحاضر, إلا أن الاهتمام باستطلاع المستقبل لم يغب مطلقا  عن ذهن قدماء الفلاسفة والمؤرخين والأنبياء. فظواهر العرافة والكهانة والتنجيم التي تميزت بها الحضارات القديمة فى مصر وبابل واليونان والهند تدل على الاهتمام المبكر الذى أولته البشرية منذ أقدم العصور لمحاولة استطلاع المستقبل وفهم مساراته.
إلا أن المستقبل لم يسبق له أن اعتبر (علما) إلا فى العصور الحديثة, وفى بدايات القرن العشرين على وجه التحديد حيث برز إلى الوجود شكل جديد من الجهد الإنساني يختلف اختلافا نوعيا عما سبقه من محاولات فى مجال البحث عن المستقبل.
ومادام المستقبل ليس قدرا محتوما فإنه لا يمكن أن يكون فى صورة فريدة غير متوقعة بل إن أمام كل مجتمع فى لحظة معينة من تاريخه احتمالات متعددة للمستقبل, وعليه أن يحاول الكشف عنها وتبين مساراتها وتحديد معالمها. وإذا كان من الممكن أن تتعدد صور المستقبل أمام أي مجتمع فإن ذلك يرتهن بحدود الحرية التي يحققها هذا المجتمع نفسه فى محاولة رسم صورة مستقبله بنفسه. وحين يقرر المجتمع أهدافا مستقبلية فإن صورة المستقبل لن تكون بالضرورة مطابقة لتلك الأهداف: فالإرادة الجماعية على كل المستويات تحد من إطلاقها قيود كثيرة بعضها طبيعي مثل حجم الموارد الطبيعية المتاحة للمجتمع, وبعضها اجتماعي مثل البني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحضارية السائدة فى ذلك المجتمع, وبعض هذه القيود داخلي فى الأساس فى حين أن البعض الآخر وافد على المجتمع نتيجة علاقاته المتعددة بمجتمعات أخرى. كذلك هناك بعض القيود التي يتعذر تجاوزها فى المستقبل المنظور, والبعض الآخر يمكن من خلال الدراسة التوصل إلى إمكانية تجاوزه.
كذلك يتوقف الأمر على صانع القرار الذى اتخذه باسم المجتمع, والمصالح التي يمثلها ودرجة وعيه بها, ونتائج قراره المتشابكة وأثرها فى المدى البعيد على الداخل والخارج(2). كل هذه الاعتبارات توضح أن الوعي بقضية المستقبل لم يعد من أمور الغيب التي ينفرد بها الكهان مثلما كان يحدث قديما  فى معبد دلفى باليونان, بل أصبح المستقبل يدرج فى عداد المباحث العلمية القابلة للتنسيق والتعليل اللذين تتصف بهما سائر العلوم لاسيما علم التاريخ الذى ينفرد بدراسة الماضي ويتميز بقواعده ومناهجه وأهدافه الواضحة المحددة, فلماذا لا يكون لدراسة المستقبل علم له قواعده ومناهجه وأهدافه..?
يجدر بنا أن نشير إلى مجموعة العوامل الموضوعية التي ساعدت على تحقيق هذه النقلة الكيفية فى مسيرة الدراسات المستقبلية أو ما يسمى بعلم المستقبل. ويتصدر هذه العوامل جميعها ذلك الرصيد المعرفي الهائل الذى أصبح متوافرا  لدى الباحثين وعلى الأخص المعنيين بالدراسات المستقبلية, وذلك كنتاج طبيعي للثورة الكمية والكيفية التي حدثت فى نطاق المعرفة العلمية فى القرن العشرين. فلو نظرنا للأمر من الزاوية الكمية المحضة لتبين لنا أن كم المعرفة البشرية يتضاعف فى الوقت الراهن خلال فترة تتراوح من 3-5 سنوات, وهو ما كان يستغرق فى الماضي مئات السنين, ويتزايد هذا المعدل بصورة مستمرة إلى الحد الذى يتوقع أن يبلغ بضعة أشهر فحسب عند منتصف القرن الحادي والعشرين. وقد انعكس ذلك فى عدد المجلات العلمية الذى أخذ يتضاعف منذ نهاية القرن التاسع عشر, كما انعكس أيضا  فى عدد العلماء الذين يبلغون اليوم ثلاثة أرباع مجموع العلماء الذين عرفتهم البشرية منذ بدء تاريخها(3).
ثاني هذه العوامل يتعلق بالتغييرات الكيفية الملحوظة التي طرأت على أساليب معالجة المعلومات التي تجسدت فى التطور الهائل الذى شهدته صناعة أو تكنولوجيا المعلومات متمثلا  فى ذلك التلاقي بين تكنولوجيات الحاسبات الإلكترونية من ناحية, والاتصالات من ناحية أخرى, مما ترتب عليه ازدياد الدور الذى يقوم به الكمبيوتر فى مجال البحوث والإدارة وتخزين المعلومات مما لم يكن متوافرا من قبل. وهو يتميز ليس بقدرته على إنجاز العمليات الحسابية المعقدة التي يعجز عنها الإنسان فحسب, وإنما يتميز فوق ذلك بقدرته على تخزين هذه المعلومات واستعادتها فى وقت قصير واستخلاص النتائج المنطقية المعقدة الناتجة عن تفاعل العوامل والمتغيرات المختلفة سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو بيئية أو تكنولوجية, مما يفوق بكثير قدرة الإنسان على أدائها وإنجازها بنفس الكفاءة والسرعة.
أما العامل الثالث: فهو يتعلق ببروز علم رياضي جديد هو علم تحليل النظم, وهو فرع من فروع الرياضيات ظهرت بداياته الأولى خلال الحرب العالمية الثانية, وإن كان قد أحرز تقدما  ملموسا خصوصا بعد استخدام الكمبيوتر الذى أسهم فى تطور هذا العلم, وشجع على استخدامه فى مجال العلوم الاجتماعية وخصوصا فرع الاقتصاد والسياسة والإدارة. وقد أسهم ذلك فى دفع الدراسات المستقبلية خطوات كبيرة إلى الأمام خصوصا على المستوى النظري والمنهجي. ففي حين اعتمد الباحثون فى الماضي على نظريات كنظرية التطور والدورات التاريخية فى معالجتهم لقضايا المستقبل, مما أسفر عن الخروج بتعميمات شبه فضفاضة يعوزها الرصد العلمي الدقيق للجزئيات, فإن هذا التطور النوعي الذى طرأ على البنيان النظري والمنهجي للمعرفة العلمية متمثلا  فى ظهور علم تحليل النظم, قد أتاح للعلماء والدارسين فى مجال المستقبليات إمكانية الاستفادة الكاملة بكل ما يتيحه هذا العلم من الاستعانة بأحدث أساليب التحليل الإحصائي للجزئيات فى إطار تكاملي مترابط.(4)
إشكالية المفاهيم والمصطلحات:
تباين المفاهيم والمسميات التي ترتبط بالدراسات المستقبلية, ويرجع ذلك فى الأساس إلى طبيعة علم المستقبل الذى ينتمي إلى دائرة العلوم الاجتماعية حيث يندر الاتفاق على المفاهيم والمصطلحات. فمن الملاحظ أن أوسيب فلتحهايم يميل إلى اعتبار علم المستقبل فرعا من علم الاجتماع, وشبيها بعلم الاجتماع التاريخي, وذلك رغم الاختلاف الأساسي بينهما الذى يتمثل فى تركيز علم الاجتماع التاريخي على أحداث الماضي, فى حين أن علم المستقبل يستشرف أحداث الزمن الآتي مستهدفا تحديد مدى احتمال وقوعها.(5)
وبهذا يتحدد موقع علم المستقبل خارج دائرة العلوم البحتة كالرياضيات التي ينتظر منها أن توصلنا إلى نتائج يقينية. فهو فى الواقع علم يتناول الأحداث التي لم تقع بعد, ويشير إلى الفترات الزمنية التي لم تحل بعد, وعندما تحل سوف تصبح حاضرا, ولذلك يختلف علم المستقبل اختلافا جذريا عن علم التاريخ الذى يترك لنا شواهد عليه, أما المستقبل فهو لا يوجد إلا فى الذهن والخيال والخطط التي ترسمها له, وإن كان هناك إرهاصات له فهي غير مؤكدة.
ومع تعقد مجمل النسق السياسي الاجتماعي الاقتصادي وزيادة عدم اليقين المستقبلي, تبرز مجموعة من الاختلافات تتعلق بالمصطلحات والمفاهيم التي يدور حولها علم المستقبل مثل التخطيط طويل المدى - النبؤات- الإسقاط - الاستشراف. فالمقصود بالتخطيط هو التدخل الواعي لاعادة صياغة الهياكل الاقتصادية والاجتماعية من خلال مجموعة من السياسات المتكاملة والمتاحة لسلطة مركزية تملك إمكانيات التطبيق الفعلي من متابعة وإدارة وتنفيذ. ولذلك فإن التخطيط طويل المدى لا يوجد إلا فى النظم أو الدول الاشتراكية التي تمارس قدرا من الإشراف المركزي على الحياة الاقتصادية, ويسمح لها برسم السياسات والبرامج ذات التخطيط الطويل أو المتوسط المدى.(6)
