منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» العرف والقانون الوضعي
من طرف salim 1979 السبت نوفمبر 10, 2018 11:57 am

» التعريف بالبنك الدولي
من طرف salim 1979 الأحد نوفمبر 04, 2018 4:23 pm

» المستويات الاستراتيجية لدول العالم
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:49 pm

» الهوية : تأثير القيم والعقائد على التفاعلات الدولية
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 2:18 pm

» ما بعد الواقعية
من طرف salim 1979 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 8:44 am

» علم المستقبل: إشكاليات المفاهيم والمناهج
من طرف ahlm22 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 1:55 am

» الملف النووي الإيراني
من طرف ahlm22 الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 1:50 am

» النزاع وإدارة النزاع
من طرف salim 1979 الأحد أكتوبر 14, 2018 9:24 pm

» لمحبي المطالعة
من طرف salim 1979 الخميس أكتوبر 04, 2018 8:59 am

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 تشريح بدن الميت

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5158
نقاط : 100011886
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: تشريح بدن الميت   السبت أبريل 13, 2013 4:59 pm

هل يجوز تشريح بدن الميت للتعلم أو المعرفة؟

خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، وشرع من الأحكام ما يتحقق به حماية بدن هذا الإنسان وسلامته، ليؤدي ما خلق من أجله، وما كلفه الله تعالى به، إلا أن هذا البدن قد تعرض له العلل والأمراض، وقد يعتدى عليه، فتتغير حاله من السلامة والصحة، إلى الاعتلال والمرض أو ربما إلى الوفاة نتيجة لذلك، ولما كانت أكثر العلل يجدي في علاجها المركبات الدوائية المختلفة، فإن بعضها لا يجدي معه إلا التدخل الجراحي، لاستئصال سبب المرض، أو إضافة ما فيه صلاح البدن، أو تقويم عضو كان الخلل فيه سبباً في المرض·
وحتى تكون معالجة الجسم البشري منتجة لأثرها المشروع، ومحققة غايتها، كان لابد من معرفة تركيب بنيان هذا الجسم، وحقيقة أعضائه، وتفاعلها مع بعضها بعضاً، وعلاقة بعضها ببعض، ومدى تأثرها بالمرض، ومظاهر الأمراض المختلفة عليها، وذلك لايتحقق إلا بتشريح الجسم البشري، سواء لتعلم كيفية المعالجة، أو لممارسة هذه المعالجة، كما أن معرفة أسباب الوفاة أو المرض في القضايا الجنائية أو عند انتشار الوباء ، أو غير ذلك، لا يمكن التوصل إليها إلا بتشريح هذا الجسم، ولهذا كان هذا البحث الذي يتناول بعض المسائل المتعلقة بتشريح جسم الآدمي الميت·

الفرع الأول: معنى التشريح
أ ـ معنى التشريح في عرف أهل اللغة:
يطلق التشريح في عرف أهل اللغة على معان عدة، منها: الكشف والتفسير، يقال: شرح فلان الأمر، إذا كشفه وفسره، وشرح مسألة كذا، أي بينها، وشرح الشيء يشرحه شرحاً، وشرَّحه، إذا بيَّنه وكشفه، وقيل: شرحت الغامض: إذا فسرته، ومن معانيه: الفتح، بمعنى التوسيع، يقال: شرح الله صدره للإسلام فانشرح، أي وسعه لقبول الحق، ومنه قول الله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) الأنعام:125، ومن معانيه كذلك: القطع، ومنه تشريح اللحم، أي قطعه عن العظم، يقال: شرح اللحم شرحاً، إذا قطعه قطعاً طوالاً رقاقاً، وشرح الجثة، أي فصل بعضها عن بعض·
وهذا المعنى الأخير هو المراد في هذا البحث، وإن كانت المعاني الأخرى تتحقق فيه، فإن في تقطيع اللحم كشف وإبانة لأجزاء، لم تكن ظاهرة قبل التشريح، كما أنه يتحقق به توسيع ما كان ضيقاً، وبسط ما كان محدوداً قبل إجراء التشريح·
ب ـ معنى التشريح في اصطلاح العلماء
التشريح: عبارة عن تقطيع أعضاء الجسم المختلفة، وفصل أنسجته بعضها عن بعض، لمعرفة حقيقة بنيانه، ومواقع أعضائه، وعلاقتها ببعضها بعضاً·
وعلم التشريح: هو العلم الذي يبحث في بنيان الجسم، وعلاقة أعضائه وأجزائه ببعضها بعضاً، فإذا جرى فحص هذه الأعضاء أو الأجزاء، التي تم تشريحها تحت الميكروسكوب، سمى التشريح حينئذ >التشريح الميكروسكوبي<، أو علم الأنسجة >هستولوجيا<، وإذاكان التشريح للمقارنة بين بنيان الأجسام في أنواع حيوانية مختلفة، سمي >التشريح المقارن<، وهناك تشريح يتم بغير مبضع الجراح، وهو فحص بنيان الجسم بالوسائل الحديثة، كالأشعة السينية ونحوها، ويسمَّى ذلك >التشريح الحي<(1)·
الفرع الثاني: أغراض تشريح بدن الميت
إن الأغراض التي من أجلها يكون تشريح بدن الميت، يمكن حصرها في ثلاثة أغراض هي ما يلي:
أولاً: تشريح الجسم لمعرفة أعضائه، وصفاتها، وارتباطاتها Anatomy)):
وهذا النوع من التشريح يسمى >التشريح التعليمي<، حيث يقوم طالب الطب بتشريح جثث الموتى، تحت إشراف الطبيب المختص، للتعرف إلى تركيب الجسم البشري، وأعضائه، ومفاصل هذه الأعضاء، وللوقوف على أجهزة جسمه، ومكان كل منها، ووظيفته، وحجمه في حال الصحة أو المرض، وعلاقة هذا بما أصابه من مرض، وكيفية علاجه، ونحو ذلك ممايحتاج إليه عند مباشرة ذلك على المرضى من الأحياء·(2)
وفي أهمية التشريح بالنسبة لمن يمارس الطب، يقول أبوبكر الرازي: >أول ما يسأل عنه الطالب، التشريح ومنافع الأعضاء<، ويقول أيضاً: >يحتاج في استدراك علل الأعضاء الباطنة، إلى العلم بجوهرها أولاً، بأن تكون قد شوهدت بالتشريح<(3)·
ويقول أبوالقاسم الزهراوي: >وينبغي لصاحب الجراحة، أن يرتاض قبل ذلك في علم التشريح، حتى يقف على منافع الأعضاء، وهيئتها، ومزاجها، واتصالها، وانفصالها، ومعرفة العظام، والأعصاب، والعضلات، وعددها، ومخارجها، والعروق، والقوابض، ومواضع مخارجها··· لأنه من لم يكن عالماً بما ذكرنا من التشريح، لم يخل أن يقع في خطأ يقتل الناس به<(4)·
وكان من الشروط التي يضعها المحتسب، لمن يعطى رخصة مزاولة مهنة الطب، أن يكون على علم بالتشريح ووظائف الأعضاء، ولهذا فقد أوجب على الفصادين والحجامين، ألا يتصدى للفصد أو الحجامة إلا من اشتهرت معرفته بتشريح الأعضاء، والعروق، والعضل، والشرايين، وأحاط بمعرفة تركيبها وكيفيتها، حتى لا يقع المبضع في عرق غير مقصود، أو في عضلة أو شريان، فيؤدي إلى زمانة العضو وهلاك المفصود·(5)
ثانياً: تشريح الجسم لمعرفة سبب الوفاة، أو الإصابة في حوادث القتل أو التسمم، أو الإصابات الأخرى مما يدخل في مجال الطب الشرعي (Forensic Medicine):
إذ يمكن بهذا التشريح معرفة السبب الحقيقي للوفاة أو الإصابة، وزمنها، والملابسات التي أحاطت بها، والأداة المسببة لها، إذ قد يكون سبب الوفاة الحقيقي مخالفاً لسبب الوفاة الظاهري، فيتغير الحكم القضائي تبعاً لذلك، ويسمى هذا النوع من التشريح >التشريح الجنائي<(6)·
ثالثاً: تشريح الجسم لمعرفة حقيقة المرض الذي أدى إلى وفاة المريض:
وهذا النوع من التشريح يقصد به، معرفة مدى العلاقة بين الأعراض التي ظهرت على المريض، والتشخيص الذي تم قبل الوفاة، وبين ما يكشف عنه التشريح من بيان الأسباب الحقيقية للوفاة، إذ يمكن بهذا الوقوف على الأمراض غير المعروفة، ومعالجة الأمراض المحدثة للوفاة، إذا كثرت في مجتمع معين، وخيف انتشار الإصابة بها، وذلك للقضاء عليها أو الحد من انتشارها بقدر الاستطاعة، ويسمى هذا النوع من التشريح >التشريح المرضي<·
رابعاً: تشريح الجسم البشري لغرض الانتفاع بجزء منه لمصلحة الأحياء:
وهذا النوع من التشريح يتم أخذ جزء من بدن آدمي سواء أكان حياً أم ميتاً، لغرسه في بدن آدمي آخر حي مفتقر لهذا الجزء، لمعالجته به من مرض أصابه·(7)
الفرع الثالث: حكم تشريح بدن الميت للتعلم أو لمعرفة سبب الوفاة أو المرض:
قد يكون الغرض من تشريح بدن الميت، التعلم، ومعرفة تركيب أعضاء الجسم البشري، ومكوناته، وعلاقة أعضائه ببعضها بعضاً، أو لمعرفة سبب الوفاة، إذا كان ثمة اشتباه في السبب المؤدي للوفاة، أو إذا كان المرض قد أحدثه·
وقد اختلف العلماء في حكم تشريح بدن الميت للأغراض السابقة على مذهبين:
المذهب الأول: يرى أصحابه جواز تشريح بدن الميت لهذه الأغراض، إذا اقتضته الضرورة أو الحاجة، وأذن فيه الإنسان قبل موته، أو أذن فيه أهله بعد موته، أو الجهات المختصة في الدول في حال التشريح الجنائي، ولم يكن في التشريح تمثيل بجثة الميت، في حال أعيد رتق الجسم بعد التشريح، ودفن، ولم يتجاوز بالتشريح ما تدعو إليه الضرورة أو الحاجة·
وهو ما أفتى به فضيلة الشيخ >عبدالمجيد سليم<، مفتي الديار المصرية، في الفتوى رقم 639 في 26 شعبان 1356هـ، ونصت الفتوى على جواز >تشريح جثة القتيل، لإثبات التهمة على القاتل أو لإثبات براءته، وتشريح جثة المتوفى بالسم، لمعرفة سبب الوفاة ونوع السم، وتشريح الجثة لتعليم الطب، ومعرفة الأمراض<، وتوالت بعد هذه الفتوى، الفتاوى في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية، تؤكد ما انتهت إليه الفتوى السابقة، منها: فتوى الشيخ >حسنين مخلوف<، مفتي الديار المصرية سنة 1951م، التي تنص على جواز تشريح الجثث للأغراض السابقة، وفتوى لجنة >الإفتاء في الأزهر< في 29/2/1971م، وفتوى لجنة الإفتاء في الأردن< في 20/5/1397هـ، وفتوى >اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء< في السعودية، الصادرة في 21/7/1396هـ، >وقرار هيئة كبار العلماء بها< رقم 47 في 20/8/1396هـ، وقرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة، المنعقدة في المدة من 24 ـ 28/2/1408هـ، بشأن تشريح جثث الموتى، حيث أباحت هذه الفتاوى وغيرها هذا التشريح إذا كان للتحقيق في دعوى جنائية، لمعرفة أسباب الموت، أو الجريمة المرتكبة، وذلك عندما يشكل على القاضي معرفة أسباب الوفاة، وتبين أن التشريح هو السبيل لمعرفة هذه الأسباب، أو كان التشريح للتحقق من الأمراض التي تستدعي التشريح، ليتخذ على ضوئه الاحتياطات الواقية، والعلاجات المناسبة لتلك الأمراض، أو لتعليم الطب وتعلمه<·
وقد قال بهذا المذهب كثير من العلماء المعاصرين من مختلف الأمصار·(Cool
المذهب الثاني: يرى من ذهب إليه حرمة تشريح بدن الميت لغرض من الأغراض السابقة·
وهو قول بعض العلماء المعاصرين، منهم: محمد زكريا الكاندهلوي، ومحمد برهان السنبهلي، ومحمد بخيت المطيعي إلخ···(9)
وقد استدل أصحاب المذهب الأول على إباحة تشريح بدن الميت للتعليم، أو لمعرفة سبب الوفاة، أو المرض بما يلي:
أولاً: المعقول:
1 ـ إن الحي إذا لم يجد ما يستر به عورته، أو يتقي به الحر أو البرد، إلا كفن الميت، فإن له أن يأخذه لستر عورته به، أو اتقاء الحر أو البرد به، لأن حرمة الحي وحفظ نفسه أولى من حفظ الميت عن المثلة أو الهتك، وإذا جاز له ذلك، جاز له تشريح بدنه للتعليم أو التعلم،، أو الكشف عن سبب الوفاة، أو معرفة مدى مطابقة الأعراض والتشخيص على السبب الحقيقي للوفاة، لما يحققه ذلك من منفعة للأحياء، ويدفع عنهم الضرر·
2 ـ إن الميت إذا ابتلع مال الآخرين أو ما له قيمة مالية، فإنه يجوز شق بطنه لاستخراج ما ابتلعه من ذلك، حفاظاً على المال المبتلع من الضياع، فيجوز بالأولى تشريح بدن الميت للأغراض السابقة، لما فيه من مصلحة للأحياء·
3 ـ يجوز شق بطن الحامل المتوفاة، لاستخراج جنينها الذي علمت حياته، حفظاً لنفس هذا الجنين، الذي هو مقصود للشارع، فيجوز كذلك تشريح بدن الميت، إذا كانت تتحقق به مصلحة ضرورية أو حاجة للأحياء، كمعرفة سبب الوفاة أو المرض، أو التعليم والتعلم·
4 ـ أجاز بعض الفقهاء نبش قبر الميت لاسترداد الثوب المغصوب أو المسروق، إذا كفن الميت فيه(10)، مع ما في ذلك من إهانة له وكشف عورته، ومن ثمَّ يجوز تشريح بدنه لمعرفة سبب الوفاة أو المرض، أو للتعليم، بجامع تحصيل مصلحة الحي المحتاج إليها·
5 ـ إن الشرع أوجب على الأمة تعلم فريق منها الطب، على أنه فرض كفاية سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع، وتعلم الطب لا يتم إلا من خلال دراسة التشريح، ومزاولته عملاً، للأغراض المشروعة السابقة، فالتشريح في أقل حالاته مباح، إن لم يرتفع إلى درجة الواجب، باعتباره مما يتم به الأمر الواجب، وهو تعلم الطب·(11)
6 ـ إن مصالح التشريح تعود على الأحياء بحفظ أنفسهم وأموالهم، ومصالح الأحياء مقدمة شرعاً على حرمة الموتى، لأنها أعم وأشمل منها·(12)
7 ـ لا يوجد بديل يمكن تشريحه، لمعرفة مكونات الجسم البشري، أو سبب الوفاة أو المرض، أو نحو ذلك، بدلاً من الجسم البشري، وذلك لأن تشريح الحيوانات الثديية مثلاً لتعلم الطب الإنساني، لا يعطي فكرة صادقة عن تفاصيل جسم الإنسان، وقد يرسخ في أذهان الأطباء، صورة غير صادقة عن تركيب الجسم البشري، تكون سبباً في ارتكاب الأطباء الأخطاء الفنية في جسم الإنسان، وذلك لوجود اختلافات كثيرة بين جسم الإنسان، وبين أجسام سائر الحيوانات الثديية، والتي يتعين على الطبيب معرفة تفاصيلها، ومنها: الاختلافات المتعلقة بالهيكل العظمي، وما يتصل به من مفاصل وعضلات، والاختلافات المتعلقة بالأجزاء الداخلية: كالمعدة، والأمعاء والكلية، والدماغ، والتركيب الميكروسكوبي للأعضاء·
8 ـ إن التشريح أمر ضروري لمعرفة الأمراض والعلل، وتكوين الجسم البشري، وعلاقة أعضائه ببعضها بعضاً، ولولا التشريح الطبي لجثث الموتى، لمعرفة العلل وتشخيصها، لما تقدم الطب، ولما أمكن إنقاذ الكثير من المرضى، الذين يقتضي علاج أمراضهم ذلك، بل إنه من دون التشريح للجسم البشري، قد يقدم الطبيب وبخاصة الجراح على عمل فيه تهلكة للمريض·(13)·
ثانياً: القواعد الشرعية:
إن قواعد الشريعة تقتضي جواز هذا التشريح
1 ـ فإن من قواعد الشريعة، ما ينص على: >أنه إذا تعارضت مفسدتان، روعي أعظمهما ضرراً، بارتكاب أخفهما<(14)·