أما النبوءات فهي تستند إلى الفكرة القائلة بأن المستقبل أمر محدد مسبقا والمطلوب هو الكشف عنه فقط, وهنا نلحظ أن النبوءات أقرب إلى مجال الممارسات الفردية منها إلى مجال التجمعات البشرية الكبرى مثل الدولة أو مجموعة الدول ويفضل البعض استخدام مفهوم التنبؤ للإشارة إلى المحاولات الأكثر واقعية والتي تهتم برسم صورة تفصيلية للمستقبل مع عدم إغفال التشابكات المختلفة وردود الأفعال داخل النسق الكلى الذى يخضع للدراسة المستقبلية.(7)
وبالنسبة لمفهوم الإسقاط Projection فهو يستخدم للإشارة إلى الدراسات التي تركز على المدى الزمني القصير لاستخلاص الاتجاهات العامة والعلاقات الكمية المستقاة من متابعة ماضي الظاهرة المدروسة.
أما استشراف المستقبل فهو يعنى أنه اجتهاد علمي منظم يرمى إلى صوغ مجموعة من (التنبؤات المشروطة) التي تشمل المعالم الرئيسية لمجتمع ما أو مجموعة من المجتمعات وعبر فترة زمنية لا تزيد عن عشرين عاما. واستشراف أبعاد المستقبل أمر لا علاقة له بالرجم أو التكهن فهو يعتمد على أساليب الاستشراف العلمي التي تقوم على فهم للماضي والحاضر والعوامل المختلفة التي أدت إليها. ولذلك فإن الاستشراف العلمي لأبعاد المستقبل يتوقف على كم ونوع المعرفة العلمية المتوافرة عن الواقع.
وفى ضوء المعلومات المتاحة يمكن استكشاف نوعية وحجم التغيرات الأساسية المحتمل أو الواجب حدوثها فى مجتمع ما كي يتشكل مستقبله بصورة معينة(Cool ومن المصطلحات الشائعة اصطلاح Futurology الذى انتشر فى الدول الغربية وفى معظم الكتابات المستقبلية فى العالم الثالث. وقد ارتبط تاريخيا بالتبشير بمستقبل التكنولوجيا وتأثيرها الحاسم فى تحديد صورة المستقبل بالنسبة للعالم ككل. وهو يعنى التبشير الجزئي ببعض الجوانب المستقبل. أما اصطلاح Prognosis, فقد ذاع استخدامه فى الدول الاشتراكية التي تعتمد على التخطيط المركزي المقصود به توفير خلفية عريضة للمعلومات المستقبلية اللازمة للتخطيط الطويل المدى(9).
إشكالية المنهج فى الدراسات المستقبلية
من الملاحظ أن الاهتمام الواسع الذى حظيت به الدارسات المستقبلية فى السنوات الأخيرة لم يواكبه اهتمام مماثل على المستوى المنهجي والنظري, إذ لم يحصل هذا الجانب إلا على قدر ضئيل من اهتمام الباحثين والعلماء قياسا إلى الجهد والاهتمام الذى حظيت به الدراسات المستقبلية ذاتها. وقد يرجع ذلك إلى أن الدراسات المستقبلية لم تزل بعد مسعى علميا حديث العهد, فلم تستكمل بعد أطرها النظرية والمنهجية, كذلك لم تزل منهجيتها وأدواتها البحثية موضع جدل وخلاف بين شتى المدارس والتيارات العلمية وخصوصا فى إطار العلوم الاجتماعية. غير أن غياب أو ندرة هذا النوع من الدراسات لمناهج استشراف المستقبل لا يعنى استحالة رصد أبرز السمات التي تميزت بها المعالجات المنهجية للقضايا المستقبلية سواء تلك التي اتسمت بالطابع الجزئي أو التي اتخذت سمة النماذج الكلية, والواقع أن اختلاف المعالجات المنهجية للبحوث المستقبلية قد حكمته مجموعة من المحددات والعوامل نوجزها على النحو التالي:
1- مجال الدراسة المستقبلية.
2- التراكم المعرفي فى مجال التخصص أو الفروع الذى أخضع للدراسة.
3- البعد الزمني للدراسة.
4- الإطار النظري للدراسة.
5- الانتماء القومي والأيديولوجي للباحث.
أولا : مجال الدراسة المستقبلية.
تبرز الشروط التي تتوافر فى الدراسات المستقبلية على النحو التالي:
-  مضمون محدد.
-  منهج واضح المعالم.
-  قوانين وأحكام كلية قادرة على تفسير جزئيات الظاهرة المدروسة.
وفيما يتعلق بالمضمون أو ما يمكن أن نطلق عليه مجالات الدراسة, فمن الملاحظ أن الدراسات المستقبلية تركز على دراسة الواقع الراهن وكيفية نشوئه وتطوره التاريخي, وتركز بصفة خاصة على دراسة البني والأنساق الفرعية والعلاقات والعمليات التي يتم خلالها التغير والتطور فى إطار النسق الكلى للمجتمع. وإذا كان تاريخ الدراسات المستقبلية يدلنا على أن الظواهر الطبيعية كانت تمثل المجال الشائع والميسور لهذه الدراسات بحكم ما تتسم به هذه الظواهر من ثبات نسبى فى اطراد علاقاتها الداخلية, ووضوح القوانين العامة التي تتحكم فى حركتها وصيرورتها. غير أن الظواهر الإنسانية والاجتماعية قد شغلت ولم تزل تشغل الجانب الأهم فى الدراسات المستقبلية. وهنا تبرز قضايا السكان والموارد البشرية والموارد الاقتصادية وقضايا الإنتاج والتنمية وتطوير المجتمع والتقدم التكنولوجي كاهتمامات أساسية على خريطة الدراسات المستقبلية.
وفى داخل هذا الإطار ينصب الاهتمام بصورة أكثر بروزا على الجوانب الاقتصادية ثم التكنولوجية بينما لا تحظى الجوانب الثقافية والاجتماعية مثل الصحة والتعليم والقانون والإعلام والفن والقيم إلا باهتمام ثانوي. ونظرا لما تتسم به الظواهر الاجتماعية من تعقد وتشابك مما يستلزم لدراستها استخدام مناهج وأدوات بحثية تتميز بالتداخل والترتيب فضلا عن ضرورة توافر قاعدة عريضة من المعلومات المتطورة. لذلك يمكن القول بأن مجالات الدراسة فى كل من علم النفس والاجتماع والسياسة والإعلام وسائر الميادين الثقافية والأيديولوجية لم تنل بعد ما تستحقه من جهود الباحثين المستقبليين, وإن كانت النظرة الكلية التي يتبناها الكثير من هؤلاء الباحثين قد ألزمتهم بضرورة التناول الشامل للقضايا الجزئية التي يتم إخضاعها للدراسة المستقبلية. هذا وترتبط القدرة على صور بدائل المستقبل بمدى فهم هؤلاء البحثين للنسق الاجتماعي - الاقتصادي الحضاري بمكوناته الرئيسية من بنى وأنساق فرعية وعلاقات, ومعرفة الكيفية التي تتفاعل بها الأحداث فى إطار النسق الكلى(10), هذا, وقد لوحظ أن معظم الدراسات المستقبلية تنحصر فى محاولة فهم واستكشاف الظروف المحيطة بالإنسان بهدف السيطرة عليها وتوجيهها لصالحه, ولا تعنى كثيرا بدراسة طبائعه وسلوكياته أو أفكاره وقيمه.
ثانيا: التراكم المعرفي فى مجال التخصص:
إذا كان الحاضر قد انبثق من الماضي فإن المستقبل يتحدد بصورة أو بأخرى بالواقع الراهن وينبعث منه. كذلك تتحدد الاختيارات المتاحة للإنسان طبقا للظروف الموضوعية التي تحيط به, والتي يتكون منها المجتمع ورصيد المعرفة العلمية المتوافرة عن القوانين التي تتحكم فى الظواهر الإنسانية والاجتماعية تاريخيا وآنيا, والكيفية التي تعمل بها وإمكان توظيفها لخدمة الإنسان. ولا شك أن كافة هذه العوامل عرضة للتغير والتطور سواء تم ذلك بصورة تدريجية أو اتخذ شكلا  جذريا أو ثوريا. ومن هنا فإن الدراسات المستقبلية التي تتم على أساس مستوى المعارف المتاحة لابد أن تكون هى نفسها عرضة دائمة للتغير فى ضوء ما يتراكم لدينا من معرفة بالواقع.
وعلى ذلك فإن هذه الدراسات لابد من أن تصبح عملية مستمرة تستفيد من هذا التراكم المعرفي كي تطرح رؤى مستقبلية جديدة فى ضوء ما يستجد من أحداث واتجاهات. وبقدر أهمية توافر هذا الشرط بالنسبة للدراسات المستقبلية ونعنى به شرط التراكم المعرفي فى مجال الظاهرة أو الظواهر التي يتم إخضاعها للدراسة, فإن هذا التراكم يجب أن يشمل الاتجاهين الرأسي والأفقي, والمقصود به اتجاه التعمق فى بحث الظواهر نفسها واتجاه التوسع والامتداد إلى بحث ظواهر جديدة. ويتفاوت التراكم المعرفي من ظواهر إلى أخرى. ذلك أن العلم قد بدأ بنطاق محدود من الظواهر هى وحدها التي كان يعتقد أنها خاضعة لقواعد البحث العلمي على حين أن ميادين كثيرة كانت تعد أعقد أو أقدس من أن يتناولها العلم مثال علم الاجتماع وعلم النفس وعلوم الإعلام(11).
وقد ترتب على ذلك وجود قدر ملحوظ من التباين فى التراكم المعرفي المتوافر لدى كل فرع من هذه الفروع قياسا إلى سائر فروع المعرفة العلمية مثل الاقتصاد والعلوم العسكرية والتكنولوجيا.. الخ. ولا شك أن لهذا التباين فى نوع وكم التراكم المعرفي فى المجالات السالفة الذكر آثاره الحاسمة فى تحديد اتجاه الدراسات المستقبلية وحدودها وآفاقها علاوة على مناهجها وأساليبها البحثية.
ثالثا: البعد الزمني للدراسة المستقبلية:
لعل أبرز ما يميز الدراسات المستقبلية وعى المشتغلين بها وعيا تاما بأهمية البعد الزمني للظواهر التي يتصدون لدراستها, فهم يدركون أنها لم تتشكل دفعة واحدة بل مرت بمراحل عديدة من النشأة فالتطور ثم النضج والاكتمال, وأنها بهما كانت الصورة الآنية التي تبدو بها هذه الظواهر فلابد أنها تنتمي إلى جذور ماضية. وإذا كان تحديد العمر الزمني للظاهرة المدروسة يعد من الشروط الجوهرية لأي دراسة علمية تتناول تاريخ الظاهرة أو أوضاعها الحالية, فإن هذا الشرط بالنسبة للدراسات المستقبلية يعد شرطا مشددا حيث ينظر إلى عنصر الزمن كبعد قائم بذاته. فالدراسات المستقبلية سواء كانت استكشافية أو معيارية أو مختلطة تحرص على تحديد مدى زمني لتنبؤاتها.(12)
ومن أبرز السمات المنهجية التي تتميز بها الدراسات المستقبلية تعدد الآماد الزمنية موضع الرصد واختلاف المعالجات الخاصة بما يسمى المستقبل القريب عن تلك المعالجات الخاصة بما يفيد مستقبلا متوسطا أو بعيدا. ويختلف المدى الزمني لمراحل المستقبل طبقا لاختلاف الظواهر وتباينها سواء كانت ظواهر طبيعية أو إنسانية أو اجتماعية. فما قد يعتبر مستقبلا منظورا بالنسبة لحالة المناخ أو الصحة لا يعتبر كذلك بالنسبة للتعليم أو القيم أو الفن. ويؤثر المدى الزمني للتنبؤ بمستقبل الظاهرة المدروسة على الإطار المنهجي والإجرائي للدراسة المستقبلية.
وتتفاوت تصنيفات المدى الزمني للدراسات المستقبلية من مدرسة إلى أخرى, وإن كان هناك شبه اتفاق بين أغلب الباحثين فى هذا الميدان على عدم الاكتراث بما سوف يجرى فى المستقبل غير المنظور أي الذى يمتد أبعد من خمسين عاما أو أكثر.
ويعد (تصنيف مينسوتا) الذى قام بوضعه مجموعة العلماء المنتمين لجمعية المستقبليات الدولية بولاية مينسوتا الأمريكية من أشهر التصنيفات التي تهتدي بها مختلف المدارس فى الدراسات المستقبلية سواء هؤلاء الذين ينحون منحى استطلاعيا أو أولئك الذين يلتزمون بالنمط الاستهدافي أو المعياري أو الذين يمزجون بين النمطين.(13)
وتتحد ملامح تصنيف مينسوتا فى ضوء تقسيم المستقبل إلى خمس فترات يمكن تفصيلها على النحو التالي:(14)
1- المستقبل المباشر ويمتد من عام إلى عامين منذ اللحظة الراهنة.
2- المستقبل القريب ويمتد من عام إلى خمسة أعوام.
3- المستقبل المتوسط ويمتد من خمسة أعوام إلى عشرين عام.
4- المستقبل البعيد ويمتد من عشرين عاما من الآن إلى خمسين عام.
5- المستقبل غير المنظور ويمتد من الآن إلى ما بعد خمسين عاما أو أكثر.
رابعا : الإطار النظري للدراسة:
يحتم العرف البحثي ضرورة التزام الباحث بتوضيح الإطار المنهجي والإجرائي سواء من ناحية المناهج المستخدمة أو أساليب جمع البيانات وتحليلها وسائر الخطوات التي اتبعها الباحث من أجل التوصل إلى تحديد الصورة المستقبلية للظاهرة المدروسة. وهذا يستلزم فى نظر الكثير من علماء المناهج أن يبدأ الباحث بتحديد الإطار النظري للدراسة المستقبلية موضحا شتى المتغيرات التي سيقوم بالتركيز عليها, فقد يكون التركيز على الأبعاد الديناميكية للظاهرة التي يفيد فيها التحليل الكيفي يتطلب ذلك تبنى المداخل النقدية الجدلية, وقد يكون التركيز على الأبعاد الكمية القابلة للعزل والتجزئة إذا كانت الدراسة تتم فى ضوء البنائية الوظيفية التي تهتم بالثبات والتوازن.(15)
كذلك على الباحث أن يضع فى اعتباره المتغيرات العشوائية أو ما يسمى العوامل غير المنظورة آنيا, هذا بجانب اهتمامه بالمتغيرات المحددة. وكلما اتضحت ملامح الإطار النظري للدراسة المستقبلية ساعد ذلك على استيعاب قدرا أكبر من المتغيرات ذات الطبيعة الاحتمالية أو غير المنظورة آنيا, كذلك لابد أن يتضمن الإطار النظري للدراسة المستقبلية تمييزا واضحا بين المتغيرات العضوية التي تتشكل منها بنية الظاهرة ذاتها, والتي تتعرض لشتى أشكال التفاعل بحكم خضوعها لقانون الصيرورة والتغير, وبين المتغيرات الأخرى المصنوعة بفعل إرادة خارجية أي خارج الظاهرة, أي بفعل خطط مرسومة أو سياسات منهجية.(16)
خامسا: الانتماء القومي والأيديولوجي للباحث:
بقدر تعدد وتنوع الفروع العلمية التي تعتبر أرضا مشتركة للدراسات المستقبلية, فإن هناك تنوعا مماثلا فى اتجاهات الباحثين المستقبليين وانتماءاتهم القومية والأيديولوجية, مما يلقى بظلاله وانعكاساته على الدراسات المستقبلية بصورة مباشرة.
ولا شك أن الانتماء الأيديولوجي للباحث فى إطار التخصص الواحد أو انتماؤه إلى دولة متقدمة صناعيا أو دولة نامية يلعب دورا لا يمكن إغفاله فى تحديد مدخله فى الدراسة المستقبلية التي يقوم بإجرائها - وسوف نلاحظ أن الاختلافات الأيديولوجية والانتماءات القومية لكل من الباحثين الفرنسيين والأمريكيين والسوفيت قد أسهمت فى تشكيل الملامح العامة والفروق الجذرية بين كل من المدرسة الفرنسية والأمريكية والسوفيتية فى مجال الدراسات المستقبلية. وقد برز هذا الاختلاف فى كافة الجوانب بدءا بالأولويات ومجالات الدراسة والمناهج والأساليب البحثية وأنماط البحوث المستقبلية التي تميزت بها كل مدرسة على حدة. فإذا كانت المدرسة الفرنسية قد اهتمت بالتركيز على القضايا الفكرية والأيديولوجية وسائر المسائل ذات الطابع النظري, فإن المدرسة الأمريكية قد ركزت على المسائل العسكرية وقضايا التكنولوجية والاقتصاد, بينما اهتمت المدرسة السوفيتية بأمور التخطيط على المدى الطويل والمتوسط فى مختلف القضايا المجتمعية (الاقتصاد - التعليم - الصحة - الدفاع - الثقافة... الخ), ومن ثم فقد تبنت النمط المعياري أو الاستهدافي فى الدراسات المستقبلية.
ويلاحظ أنه رغم ما يردده جمهرة العلماء والباحثين فى شتى فروع المعرفة العلمية من أن العلم لا وطن له, إلا أن الانتماء القومي والتوجه الأيديولوجي لهؤلاء الباحثين يفرض نفسه منذ اللحظة الأولى على كافة الدراسات والبحوث التي تجرى فى شتى المجالات المعرفية وخصوصا ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية, ويبرز هذا الطابع (القومي والأيديولوجي) على وجه الخصوص فى مجال الدراسات المستقبلية حيث يؤثر على مجمل الخطوات المنهجية والإجرائية للدراسة فضلا  عن تأثيره فى تحديد الأولويات البحثية طبقا  للأهداف المنشودة أو المتوقعة من الدراسة المستقبلية ذاتها.(17)