وتطبيقاً لهذه القاعدة: فإن في تشريح بدن الميت مفسدة، وفي ترك التشريح إذا اقتضته الأغراض السابقة مفاسدة عدة، إذ يترتب على تركه عدم معرفة سبب الوفاة عند الاشتباه في جريمة، وما يترتب على ذلك من عدم الوصول إلى الحق أو العدل في هذه الحال، وتلك مفسدة عظيمة، وما يترتب على ترك التشريح للتعليم والتعلم، من عدم اكتساب ممارسي الطب الخبرة العملية اللازمة لممارسته، وفي ذلك إزهاق للأرواح، واعتداء على الأبدان، وإصابتها بالعلل والتشوهات، وفي ذلك أيضاً من الفساد ما فيه، وما يترتب على ترك التشريح لمعرفة أسباب الأمراض المؤدية إلى الوفاة، من انتشار الأوبئة، وعدم الوقوف على أسبابها، والجهل بظواهر المرض، وما ينجم عنه في داخل البدن، وفي هذا فساد عظيم، وإذا كانت هذه المفاسد مما يعم ضررها ويعظم، فإن المفسدة الأدنى، وهي تشريح بدن الميت ترتكب، لدفع المفسدة الأعلى، وهي ما ينجم عن عدم التشريح من المفاسد السابقة·
2 ـ كما أن قواعد الشريعة تقضي بأنه >إذا اجتمعت المصالح والمفاسد في عمل معين، ولا يمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعاً، وكانت المصلحة أعظم من المفسدة التي تقابلها، قدمت المصلحة<(15)·
وتطبيقاً لهذه القاعدة، فإنه وإن كان في تشريح بدن الميت مفسدة، إلا أن في تشريح بدنه للأغراض السابقة مصالح عامة، راجحة على تلك المفسدة، ومن ثم فإن تقديم هذه المصالح يقتضي القيام بتشريح بدن الميت للأغراض السابقة، فكان مشروعاً لتحقيقها·
3 ـ كما أن هذه القواعد تقرر أن >ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب<(16)·
وتطبيقاً لهذه القاعدة، فإن الشارع قد أوجب تعلم ما ينصلح به حال الناس في دنياهم وأخراهم، وما يتحقق به النفع المشروع، وتعلم الطب من هذا القبيل، لأن به صلاح البدن من الآفات، ومن فروعه تشريح الجسم البشري، لمعرفة تكوينه ووظائف أعضائه، وعلاقة هذه الأعضاء بعضها ببعض، ومعرفة أسباب الأمراض المختلفة، ومدى مطابقة الأعراض والتشخيص، على السببب الحقيقي المحدث للوفاة، كما أن الشارع أوجب تحقيق العدل بين الناس، ولا يتحقق العدل إذا لم يعرف مرتكب الجناية، وكيفية ارتكابها، وذلك بتشريح المشتبه في سبب وفاته، وإذا كانت هذه الأغراض واجبة، وكان تشريح بدن الميت يحققها، فإنه يكون واجباً في هذه الحالات، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب·
واستدل أصحاب المذهب الثاني على حرمة تشريح بدن الميت، لغرض من الأغراض السابقة بما يلي:
أولاً: كتاب الله الكريم:
قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) الآية >70< من سورة الإسراء·
وجه الدلالة من الآية:
تكريم الله تعالى لبني آدم، وإطلاقها يفيد أنه مكرم حياً وميتاً، وفي تشريح بدن الميت إهانة له، لما يشتمل عليه من بقر بطنه، وتقطيع أجزاء بدنه، وغير ذلك من الصور المؤذية، فتشريح الجسم البشري فيه مخالفة لمقصود الله تعالى من تكريم الآدمي، وتفضيله له، فكان محرماً لمنافاته لتكريم وتفضيل صاحب هذا البدن·
ثانياً: السنة النبوية المطهرة
1 ـ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة في أحاديث كثيرة، منها: حديث بريدة رضي الله عنه قال: >كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا<(17)، وحديث قتادة >بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعد وقعة >عكل وعرينة<، كان يحض على الصدقة وينهى عن المثلة<(18)، وحديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: >ما قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة، قال: ألا وإن من المثلة أن ينذر الرجل أن يخرم أنفه<(19)·
وجه الدلالة منها:
دلت هذه الأحاديث على حرمة التمثيل بالبدن، وبخاصة بدن الآدمي، حياً كان أو ميتاً، ومن المثلة قطع جزء من بدن الآدمي، ولو كان على غير وجه العبث والانتقام، كماأفاده حديث عمران، فدلت هذه الأحاديث على حرمة اقتطاع الأجزاء من بدن الآدمي ولو كان لنفع غيره، لأنه مثله، وهي محرمة·
2 ـ روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم<(20)·
وجه الدلالة منه:
أفاد هذا الحديث حرمة الاعتداء على بدن الميت، سواء كان اعتداء على عظمه أو جلده أو لحمه، أو غيرها·
3 ـ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيذاء الأموات، سواء بسبهم، أو بالجلوس على قبورهم، أو قضاء الحاجة عليها، أو نحو ذلك، وقد ورد هذا في أحاديث منها:
ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا<(21)·
ثالثاً: المعقول:
1 ـ إن في تشريح بدن الميت لأي غرض من الأغراض السابقة، إهانة لأهله وإيذاءً لهم، وإيذاؤهم محرم، وذلك لما روي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالك >لا تسبوا الأموات، فتؤذوا الأحياء<(22)، وتشريح بدن الميت أبلغ في إيذاء أهله من سبه، فكان أولى بالتحريم منه·
2 ـ إن من العلماء من حرم شق بطن الميت، لإخراج مال الغير منه، أو لإخراج الجنين التي تعلم حياته من رحم أمه المتوفاة، مع ما في إخراج كل منهما من بطن الميت من تحقيق مصلحة ضرورية، وهي حفظ المال في الصورة الأولى، وحفظ النفس في الصورة الثانية، ولما لم يجز تشريح بدن الميت لتحقيق مصلحة ضرورية، فلا يجوز بالأولى تشريح بدن الميت لأغراض الكشف عن سبب الوفاة أو المرض، أو التعليم، وذلك لوجود البديل الذي يغني عن تشريح بدنه، فضلاً عن أن المصلحة في ذلك دون مصلحة حفظ المال أو النفس، التي لم يبح معها تشريح بدنه·
3 ـ إنه لا ضرورة ولا حاجة تدعو إلى تشريح بدن الميت، وإذا كان الاستغناء عن تشريح بدن الميت ممكناً، فلا يكون ثمة ضرورة أو حاجة إلى إجرائه، فيكون محرماً، لما فيه من انتهاك حرمة بدن الآدمي الميت من غير مقتضى شرعي·
رابعاً: القواعد الشرعية:
إن قواعد الشريعة تقتضي، حرمة تشريح بدن الميت لأي غرض من الأغراض السابقة·
إن من قواعد الشريعة ما ينص على أنه >لا ضرر ولا ضرار<(23)·
وتطبيقاً لهذه القاعدة: فإن إزالة ضرر السقم عن الأبدان، ومعرفة أسباب الأمراض، أو أسباب الوفاة في حال الاشتباه، أو إماطة الجهل بتركيب البدن ووظائف الأعضاء، بتشريح أبدان الموتى، هو من قبيل إزالة ضرر المرض والجهل، بإلحاق ضرر بأبدان هؤلاء الموتى، ولا ينبغي أن يزال ضرر بإلحاق ضرر مثله أو أشد منه بالآخرين·
المناقشة والترجيح:
ومما تركن النفس إليه من هذين المذهبين ـ بعد النظر في أدلتهما ـ هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من جواز تشريح بدن الميت، إذا دعت إليه الضرورة أو الحاجة لذلك، كأن تكون حاجة لمعرفة أسباب الوفاة، أو المرض، أو للتعليم والتعلم، إذا اتبع في تشريحه ورتقه الضوابط التي ذكرها أصحاب هذا المذهب، وذلك لما استدلوا به على مذهبهم·
ولأن تشريح بدن الميت لا يغني عنه غيره من تشريح الحيوانات أو غيرها، لأن معرفة مكونات الجسم البشري، وحجم وشكل وتكوين كل عضو، وعلاقته بسائر أعضاء الجسم، وما يطرأ على هذه الأعضاء من تغيرات في حال المرض، أمور لا يمكن الوقوف عليها، إلا بتشريح الجسم البشري، ولا يمكن الاستعاضة عنه بغيره من الحيوانات، ولو كانت أعضاؤها قريبة الشبه بأعضاء الإنسان، إذ لا يعطي تشريح هذه الحيوانات صورة صادقة، عن مكونات جسم الإنسان، وقد يترتب على الاكتفاء بتشريح بدنها، وقوع الأطباء المعالجين في خطأ جسيم بسبب تصورهم الخاطئ·
ومن ثم فإذا اقتضت مصلحة الحي تشريح بدن الميت، وكانت هذه المصلحة مما يقرها الشرع، جاز ذلك، لأن الحي أعظم حرمة من الميت، بدليل ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، من جواز شق بطن الميت لإخراج مال الحي، وإخراج الجنين الذي تعلم حياته·
ولا ينبغي أن يقال: إن في التشريح إيذاءاً للميت وأهله، وذلك محرم، لأن هذا الإيذاء وإن كان ضررآً يلحق الميت وأهله، إلا أنه لا يقارن بالضرر الناشئ عن عدم التوصل إلى وجه الحق، في جناية لم يعرف سبب الوفاة فيها، أو الضرر الناشئ عن جهل ممارسي الجراحة، بحقيقة تكوين الجسم البشري، ووظائف أعضائه، إذ الضرر في ذلك مفسدة عظيمة، فضلاً عن أن هذا الضرر يعم كثيراً من الناس، الذي يتأثرون بعدم تحقيق العدالة في التقاضي، أو ينالهم مبضع الجراح، فيقع في مقاتلهم، بخلاف المفسدة الناشئة عن تشريح بدن الميت، فهي مفسدة دون ذلك، فضلاً عن أنها مفسدة خاصة، وقد ذكرنا من قبل أنه >إذا تعارضت مفسدتان، روعي أعظمهما ضرراً، بارتكاب أخفهما<(24)·
ولا يقال: إن من العلماء من حرم شق بطن الميت لأخراج مال الآخرين منه، أو لإخراج جنين تعلم حياته من رحم امرأة متوفاة، فلا يجوز قياساً على ذلك تشريح بدن الميت لأغراض التعليم أو معرفة سبب الوفاة أو المرض، لأن العلماء مختلفون في ذلك، والجمهور على الجواز، ولا يقاس فرع محل خلاف على أصل مختلف في حكمه، فمثل هذا قياس فاسد·