أنماط الدراسات المستقبلية:
تسهم العوامل السابقة (مجال الدراسة المستقبلية والتراكم المعرفي فى مجال التخصص والإطار النظري للدراسة والفترة الزمنية التي يشملها التنبؤ والانتماء القومي الأيديولوجي الباحث) فى تحديد نمط الدراسة المستقبلية التي يقوم الباحث بإجرائها. ويمكننا أن نميز بين أربعة أنماط رئيسية فى الدراسات المستقبلية نوجزها على النحو التالي:
النمط الأول: هو النمط الحدسي  Intuitive
ويستند هذا النمط إلى الخبرة الذاتية فى الأساس. ويرى البعض أن هذا النمط من الدراسات المستقبلية ينتمي إلى العمل الفنى أكثر منه إلى العمل العلمي, حيث يفتقر إلى القاعدة الموضوعية من البيانات والملاحظات التي يمكن بالاعتماد عليها تقويم التنبؤات التي يتوصل إليها الباحث تقويما علميا. ولذلك توصف هذه الدراسات بالذاتية, فهي عادة تنبثق عن رؤية حدسية تعكس ذاتية الفرد وخبراته الخاصة. ويقوم هذا النمط على محاولة التعرف إلى التفاعلات والتشابكات التي تؤدى إلى صورة معينة يتوقعها سلفا الباحث دون أن يدعى إثباتها. وهنا تبرز أهمية العوامل الذاتية, فالحدس ليس إلهاما ولكنه تقدير يراه بعض الناس الذين يشغلون بهموم مجتمعهم, ويسلمون علميا ببعض الأفكار والنظريات التي يمكن أن تلخص أو تعبر عن مصالح محددة(18).
النمط الثاني: هو النمط الاستطلاعي Exploratory
ويهدف هذا النمط إلى استكشاف صورة المستقبل المحتمل أو الممكن تحقيقه عن طريق نموذج صريح للعلاقات والتشابكات. ويبدو هذا النمط أكثر موضوعية من النمط السابق, وإن كان العنصر الذاتي لا يختفي منه تماما. إذ أن النمط الاستطلاعي يستخدم لاستكشاف الآثار المستقبلية المحتملة والقائمة على افتراضات معينة, مما يعنى أن هذا النمط لا يصلح لاختبار كافة الافتراضات الخاصة بدراسة مستقبل ظاهرة ما, بل تقتصر صلاحيته العلمية على استكشاف المسار المستقبلي للظاهرة المدروسة فى ضوء الافتراضات التي وضعها الباحث والتي لا تخلو من التأثر بمواقفه الذاتية واختباراته الأيديولوجية علاوة على انتمائه القومي. فنحن هنا إزاء عملية اختبار وتفضيل لا تخلو من الاعتبارات القيمية المسبقة.
وإذا كان النمط الحدسي يعتمد على حصيلة الخبرات الشخصية والذاتية للباحث, فإن النمط الاستطلاعي من الدراسات المستقبلية يعتمد على قاعدة موضوعية من البيانات والمعلومات ذات الطابع الكيفي والكمي مما يستلزم الاستعانة بأساليب بحثية متقدمة تتمثل فى أساليب التحليل الرياضية والإحصائية وأسلوب تحليل النظم وبحوث العمليات. وقد شاع أخيرا استخدام الأسلوب المورفولوجى(19) رغم حداثة اكتشافه فى مجال البحوث المستقبلية. ويحتل هذا الأسلوب أهمية خاصة فى إطار النمط الاستطلاعي للدراسات المستقبلية. ويركز هذا الأسلوب على ضرورة التعرف على كافة التأثيرات التي تحيط بالظاهرة المدروسة من خلال كشف تسلسلها سعيا لاستطلاع آفاقها المستقبلية المحتملة. ويتم استخدام هذا الأسلوب من خلال مجموعة خطوات تبدأ بتحديد المشكلة مع التركيز على أبرز معالمها أو ملامحها ثم محاولة النفاذ إلى التفاصيل الخاصة بكل معلم أو ملمح من ملامحها وتحديد الأفق المستقبلي المحتمل له ثم تقويم هذه الاحتمالات.
النمط الثالث: هو النمط الاستهدافي أو المعياري NOROMOTIVE
يبدو العنصر الذاتي سافرا فى هذا النمط على عكس النمط السابق (الاستطلاعي) بل يمكن اعتبار هذا النمط تطويرا للنمط الحدسي المستند من الخبرة والتخيل والبصيرة. وينطلق النمط المعياري من العباءة الذاتية للباحث ولكنه يتجاوزها مستفيدا بشتى الإضافات المنهجية التي استحدثتها العلوم التطبيقية والرياضية مع عدم إغفال أهمية الخبرات والاستبصارات. ويبدأ هذا النمط بتحديد أهداف معينة سلفا ثم يصوغ النموذج على نحو يسمح بتحديد الخطوات أو السياسات الكفيلة بتحقيق أهداف الدراسة المستقبلية(20), ويتميز هذا النمط بالتدخل الواعي من أجل تغيير المسارات المستقبلية للظواهر المدروسة فى ضوء أهداف محددة سلفا.
وقد استلزمت الطبيعة النوعية الخاصة لهذا النمط استحداث أساليب بحثية جديدة تمثلت فيما يسمى بالاستثارة الذهنية الجامعية وأسلوب دلفى ويعتمد كل من هذين الأسلوبين على رصد تصورات مجموعات من الخبرات والمتخصصين عن المستقبل المتوقع فى مجالات تخصصهم, وهنا يبرز الإسهام الذى قدمه العالم الرياضي الأمريكي أولاف هلمر عام 1959 حيث نشر دراسة هامة عن (الإطار المعرفي للعلوم غير الأساسية), أوضح فيها إمكانية الاستعانة بشهادة الخبراء فى المجالات العلمية التي لا يتوافر لديها رصيد معرفي يسمح باستخلاص القوانين العلمية, وقد اعتمد فى استقاء شهادة هؤلاء الخبراء على أسلوب دلفى الذى يقضى بالحصول على رأى كل خبير على انفراد, وبدون علم زملائه. وقد أجريت عدة تعديلات على هذا الأسلوب بهدف الاستفادة من الاستخدامات الحديثة للكمبيوتر.(21)
وخلافا للنمط الاستطلاعي نبدأ الخطوات المنهجية فى البحوث المعيارية من رسم صورة المستقبل المستهدف تحقيقه ثم ننتقل إلى الحاضر. ومن هنا جاء الاختلاف فى الأساليب البحثية المتعبة فى كل نمط. غير أن ذلك لا يمنع من اشتراكهما فى بعض الأساليب.
ومن أبرز الأساليب المستخدمة فى النمط المعياري الأسلوب المعروف باسم شجرة العائلة(22) Family Tree Method, ويقوم على أساس تحديد الهدف المرغوب فى تحقيقه مستقبليا بالنسبة للظاهرة المدروسة, وهذا يمثل قمة الشجرة, ثم ننتقل من هذا الهدف إلى الحاضر الذى يتمثل فى سائر فروع الشجرة, ونبحث فى البدائل المختلفة لكل فرع من هذه الفروع حتى نتوصل إلى رسم صورة كاملة للبدائل المستقبلية المرغوب فى تحقيقها. والواقع أن هذا الأسلوب رغم ما يتسم به من وضوح إلا أنه يستلزم بذل جهد مكثف يتميز بالدقة والشمول, حتى يمكن استيعاب كافة الاحتمالات التي يطرحها الواقع الراهن للظاهرة وترتيبها وفقا  لأهميتها, ثم تحديد السياسات اللازمة لتحقيق كل هدف من الأهداف الفرعية, ثم ربط مجمل هذه السياسات فى صورة متكاملة تتضمن كافة العناصر والمؤشرات.
النمط الرابع: نموذج الأنساق الكلية Feedback Models
ويركز هذا النمط على مجمل المتغيرات والتشابكات فى إطار موحد يجمع بين النمطين السابقين فى شكل تغذية مرتدة تعتمد على التفاعل المتبادل بينهما, حيث لا تهمل ماضي الظاهرة المدروسة ولا تتجاهل الأسباب الموضوعية التي وسوف تفرض نفسها لتغيير المسارات المستقبلية لها. كما يستفيد هذا النمط من مزايا النمطين السابقين, أي يجمع بين البحوث الاستطلاعية التي تستند إلى البيانات والحقائق الموضوعية, وبين البحوث المعيارية التي تولى أهمية خاصة للقدرات الابداعية والتخيل والاستبصار. ويمثل هذا النمط خطوة متقدمة فى المسار المنهجي للبحوث المستقبلية المعاصرة.(23)
وفى مجال المقارنة بين الأنماط المختلفة للدراسات المستقبلية لا يمكن ترجيح كفة أحدها على الآخر, بل يمكن القول إن جهود العلماء المستقبليين قد انصبت فى الأساس على محاولة الجمع بين مزايا الأنماط الثلاثة الأولى والاستفادة بها فى بناء النمط الرابع المعروف بنموذج الأنساق الكلية. وإن كان هناك تحذير يطلقه هؤلاء العلماء هو عدم إحلال النموذج الرياضي محل التحليل النظري الذى يركز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحضارية, ومراعاة ألا يكون النموذج ستارا يخفى اختيارات محددة لا يفصح عنها صراحة.(24)
ويمكن القول بأن بناء النماذج فى مجال بحث التشابكات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم يزل مسمى علميا حديث النشأة, ويحتاج إلى المزيد من الجهد البحثي والتأمل.
المــراجـع
(1) انظر: ماجد فخري: تطور فكرة المستقبل فى العصور القديمة والحديثة - مجلة الفكر العربي- العدد العاشر - أبريل 1979- بيروت ص10-12-21.
(2) انظر: إبراهيم سعد الدين وآخرون: صور المستقبل العربي - مركز دراسات الوحدة العربية وجامعة الأمم المتحدة - بيروت - 1982, ص12, 13.
(3) انظر: فؤاد زكريا: التفكير العلمي - سلسلة عالم المعرفة رقم 3 الكويت - مارس 1973 - ص193 - 200.
(4) انظر: عبد العظيم أنيس: مستقبل البشرية والنماذج العالمية - مجلة الهلال عدد يناير 1985- القاهرة - ص32-35.
(5) محمود زايد: علم المستقبل فى وقتنا الحاضر -مجلة الفكر العربي -العدد العاشر- أبريل 1979 - بيروت. ص26-28.
(6) انظر: إبراهيم سعد الدين وآخرون: صورة المستقبل العربي- مصدر سابق - ص22.
(7) انظر: المصدر السابق - ص23.
(Cool انظر: نادر الفرجاني: حول استشراف المستقبل العربي- رؤية نقدية للجهود المحلية والخارجية. المستقبل العربي- بيروت - مايو 1980 - ص68.
(9) انظر: صور المستقبل العربي- مصدر سابق. ص24.
(10) انظر: إبراهيم سعد الدين وآخرون: صور المستقبل العربي - مصدر سابق  ص178, ناهد صالح: المنهج فى البحوث المستقبلية - مجلة عالم الفكر - ارس 1984 - الكويت - ص203.
(11) انظر: فؤاد زكريا: التفكير العلمي - مصدر سابق - ص17-26.
(12) انظر: ناهد صالح المنهج فى البحوث المستقبلية - مصدر سابق- ص208.
(13) انظر:
[ltr]E. Cornish: The Study of Future. Washington D.C. 1977, pp. 88-90.[/ltr]
-  قسطنسين زريق: نحن والمستقبل - مصدر سابق - ص40-43.
(14) انظر التفاصيل:
[ltr]Earie Joseph: The trends of future, Minnesota. Feb. 1976, pp. 25-30.[/ltr]
(15) انظر: محمد عارف عثمان: المنهج فى علم الاجتماع ج-1 - دار الثقافة - القاهرة 1972.
(16) انظر: هانى خلاف: المستقبلية والمجتمع المصري - مصدر سابق - ص22-33 .
(17) انظر: فؤاد زكريا: التفكير العلمي- مصدر سابق - ص327-330.
(18) انظر كل من: إبراهيم سعد الدين وآخرون: صور المستقبل العربي - مصدر سابق - ص24, 180, ناهد صالح: المنهج فى البحوث المستقبلية - مصدر سابق - ص201-202.
(19) لمزيد من التفاصيل انظر: ناهد صالح - مصدر سابق - ص205-206.
(20) انظر: صور المستقبل العربي - مصدر سابق - ص181.
(21) انظر:E. Cornish: Op. cit, pp.84-87.
[ltr](22) F. L. Polank: Prognostics, A science In making surveys and creates Future. Elsvier Publishers, Amsterdam: 1971, pp. 390-393.[/ltr]
(23) انظر:   F. L. Polank: Ibid. pp. 262-267.
(24) انظر: صور المستقبل العربي - مصدر سابق - ص181 .
 
 
 
 
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5161
نقاط : 100011897
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج   الإثنين يونيو 17, 2013 12:44 am

فهي اليوم تعد بمثابة اللغة العالمية التي يفترض في جميع القيادات وعلى كل المستويات وفي كل المجالات والقطاعات أن يتقنوها ويتخاطبوا بها داخل منظماتهم ومجتمعاتهم ويتحاوروا عبرها مع أصدقائهم وخصومهم ممن تكتلوا وتجمعوا في هيئات واتحادات وتكتلات قارية وشبكات عنكبوتية لتحقيق ما تصبوا له دولهم من أهداف وغايات.وبدون الاستراتيجيات يتعذر على قيادات الدول والمنظمات أن تخرج من صناديقها المقفلة ومن أساليبها التقليدية التي ورثتها في إدارة شئونها.
والاستراتيجيات مهما قيل بشأنها من تعريفات، وتعددت إزاءها الرؤى والتحليلات تظل بمثابة الوسيلة والأداة التي يمكن تكييفها وتوظيفها تبعًا للظروف والمتغيرات ووفقًا للطموحات والإمكانات. لكن الذي يميزها عن غيرها من الوسائل والأدوات، قوة الدفع التي تغرسها في النفوس والثقة العالية التي تطبع بها العلاقات، والروح التضامنية التي تولدها لدى الجماعات والإدارة الصلبة التي تُمكّن بها القيادات.
فهي تبدأ برؤية (Vision) مستقبلية تعبر عما تحلم أن تكون عليه هذه المنظمة أو هذه الوزارة أو هذه الدولة وفقًا للجهة التي تعتمدها أو للمستوى الذي يراد للاستراتيجيات أن تشمله وتُفعّله. والرؤية هذه ينبغي أن تكون طموحة وكبيرة ليصبح بالإمكان تحقيقها بعد عقد على الأقل من الزمن، إن لم يكن عقدين أو ثلاثة. ولتحديد معالمها وأبعادها ينبغي مشاركة كل من لديهم القدرة والمعرفة والهمة والإرادة والعشق لعملهم وللمهام التي أوكلت لمؤسستهم، لكي لا تُتاح لليائسين أو المحبطين الفرصة لثنيهم عن أحلامهم الكبيرة القابلة للتحقق.
والمكون الثاني للاستراتيجيات هي الرسالة (Mission) التي تعلن للعاملين وللمتعاملين وللأطراف المستفيدة وبعبارات جامعة ومانعة المبررات التي استدعت صياغة هذه الاستراتيجيات وملامح ومستويات التحول التي ستحدثها في أحوالهم وصناعة مستقبلهم.
ولكي لا تظل الرؤية والرسالة مجرد شعارات تتردد في الاجتماعات والخطابات، فإن الأنماط السلوكية التي يتطلبها التنفيذ ينبغي أن تحكمها القيم الأخلاقية والمؤسسية التي تسعى القيادات إلى غرسها عبر الثقافة التنظيمية القائمة على الحوار والشراكة والنزاهة والمساءلة.
وما أن تنتهي الفرق الاستراتيجية من مهامها السابقة، تبدأ عملية التحليل والتشخيص للأوضاع القائمة داخليًا لتحديد مصادر القوة ومواطن الضعف ثم تحلل البيئة الخارجية المحلية منها والدولية، للوقوف على الفرص المتاحة والتهديدات المحتملة. وهذه عملية فنية وعلمية تستلزم المعرفة والمعلومات والإحصاءات، إضافة إلى الموضوعية والحيادية في التعامل مع التوقعات والاحتمالات والبدائل المؤكدة أو المتفق عليها. وهناك العديد من أدوات التحليل وطرائق التشخيص التي يمكن الاستعانة بها لتقليص درجات الخطأ والمبالغة ومخاطر الاختلاف إزاء الظروف غير المؤكدة.
وفي ضوء ما تقدم تتم صياغة المشروعات والبرامج وبلورة المؤشرات والمعايير الملائمة لقياسها ثم تقويمها وفقًا لمراحل التنفيذ والتطبيق، لتساهم المتابعة والتغذية الراجعة وعملية التعلم التنظيمي في إثراء العمليات وتعديل المسارات وتعزيز ما تحقق من النجاحات. وهكذا تدور العجلة الاستراتيجية بديناميكية متواصلة ومترابطة مع غيرها من الاستراتيجيات القطاعية والمؤسسية التي تتفاعل معها أفقيًا وعموديًا.
وبذلك تصبح الاستراتيجيات وتطبيقاتها هي المنهج العلمي والعملي الذي تتسلح به القيادات لتجاوز العشوائية والارتجال والانفعال، وهي البوصلة التي تهتدي بها أوقات الأزمات وتعاظم التحديات، لكي توصل سفينتها إلى الشواطئ الآمنة وبأقل الخسائر والتضحيات.وهي حلقة الوصل التي يشارك في صياغتها المفكرون والمخططون الاستراتيجيون مع القيادات التنفيذية التي ستتكفل بترجمتها على أرض الواقع.
غير أن الاستراتيجيات وبالرغم من كل ما يقال عنها من مزايا وإيجابيات ليست كتلك العصا السحرية التي وهبها الله لنبيه موسى عليه السلام فحققت له المعجزات. فهي كغيرها من الأدوات والآليات التي اكتشفها الإنسان عبر اجتهاده وخبراته ومحاولاته لتحسين حاله وحل مشكلاته – ستظل صياغتها عرضة للخطأ وللصواب وللقوة وللضعف، ويظل تطبيقها خاضعًا لتوافر الإمكانات، ولملاءمة الظروف والمستجدات.
كما أن الاستراتيجيات ليست كما يتوهم البعض فينسبها إلى دولة بعينها أو مرحلة بذاتها، بل هي حصيلة لتراكم العطاء والاجتهاد البشري عبر القرون كما أثرتها الرسالات الإلهية عبر الأنبياء والمرسلين. ولنا في قرآننا الكريم خير شاهد يوم بُلغ نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) برسالته: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107). ثم بُشر بحصيلة هذه الرسالة برؤية أزلية تقول: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (سورة الأنبياء: 105).
أما السؤال الاستراتيجي الذي تُركت الإجابة عنه مفتوحة لخيارات البشر فهو: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (سورة الملك: 22).
والمتأمل في معاني الآيات الكريمة السابقة يكاد يجزم بأن أمتنا العربية لو سارت على النهج الذي رسمه الله لها لكانت في أحسن أحوالها ولأصبح أبناؤها استراتيجيين بحكم عقيدتهم وشريعتهم التي دعتهم للتفكر والتدبر والتحسب ثم العمل بإخلاص وإتقان لعمارة دنياهم وآخرتهم، وهذه ميزة استراتيجية تفتقر إليها بقية الأمم والمجتمعات .. ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahlm22
عضو فعال
عضو فعال
avatar