ولا وجه للقول: إنه لا ضرورة ولا حاجة تدعو إلى تشريح بدن الميت، لأن البديل عن الجسم البشري لا يعطي صورة صادقة عنه، فإذا كانت هناك شواخص مطاطية تحاكي جسم الإنسان، من ناحية مكوناته، ووصف أعضائه، وحجمها، إلا أنها ليست كافية في تعليم طالب الطب، وظائف الأعضاء، وكيفية عملها، ومكوناتها، وعلاقتها ببعضها بعضاً، وحقيقة تفاعلها وتأثرها بالموثرات المختلفة، كما أنه لا يمكن إعمال المشرط فيها، لفسادها به، فضلاً عن اختلاف مادتها عن جسم الإنسان وطبيعته، ومثل هذه الشواخص لا يمكن الوقوف منها على معرفة سبب المرض، ومدى مطابقة الأعراض الظاهرة والتشخيص على سبب الوفاة، لأنها نموذج واحد، لا تغيير فيه ولا تبديل، يضاف إلى هذا أن هذه الشواخص تعد في حكم المعدومة شرعاً في حق كثير من الدول الإسلامية، لأنها لا تنتجها، وهي في الدول التي تنتجها تباع بأثمان تفوق قدرة هذه الدول على شرائها، وتعميمها في المستشفيات التعليمية بها، كما أن الاستعانة بحيوانات التجارب، في معرفة ما يراد معرفته عن الجسم البشري موهم، لاختلاف تركيب الجسم البشري عن تركيب سائر الثدييات، واختلاف صفات الأعضاء وحجمها وطبيعتها ووظيفتها بهذا الجسم، عن مثيلها في أجسام الحيوانات، ولهذا فإن كثيراً من الأمراض التي تحمل الحيوانات مسبباتها، لم تظهر عليها أعراضها، فلما أكل الإنسان لحوم هذه الحيوانات ونتاجها، ظهرت عليه أعراض هذه الأمراض، وفي مقدم هذه الأمراض: الإيدز، وجنون البقر، والإيبولا، وحمى اللاسا، وماربورج، والهربس، والالتهاب الكبدي الوبائي، ونحوها، وكنتيجة لهذا الاختلاف بين مكونات جسم الإنسان ومكونات جسم الحيوان، فإن الأدوية التي جربت على حيوانات التجارب، وأظهرت فاعليتها فيها، لا يقتضي تجريبها في الإنسان نجاحاً أو فاعلية في معالجة الداء·
كما وأنه إن أمكن معرفة سبب الوفاة بطرق أخرى، غير تشريح بدن المتوفى، كالفحص الخارجي للبدن، أو فحصه بالإشعاع، أو بالتحاليل الكيماوية ونحوها، أو باستخلاص آخر صورة رآها الإنسان قبل وفاته، من عينه، أو تحليل الحمض النووي الريبي لخلايا الميت، والخلايا التي قد توجد بمسرح الجريمة، أو نحو ذلك من الوسائل التي تعرف بها أسباب الوفاة، إلا أن هذه الوسائل لا تجدي في كشف أسباب الوفاة في جميع الحالات عند الاشتباه، ولهذا فإن الوصول إلى الحق قد يقتضي هذا التشريح، للوقوف على سبب الوفاة، والوصل إلى الجاني الحقيقي، وخصوصاً أن الوسائل المتطورة في الكشف عن ذلك من دون تشريح بدن الميت، قد لا تفيد القطع ولا الظن، والحكم بمقتضاها في هذه الحال ظلم بين ، وهو مما يجب رفعه·
وإذا كانت قواعد الشريعة تقرر أنه >لا ضرر ولا ضرار<، وأن >الضرر لا يزال بالضرر<، فإن من قواعد الشريعة ما يقرر أيضاً >ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما<، و>أن الضرر الخاص يتحمل، لدفع الضرر العام<، وليس ثمة تعارض بين هذه القواعد جميعاً، لأن القاعدة الأولى تحرم الإضرار بالآخرين، وما نحن بصدده فيه ضرر مترتب على عدم تشريح بدن الميت، فهو ضرر واقع بالفعل قبل التشريح، ووسيلة دفعه ارتكاب ضرر أدنى منه، وهو التشريح للأغراض السابقة، وهو ما تقضي به قاعدة >ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما<، وأما قاعدة >الضرر لا يزال بالضرر<، فإنما ذلك إذا كانا متساويين، من ناحية مقدار الضرر، ومن يصيبه الضرر، وأما إذا اختلفا من أي ناحية منهما، بأن كان مقدار الضرر في أحدهما أعظم من الآخر، أو كان من يصيبه الضرر في أحدهما أكثر عدداً من الآخر، فإن القواعد الشرعية تقضي >بدفع أعظم الضررين بارتكاب أدناهما<، كما تقضي >بتحمل الضرر الخاص، لدفع الضرر العام<·
وإذا قلنا بجواز تشريح بدن الميت للأغراض السابقة، ترجيحاً لمذهب القائلين بذلك على مذهب المانعين، فإن هذا التشريح ينبغي أن يتقيد جوازه بقيود عدة·
الفرع الرابع: ضوابط تشريح بدن الميت:
إذا كنا قد رجحنا مذهب القائلين بجواز تشريح بدن الميت، للأغراض السابقة، إلا أن هذا التشريح ينبغي أن يتقيد جوازه، بقيود عدة، منها ما أشار إليها المجيزون عند بيان مذهبهم في حكم هذه المسألة، ومنها ما لم يتعرضوا له، وأبين هذا وذاك في هذه العجالة السريعة·
الشرط الأول: أن تدعو الضرورة أو الحاجة إلى هذا التشريح، وهي الحالات التي سبقت الإشارة إليها من قبل، وأن تكون المصلحة فيها راجحة على مفسدة تشريح ميت، والمساس بحرمة بدنه، وإذا شرع ذلك في حالات الضرورة أو الحاجة، فلا يتجاوز به هذه الحالات، لأن ما شرع للضرورة لا يعدو موضعها، والحاجة تنزل منزلتها في ذلك·
الشرط الثاني: أن يكون هنالك إذن مسبق من صاحب البدن قبل وفاته، بتشريحه لهذه الأغراض المشروعة، فإن لم يمكن الحصول منه على هذا الإذن، استؤذن أهله في ذلك إن عُرف له أهل، واستئذانهم في ذلك ليس لأنهم يملكون بدن الميت، وإنما هو لتطبيب نفوسهم، لأنهم يتأذون بتشريح بدن قريبهم الميت من دون استئذانهم في ذلك، وأما في حالات التشريح الجنائي الذي يجري لمعرفة سبب الوفاة، عند الاشتباه فيها، فيؤخذ في ذلك رأي ولي الأمر أو من ينوب عنه، في إجرائه للتوصل إلى الحق في أمر وفاته، كما يؤخذ ولي الأمر أو نائبه في تشريح بدن الميت، لأي غرض من الأغراض السابقة، إذا لم يكن للميت أقارب أو لم يعرف له أقارب، إذ السلطان ولي من لا ولي له·