تاريخ الميلاد : 22/04/1994
العمر : 24
الدولة : algeria
عدد المساهمات : 168
نقاط : 314
تاريخ التسجيل : 06/11/2013
الموقع : قالمة
العمل/الترفيه : طالبة علوم سياسية /تعلم لغات جديدة

مُساهمةموضوع: رد: علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج   الإثنين أكتوبر 08, 2018 1:11 am

بارك الله فيكم دكتور سيفيدنا في مقياس الدراسات المستقبلية إن شاء الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5161
نقاط : 100011897
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج   الأحد أكتوبر 14, 2018 8:12 pm

كيف نستشرف المستقبل العربي؟

منار حسن فتح الباب

يمكن تشبيه الرؤيا الاستشرافية بالوقوف على ربوة عالية لاستطلاع آفاق المستقبل إنها نوع من الحدس التاريخي يحدد البوصلة التي نتجه على هديها.

من المهم فك الالتباس الذي يحيط باستشراف المستقبل، وبالدراسات المستقبلية، حيث تعني الدراسة المستقبلية القدرة على التحكم في المستقبل من خلال الاستعداد بمجموعة من المبادرات والخطط المتراتبة لمواجهة الاحتمالات االمختلفة، ومن ثم فالعمل المستقبلي يستهدف إحداث نقلة نوعية متمايزة بين الحاضر والمستقبل.

ويعنى استشراف المستقبل بالتعرف على آليات الحركة ومحدداتها وسبل الربط بين هذه الآليات وبعضها البعض الآخر، ويعني ذلك وضع سيناريوهات ومشاهد بديلة.

ولذا يعتبر بعض المستقبلين أن استشراف المستقبل عبارة عن تنبؤ مشروط.

كما أن مفهوم (الاستراتيجية) يتداخل مع مفهوم (الاستشراف) ويمكن الذهاب إلى أن الاستشراف يكون مضمون الدراسة المستقبلية ، في حين أن الاستراتيجية هي محور المشروع من مرحلة الاستشراف إلى مرحلة الإستراتيجية.

وبينما يسمي الفرنسيون الدراسة العلمية للمستقبل باسم استشراف Prospective فإن الإنجليز يسمونه "التنبؤ" Prognosis. .

ويفضل مستقبلي بارز مثل كورنيش Cornish استخدام مصطلح "الريادات المستقبلية " Futuristiscs بدلا من مصطلح "المستقبلية" حيث يعرف "الريادات F.Studie أو الدراسات المستقبلية،Futurism" بأنها "ميدان نشاط يعمل على تحديد التغييرات المستقبلية المحتملة" ،فالحياة الإنسان والعالم، وتحليلها وتقويمها يعني، ضمنا منهجا عقلانيا للمستقبل أكثر منه صوفيا، ولكنها تتقبل أيضا المناهج التجريبية والتصورية كمساهمات معرفية يمكن أن تكون مفيدة وصالحة، فالريادات المستقبلية هي مجموعة من النشاطات المميزة التي تنشأ عن النظرة المستقبلية.