الشرط الثالث: أن لا يؤخذ عوض في سبيل تشريح بدن الميت، لأي غرض من الأغراض السابقة، سواء من قبل صاحب البدن قبل وفاته، أو من قبل ذويه، أو من غيرهم، لحرمة المعاوضة على بدن الميت، أو أي عضو من أعضائه، ولأن الآدمي مكرم لا مبتذل، فإيراد العقد عليه، وابتذاله وإلحاقه بالجمادات، إذلال له وإهانة له، ولأن جواز المعاوضة على البدن أو أجزائه فرع الملك، ولا يملك أحد من البشر ذلك·
الشرط الرابع: أن لا يكون في تشريح بدن الميت إهانة له، أو تمثيل به وفقاً للمثلة المحرمة المشار إليها قبلاً، وإنما ينبغي تشريح بدن الميت وفقاً للغرض الذي شرع من أجله، وبحيث لا يتجاوز به إلى غيره، من تشويه بدن الميت، أو العبث بأجزائه، أو نحو ذلك، لحرمته، وأن يتم رتق موضع الجراحة من بدن الميت، بعد الفراغ من تشريحه، ثم يعاد دفنه مرة أخرى، ومن ثم فإنه يحرم الاحتفاظ بجثث الموتى، بقصد التمثيل بها، أو بيع أجزاء منها، أو التعامل فيها بأي صورة من صور التعامل، فإذا اقتضت الضروة أو الحاجة تشريح الجسم البشري، للتعليم أو لمعرفة سبب الوفاة، وتم أخذ أجزاء منه لتحليلها، كالكبد، أو المعدة، أو الرئة، فإنه يجب إعادة هذه الأجزاء إلى موضعها من بدن صاحبها، ويعاد رتق الموضع الذي أخذت منه، لتدفن الجثة بعد ذلك·
الشرط الخامس: أن يتيقن من وفاته قبل إجراء التشريح، بخروج روحه، وتوقف جميع أجهزة جسمه عن العمل توقفاً لا رجعة بعده، ومن ثم فإن تشريح بدن مريض الغيبوبة الدماغية، أو من مات جذع الدماغ عنده، هو من قبيل الاعتداء على آدمي حي، ويعد قتلاً لنفس حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق، وليس من الحق إعمال مبضع الجراح فيها للتشريح، قبل مفارقة الروح الجسد، وقبل ظهور أمارات الموت على هذا الجسد، التي حددها الأطباء والفقهاء·
ومن الأمارات التي حددها الأطباء، للدلالة على حدوث الوفاة الحقيقة: توقف التنفس، والقلب، والدورة الدموية إلخ···
الشرط السادس: أن يتعذر إيجاد البديل المباح، الذي يغني عن تشريح بدن الآدمي الميت المعصوم الدم، فإن وجد هذا البديل كان تشريح بدنه محرماً، ومن البدائل المباحة تشريح بدن الكافر الحربي، والمرتد، ومهدر الدم مطلقاً بعد موتهما، أو إجراء تعليم محتوى الجسم ووظائف أعضائه على شواخص مطاطية، إن كانت متاحة، وإنما كان تشريح بدن الميت غير المعصوم الدم بديلاً مباحاً، عن تشريح بدن معصوم الدم، لعظم حرمة هذا دون الأول، فضلاً عن أن غير معصوم الدم قد أهان نفسه باقتراف ما يوجب إهدار دمه كالردة، والمحاربة، وقطع الطريق، ونحو ذلك، قال تعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم) الآية 18 في سورة الحج(52)، ومن ثم فلم يعد تشريح بدنه بعد موته إهانة له أو إهداراً لكرامته وآدميته، ولأن تشريح بدن الميت المسلم لأغراض التعليم أو معرفة سبب المرض فيه تعطيل لحقوق كثيرة، أوجب الله تعالى التعجيل بها، وهي: غسل هذا الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وليس كذلك مهدر الدم، لأنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه·
الشرط السابع: أن يتولى تشريح بدن كل جنس من كان من جنسه، فيتولى تشريح بدن المرأة أنثى، وتشريح بدن الرجل رجل، إذا وجد من يتولى ذلك من مثله، لحرمة نظر الرجل إلى ما يعد عورة من المرأة، سواء كانت حية أو ميتة، وكذلك الحال في حق نظر المرأة إلى الرجل، وإذا حرم النظر فالأولى تحريم المس، إلا إذا لم يتوافر من جنس المتوفى من يمارس التشريح، أو كان التشريح للتعليم الذي يبصره الذكور والإناث، فيجوز أن يتولاه الممارس له، وإن كان من غير جنس الميت، شرط أن يستر من الميت جميع بدنه، إلا الموضع الذي يتولى تشريحه، ويغض بصره عما سوى ذلك، ومثله في هذا سائر من يعلمهم، وأن تؤمن الفتنة ببدن الميت، عند تولي تشريحه، وعدم مس جزء من عورته إلا عند الضرورة أو الحاجة إليه، وأن يضع من يباشر التشريح قفازاً على يديه، تجنباً لمس ما يعد عورة من بدن من يقوم بتشريح بدنه·