لم يعد المستقبل رجما بالغيب، ففي العالم آلاف الباحثين المستقبليين Futurists يؤمنون بأننا نستطيع بذل الجهد لتحسين حياة البشر في عالمنا، وهذا الهدف يحققه الجهد الإنساني المبدع، حيث يعتمد في تحقيقه على قدرتنا على تفهم إمكانات المستقبل لنتجنب كوارثه، وأنه في الإمكان حضارة أرقى من أي حضارة سابقة.

ولعلنا في تتبعنا لتطورات الدراسات المستقبلية، نذكر جهود جول فيرن، و هـ. ج. ويلز، وويليام أوجبون ، وس. كولام جيلفان، ودانيال بل، وتيودر جوردن، والفين توفلر ، والروسي ج. ودوريردف، والفرنسي جاستون برجيه ، وجان نوارتيته وغيرهم.

كما نذكر من علمائنا العرب شيخنا المهدي المنجرة، وإسماعيل صبري عبدالله، وأنطوان زحلان، والسيد يسين، وعلي نصار، وسمير أمين، وسعد الدين إبراهيم، وإبراهيم سعد الدين، وإبراهيم العيسوي، وحامد عمار، وجميل مطر، وعلي خليفة الكواري، ومحمد عايد الجابري، وضياء الدين زاهر وغيرهم.

لقد انفجر فيضان من الكتب والدوريات في الستينيات عن أبحاث المستقبل داخل الولايات المتحدة، مرتبطة ينمو التخطيط الحربي العسكري ، وخطط الانتشار العسكري وتطوير برنامج الفضاء، أما في أوربا، فإن هدفها تغيير مؤسسات الدولة، وترسخت دراسات العلم والتكنولوجيا في المستقبل في السبعينيات وفيزياء السطح، والليزر والعلوم الحسابية التقديرية.

ومن أهم الدوريات المستقبلية "بروفيتوس" و" سياسات البحث المستقبلي " إلى جانب جهود العديد من معاهد ومراكز المستقبل وخاصة معهد المستقبل بمؤسسة راند الأمريكية وبرنامج اللجنة الأوربية للعلم والتكنولوجيا Fast.

جمعية مستقبل العالم

وعلى سبيل المثال، تعتبر "جمعية مستقبل العالم " W.F.S . من أشهر المؤسسات الدولية التي تضم عددا مرموقا من الأكاديميين ، وقد بدأ نشاطها على يد إدوارد كورنيش Cornish، وتضم عشرات الألوف في عضويتها ، وتصدر مجلة شهرية بعنوان "عالم المستقبل" وأخرى فصلية كما أصبحت مادة أو مقررا أو مشروع استشراف المستقبل Futurology مادة أساسية تدرس في مئات الكليات في العالم، وتعنى هذه الجهود جميعآ بفهـم البنى والأنساق التاريخية والتدفق المعلوماتي الهائل لتحليل درجات التنبؤ والقياس والمقارنة لمشاهد المستقبل، ويكفي أن نعرف أن الهند أنشأت معهدا للدراسات المستقبلية. ويمكننا أن نقرأ عناوين بعض المؤلفات المعنية بالمستقبل والتي صدرت منذ الستينيات ليتأكد لنا هذا الوعي بضرورة الاستعداد للمستقبل، ومحاولة توقعه، بل وتوجيهه: "العالم سنة 2000" لبروس نوسباوم، و"بناء المستقبل" للجنرال أندريه يوفر، و"المستقبلية" لإدوارد كورنيش وزملائه من أعضاء جمعية مستقبل العالم، وايردين، و "العالم 2000: العضلات العالمية ومستقبل البشرية" لأكاديمية العلوم السوفييتية، "خطوط الأفق" لجالا أتالي، ومؤلفات عالم اجتماع المستقبل الأمريكي الأشهر ألفين توفلر "صدمة المستقبل" و "الموجة الثالثة" و"تحول السلطة" "وخرائط المستقبل" وغيرها.

تعد الخبرة العربية في مجال استشراف المستقبل حديثة عهد، ويعود أحدثها إلى نهاية السبعينيات منذ "استراتيجية تطوير التربية العربية" للمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة 1977 ومشروع "استشراف مستقبل الوطن العربي" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1988، و" مشروع إيديكاس 2000" لجهاز تنظيم الأسرة والسكان في مصر بتمويل من صندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية و"إيديكاس" اختصار للاسم، الكامل للمشروع وهو "استشراف النتائج الاقتصادية والديموجرافية لاستراتيجيات بديلة للتنمية في مصر حتى عام 2000 " ومشروع "المستقبلات العربية البديلة" لمنتدى العالم الثالث وجامعة الأمم المتحدة ، ويعده البعض أول مشروع بحثي متكامل حول استشراف المستقبل العربي ، وهناك أخيرا المشروع الحالي " مصر 2020"، والذي يرأسه د. إسماعيل صبري عبدالله.

وينبغي الإثسارة إلى مشروع منتدى الفكر العربي بعمان حول "مستقبل التعليم في الوطن العربي" وهو مشروع ضخم صدرت منه عدة مجلدات، ومما يزيد من صعوبة الدراسات المستقبلية مسألة التغيير، فوتيرة التغير مع الثورة المعرفية التكنولوجية، وثورة الحاسوب والاتصال تجعل التغير الشيء الثابت الوحيد في حياتنا، وهو ما يجعلنا نتجاوز "صدمة المستقبل " وتغيراته اللاحقة بتعبير توفلر إلى إدراج الذهنية العربية، والجهود البحثية العربية في سياق منظومة التفكير المستقبلي وخاصة أن البعض يطرح مشككا السؤال عن قدرة بنية الفكر العربي المعاصر على استيعاب مثل هذه المفاهيم المستقبلية. وإن كان الجابري يرى أن الماضي يمارس تأثيره في اتجاه المستقبل عندما تكون العوامل الفاعلة الحاسمة داخلية محضة، أما عندما تكون هذه العوامل خارجية مرتبطة بالآخر العالمي، فإن العوالم الداخلية والماضوية تخمد وتفقد قوتها على التأثير الحاسم في مجرى الأمور، ومن هنا ، فلا بد من التأكيد على أن المستقبل الذي يتحدد انطلاقا من معطيات الفترة الراهنة يختلف كثيرا عن المستقبل الماضى الذي كانت تحدده معطيات ما كان يشكل الحاضر بالنسبة إليه، وهذا يعني أن المحددات التي كانت تدخل في تجديد المستقبل الماضي لن يكون لها أثر في المستقبل الآتي.

العرب ودراسات المستقبل

ومع وطأة العولمة، فإن ضرورة الدراسات المستقبلية في الحقل العربي تعد بمنزلة محاولة للتمرد على الاستسلام لحتمية زائفة تحملها العولمة، وتشي بالأمل في إمكان المشاركة العربية في صنع مستقبلنا أولا ، ومستقبل العالم بدرجة أقل، ومن المهم أن نقدم رؤية عربية بديلة تستند إلى ما نسميه "ثقافة المقاومة " في مقابل رؤى غربية أحادية في "نهاية التاريخ" وبول كيندي في "الاستعداد للقرن الحادي والعشرين وصمويل هينتنجتون في "صدام الحضارات" وحيث تم تهميش العالمثالثية، ومن بينها المنطقة العربية، في صناعة المستقبل الإنساني، وحتى لا يبدو الموقف وكأنه أمر إجباري لدخول قطار العولمة "وإلا فاتنا".