الشرط الثامن: أن يؤمن انتقال الأمراض منه إلى من يتولى تشريحه، أو من يتعلمون كيفية التشريح، لأن الشارع حض على التوقي من أسباب الأمراض، ومنع من مخالطة الصحيح للمريض، لأن هذه المخالطة قد تكون سبباً في نقل عدوى المرض إلى الصحيح، ومن النصوص الدالة على وجوب التوقي من أسباب الأمراض: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >فر من المجذوم كما تفر من الأسد<(26)، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >لا يوردن ممرض على مصح<(27)، ولهذا يجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع انتقال الفيروسات والجراثيم من جثث المتوفين إلى أجسام الأصحاء، وإن لم يؤمن ذلك، كان إجراء تشريح هذه الأبدان إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهو محرم، ومن ثمَّ حُرِّم ما يؤدي إليه·

هوامش البحث:
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة 3/269، ابن منظور: لسان العرب 2/497، الفيومي: المصباح المنير/ 309، الفيروز آبادي: القاموس المحيط/ 289·
(2) هشام الخطيب: الوجيز في الطب الإسلامي/ 192·
(3) ابن النديم: الفهرست/ 290، قاسم: الطب عند العرب والمسلمين/ 99 ـ 103·
(4) د· يحيى حقي: تاريخ الطب العربي/ 28، 29·
(5) الطبيب: أدبه وفقهه/ 165 ـ 166·
(6) المنشاوي: الطب الشرعي ودوره الفني في البحث عن الجريمة/ 4·
(7) قنديل: تشريح جثة الميتن، بحث منشور بمجلة دراسات/ 18، المجلد 6/1979·
(Cool مجلة الأزهر 6/167، 472، 473، 523، 627، سنة 1354هـ، الفتاوى الإسلامية الصادرة عن دار الإفتاء المصرية 1/193، 276، 360، 4/1331، 7/2505، 2625، 10/3713، الشيخ حسنين مخلوف: فتاوى شرعية وبحوث إسلامية/362، أعمال المؤتمر الثاني للطب الإسلامي في الكويت 2/183 ـ 184، 811 ـ 818، قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، الطبيب أدبه وفقهه/ 164 ـ 165، الفكر الإسلامي والقضايا الطبيبة المعاصرة/ 165، الشرباصي: يسألونك في الدين والحياة 1/605، شفاء التباريح/89، فتاوى معاصرة 2/535 ـ 536، عطا الله: الحلال والحرام/ 329، المودودي: رسائل ومسائل 2/149، أعمال الملتقى الدولي لزراعة الأعضاء في الجزائر في المدة من 16 ـ 17/11/1985م·
(9) الكاندهلوي: أوجز المسالك 2/507، قضايا فقهية معاصرة/67، الشنقيطي: أحكام الجراحة الطبية/170، السقاف: الإمتاع والاستقصاء/ 27 ـ 28، شفاء التباريح/ 96، مجلة الأزهر 1/627 ـ 632، المجلد السادس 1345هـ·
(10) الدر المختار (مع حاشية الطحطاوي 1/382)، روضة الطالبين 2/140، مغني المحتاج 1/276·
(11) الفتاوى الإسلامية/ 313، مجلة الأزهر المجلد 6/523، عدد نوفمبر 1962م·
(12) مجلة الأزهر، المجلد 6/473·
(13) اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء السعودية: مجلة البحوث الإسلامية، العدد 4/79، 80·
(14) المصدر السابق/ 46·
(15) العز بن عبدالسلام: قواعد الأحكام 1/88، 97·
(16) السيوطي: الأشباه والنظائر/ 286·
(17) أخرجه مسلم في صحيحه 3/1356 ـ 1358·
(18) علقه البخاري في صحيحه، ووصله البيهقي وأبو داود بإسناد صحيح، من حديث قتادة عن أنس· (ابن حجر: فتح الباري 7/458، السنن الكبرى 9/69، عون المعبود شرح سنن أبي داود 12/26)·
(19) أخرجه الحاكم في المستدرك وصحح إسناده، وأخرجه أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما، والبيهقي في سننه، والطبراني في معجمه الكبير· (المستدرك 4/305، مسند أحمد 4/529، مسند الطيالسي/ 112، السنن الكبرى 10/80، الطبراني: المعجم الكبير 18/158)·
(20) أخرجه أحمد في مسنده، والبيهقي والدار قطني وأبو داود وابن ماجه في سننهم وعبدالرزاق في مصنفه، بإسناد حسن· (مسند أحمد 6/168، السنن الكبرى 4/58، سنن الدار قطني 3/188، عون المعبود شرح سنن أبي داود 9/24، سنن ابن ماجة 1/516، مصنف عبدالرزاق 3/444)·
(21) أخرجه البخاري في صحيحه (ابن حجر: فتح الباري على البخاري 3/258)·
(22) أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه، والترمذي في سننه، وابن عدي في الكامل، وسكت عنه الترمذي وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال:رجاله الصحيح (مسند أحمد 4/252، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 5/11، سنن الترمذي 3/238، ابن عدي: الكامل 4/1568، الهيثمي: مجمع الزوائد 8/76)·
(23) ابن نجيم: الأشباه والنظائر/ 108·
(24) ابن نجيم: الأشباه والنظائر/ 96·
(25) من الآية 81 من سورة الحج·
(26) أخرجه البخاري في صحيحه 7/231·
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تشريح بدن الميت
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: جسور العلوم السياسية :: قسم الحقوق-
انتقل الى:  
1