نعم إن "الحاضر حامل بالمستقبل" كما يقول ليبتنز، ولكن إن تسييد رؤية تشاؤمية مبعثها حرب القبائل العربية الراهنة، أو حروب "داحس والغبراء" المعاصرة والتي تتبدى في التمزق والوهن العربي الراهن، والخضوع للهيمنة الأمريكية، والاصطفاف في طابور النظام العالمي الأمريكي الجديد يجب ألا يقف مانعا من استشراف مستقبل عربي أفضل، وطرح الحال الوحدوي كمخرج وحيد من نفق التاريخ الذي نركز فيه منذ هزيمة 1967، وهو ما يعني في الأساس أهمية امتلاكنا لإرادة التغيير والتقدم للدخول في التاريخ مجددا، نعم، إن "الوقت لم يفت بعد" كما يقول مايور ثاراجوتا المدير الحالي لليونسكو في عنوان كتاب أخير له، إلا أنه أيضا "الانتظار لم يعد ممكنا" كما يقول في الكتاب نفسه، وإن الرهان على المستقبل لم يعد ترفا إلا لأولئك الذين يرضون بمصير ساكني الكهوف وقردة الأشجار، بل "إننا إلي المستقبل نمضي، والغد هو: بالنسبة لنا الشيء الحافل بالأحداث، ففيه سيكون كل ما يتبقى من مشاعر هنا وجميع أولادنا كل ما هو عزيز علينا" كما جاء في محاضرة هـ. ج. ويلز. بالمعهد الملكي في 42 يناير سنة 1902.

إن ركون الذهنية العربية إلي الماضي، وسمتها الماضوية تقف عقبة كئودا دون ازدهار الوعي المستقبلي والدراسات المستقبلية العربية، نعم، كما يقول ويلز أيضا "إن جهلنا بالمستقبل واقتناعنا بأن ذلك الجهل لا شفاء منه أبدا هما وحدهما اللذان يمنحان الماضي تفوقه وسيطرته على أفكارنا".

وقد صاغ جورن نسيبت Naisbitt في كتابه Megatrends أو الاتجاهات الكبرى سنة 1980 المعنى السابق بقوله "أحسن طريقة لتوقع المستقبل والمشاركة فيه تتمثل في فهم الحاضر". إنها جدلية الحاضر والمستقبل مجدداً.

ترحيل الحاضر

ومع ذلك، فإن ثمة تحذيرا من فردوس الدراسات المستقبلية فإن كان المستقبل لا مهرب منه إلا أنه من الخطورة ترحيل كل شيء إلى المستقبل ، وتحويل أجندة " قضايا الحاضر الملتبسة إلى المستقبل فالشعوب التي فقدت حاضرها لا يترقب منه أن تملك المستقبل بالضرورة وخاصة في ظل العجز عن السيطرة على الحاضر أو فهـمه كأضعف الإيمان فالفقر فوق أسلاك الحاضر الشائكة إلى أرضية المستقبل المحددة عملية محفوفة بالمخاطر، وغير مأمونة من المستقبل كارثة، والهروب إلى المستقبل كارثة أشد، فإذا كان الماضي جد المستقبل، فالحاضر هو أبوه الشرعي، ولا جدوى من الرهان على الحفيد إن كفرنا بالأب ويئسنا منه ويعبر محمد حسنين هيكل عن هذا الالتباس بعبارة بليغة: "نحن لا نتوقف لفرز الماضي، ولا نسعى لقراءة الحاضر، ومن ثم فالمستقبل مجهول، إننا لا نعرف في أي طريق نندفع إليه بسرعة مذهلة" ويحذر علي نصار وهو عربي بارز في الدراسات المستقبلية من التشاؤم تجاه المستقبل انعكاسا لصورة الحاضر العربي القائمة بقوله "نحتاج إلى تجاوز التشاؤم بين مفكري الوطن العربي، والذي يتحقق بالاقتراب من تجارب دراسة المستقبل بنماذج صريحة تستكشف البدائل والآفاق وتعبر عن حقيقة الطاقات العربية، وقد لاحظنا في تجربة تحضرية لدراسة "استشراف مستقبل الوطن العربي"، إنه رغم اتفاق عينة المفكرين العرب واجتماعهم حول أهمية دراسة المستقبل، فإنهم كانوا يستبقون العمل الاستشرافي ولا يتصورون إلا تصورات قائمة للمستقبل العربي.

نعم، باغتنا القرن الحادي والعشرون بتعقيداته الهائلة المعاكسة ، وسوف يمارس سلطاته الضاغطة تجاه استلابنا بوسائل وآليات سنعجز عن استيعابها والتفاعل معها إذا لم ننعطف إلى مسار مختلف عن المسار الحالى علميا واقتصاديا وفكرياً.

ومهمة دراسات المستقبل في وعينا العربي أن تبحث عن أسلم السكك والطرق لولوج المستقبل، وامتلاك أكثر الميزات قدرة على التنافس، وتوسيع وتنويع الخيارات، أما بشرنا كما يطرحه مفهوم "التنمية البشرية" وضمان استدامة التنمية العربية.

العولمة وحالة السيولة

من اللافت أن الدراسات المستقبلية تعرضت لانتكاسة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وانهيار الكتلة الاشتراكية وانتهـاء الحرب الباردة، وما ترتب عليها من أزمة في العلوم الاجتماعية نتيجة سقوط النظريات القديمة.

إن الشعور السائد في العالم بأن العالم في حالة سيولة وهلامية، وفقد اليقين، وخاصة بعد هزيمة الحتمية الماركسية، وبدا أن اليقين الديني يقدم الملاذ البديل.

وعلى المستوى العربي، فقد هزت كارثة الكويت الثقة فى صدقية الدراسات المستقبلية المتحققة وخاصة مع انسداد الطرق أمام العمل العربي في مجالات التنمية والسياسة والحريات وبات العجز العربي سمة للمشهد كله، وتوافق ذلك مع انهيار الكتلة العالمثالثية وهو ما نال مني درجة الثبات النسبي التي تعتمد عليها أي دراسة مستقبلية، وأصبحت حالة السيولة العالمية الإقليمية تعوق دقة الجهود المستقبلية العربية بل إن مشهد التفجير الديني والعرقي في العالم، وفي المنطقة بدأ يحتل الصورة كلها (البلقان- أفغانستان- الصومال- العراق- الهند / تركيا - وسط إفريقيا ...إلخ) وما تتعرض له الدولة القومية من تهديد على صعيد العلوم السياسية إلا أن العولمة بصيغتها الأمريكية تظل على صعيد العلوم السياسة من أهم تحديات الدراسات المستقبلية حيث يلاحظ جميل مطر أن الدول العربية ستشهد صراعا مكتوما أحيانا، وعلنيًّا أحيانا، أو تباين شريحتين في الجماعة البحثية: شريعة منحازة، بتنفيذ مشروع المستقبل حسب الوصفة الأمريكية ووصفة "الصبنكة" الصندوق والبنك الدولي- وكالة المعونة الأمريكية وشريحة منشغلة- برصد إخفاقات الشريحة السباقة، أو بقضايا ثانوية ماضوية في غالبها وسوف يقلل الحماس لحتمية العولمة وفضليتها من اهتمام وحماسة الباحثين في الدراسات المستقبلية" راجع تفصيل هذا المنحى في ندوة الدراسات المستقبلية العربية نحو استراتيجية "مشتركة " لمعهد البحوث والدراسات العربية.

على أن ثمة تحذيرا من غلبة كفاءة النمذجة المحررة على التنبؤ والتفسير، فإذا كان علم المستقبل يعد شكلا معقدا للضبط الاجتماعي تستخدمه النخب وصناع القرار من أجل السيطرة الإدارية، فإن إيليا حريق يتحفظ على أن نجاح التأثير الفائق للنماذج المحررة المستخدمة في دراسات المستقبل تخدم مصالح من هم في السلطة أي الذين يمتلكون القوة بالفعل ومن ثم فالذي نحتاج إليه في هذا الصدد هو علم اجتماعي يبدأ صعوده من القاع، ويمكن أن يكشف لنا أساليب الممارسة والكفاح كما يبدعها الناس في صراعاتهم اليومية ضد ظروف القهر، وأن يكشف لنا عن الطرق التي تجعل أساليب الكفاح هذه أكثر فعالية في تحويل الواقع الاجتماعي إلى واقع يشعر فيه الشخص العادي بأنه يستطيع التأثير في مسار الأحداث في المجتمع.

منار حسن فتح الباب مجلة العربي اغسطس 1999


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahlm22
عضو فعال
عضو فعال
avatar

تاريخ الميلاد : 22/04/1994
العمر : 24
الدولة : algeria
عدد المساهمات : 168
نقاط : 314
تاريخ التسجيل : 06/11/2013
الموقع : قالمة
العمل/الترفيه : طالبة علوم سياسية /تعلم لغات جديدة

مُساهمةموضوع: رد: علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج   الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 1:55 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** ماســـــتر (Master) ******* :: السنة الثانية ماستار ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات )-
انتقل الى:  
1