منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الضبط الاجتماعي
من طرف salim 1979 الإثنين أغسطس 13, 2018 6:26 pm

» مذكرة بناء السلم في مالي - الفرص و التحديات -
من طرف salim 1979 السبت يونيو 09, 2018 12:31 am

» تفاءل يا أخ الأحزان، فإن النصر في الصبر
من طرف ahlm22 السبت مايو 26, 2018 5:09 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2017
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:58 pm

» التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في افريقيا بعد الحرب العالمية الثانية
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:57 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2018
من طرف salim 1979 الجمعة مايو 25, 2018 7:03 pm

» الحرب وضد الحرب
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:51 pm

» التحول والانتقال الديمقراطي: النسق المفاهيمى
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:46 pm

» تحميل الثقافة العالمية العدد 177
من طرف salim 1979 الخميس أبريل 12, 2018 3:53 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 البعد البيئي والدستور

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5139
نقاط : 100011849
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: البعد البيئي والدستور   الخميس فبراير 28, 2013 9:42 pm

البعد البيئي والدستور
بلعسري مصطفى نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 23 - 05 - 2011

هاهو خريف «تشيكوسلوفاكيا» البارد يطل علينا مرة أخرى بتجهم سمائه و كآبتها و بيأس وخوف ساكنته كأنها تترقب شيئا ما لابد منه، في ذلك الصباح من خريف 1989 فتحت المذياع ملتقطا على الفور ذبذبات راديو «براغ»،فاجأني صوت المذيعة الحزين قائلا :» لقد سقط احد الطلبة قتيلا بعد المسيرة الطلابية ليوم أمس بمدينة «براغ»، احتجاجا على الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية المتردية للشباب و لباقي أفراد الشعب...»
كنت حينها في قلب الحدث، بل في أعماق التاريخ، ربما عن طريق الصدفة، كنت أتابع دراستي الجامعية بجامعة «كومنيوس» العريقة بإحدى المدن التاريخية و الجميلة لأوروبا الوسطى، مدينة «براتيسلافا» عاصمة الجزء السلوفاكي للفدرالية التشيكوسلوفاكية سابقا، عمت الفوضى والخوف والهلع الجميع، ومباشرة بعد ذلك خرج الشعب إلى الشارع وأخذت الثورة طريقها نحو المجهول، وطرحت مجموعة من التساؤلات و الاستفهامات: هل سيعيد التاريخ نفسه بهزيمة الثوار وإذلالهم وإخماد الثورة كما حصل لثورة ربيع «براغ» يوم 21 غشت لسنة 1968؟ حينها كان الاتحاد السوفياتي وجيشه الأحمر في قمة قوته و جبروته، و على الفور بعد اندلاع الثورة أرسلت موسكو جيشا عتيدا يقدر بنصف مليون جندي لإخمادها، كان حينها «بريجنيف» هو رئيس الدولة الحمراء. في المقابل غادر البلاد حوالي 120 ألف مواطن تشيكي، وأجبر حوالي 500 ألف آخر التخلي عن وظائفهم و الالتحاق بأماكن معزولة ونائية حتى لا يسمع لهم صوت ويلتزموا الصمت ويعتنقوا عالم النسيان، كان»ألكسندر دوبتشيك» هو رئيس الفدرالية التشيكوسلوفاكية، كان نسبيا إلى جانب الثوار، يطالب أيضا بإصلاحات سياسية و اقتصادية و اجتماعية لدولته، و بعد أيام من اندلاع الثورة أرغم على السفر إلى «موسكو»، و بعد سبعة أيام عاد إلى بلده ليلقي خطابا عبر الأثير، كان لا يقوى على الكلام و كان مكسور الخاطر بعيدا كل البعد عن الرجل الذي عرفه مواطنوه من قبل، رجع مذلولا إلى شعب مذلول، كما جاء على لسان أحد المعارضين حينها. فعاد النظام الشيوعي الشمولي و شدد من قبضته الحديدية على زمام الأمور.
في سنة 1969 نصب الروس رئيسا جديدا لتشيكوسلوفاكيا، إنه الرئيس السابع للفدرالية «غوسطاف هوساك». بعد التنصيب مباشرة قام بطرد 145 مؤرخا تشيكيا من الجامعات، والمعاهد العلمية وبالتالي تربع على كرسي»رئيس النسيان» كما لقبته المعارضة آنذاك، و بالتالي أسس المواطنون مرغمون لا راضون، وطنا وهميا عنوانه الكبير «وطن و مواطنون بدون ذاكرة» كما جاء في إحدى روايات الكاتب التشيكي «فرانز كافكا». وبقيت الأمور على حالها إلى غاية خريف 1989.
نعود إلى ثورة 1989، وبعد سقوط أول قتيل في صفوف الطلبة، خرج الناس تلقائيا و تدريجيا إلى الشوارع والساحات العامة، فعمت الثورة جميع أنحاء البلاد مطالبة بالأساس برحيل النظام الشيوعي الجائر.
في إحدى ساحات مدينة «براتيسلافا» المركزية، بالضبط قرب شارعها التجاري الشهير، كنت أتابع الثورة عن قرب ولمدة أكثر من شهرين حيث توقفت الدراسة والعمل، و عم اليأس جميع الأوساط بما فيهم الطلبة الأجانب، حيث كانوا يتساءلون عن مصيرهم بعد الثورة، خاصة أن اغلب الطلبة الأجانب يتابعون دراستهم عبر منحة دراسية في إطار التعاون الثقافي بين الدول أو في إطار المنح التي كانت تقدم من طرف الحزب الشيوعي الحاكم للأحزاب الشيوعية والاشتراكية بمختلف دول المعمور.
شخصيا كنت تائها وضائعا أعانق المجهول، لقد غادرت المغرب في أواخر الثمانينيات هربا من قبضة الجهل والفقر والأمية والحرمان، بجميع أشكاله وألوانه كبقية أقراني المنتمون للمغرب العميق والطبقة الشعبية، كنت أعيش في واقع غريب تتلاقح فيه كل مآسي الحياة و تناقضاتها، أمام هذا القدر الحتمي حاولت أن اعتصم بالصبر واجعله ثوبا ارتديه ليستر كل المعاناة التي كانت تلازمني وتطاردني، ولكن هيهات وكما يقال للصبر حدود. انقلب هذا الصبر إلى نار تكوي جسدي لتحملني بعيدا عن تحقيق أحلامي و طموحاتي المشروعة والصغيرة، كأنه يقول لي إن زمن التغيير والكرامة الإنسانية والديمقراطية لم يحن وقتها، فهذا قدرك.
كل هذا الماضي المرير كان يتبادر أمامي وأنا في قلب ثورات أوروبا الشرقية، كنت خائفا ومتوترا على مصيري الدراسي، لا أريد أن أعود إلى البقايا الأوفقيرية أو إلى الطاغية البصرية وشبكته العنكبوتية المقفلة، الذي كان لا يزال يصول ويجول في مغرب يتهيأ بكل جدارة و استحقاق للسكتة القلبية.
كان نساء ورجال وشباب الثورة «التشيكوسلوفاكية» يطالبون برحيل الرئيس «غوسطاف هوساك» ونظامه الشمولي الجائر، بل و محاكمته كما حدث في رومانيا لرئيسها »تشاوسيسكو» وزوجته «إلينا».
كان كل يوم من أيام الثورة الشعبية عبارة عن مفاوضات ولقاءات وبيانات، كل هذا كان يدخل في حرب الأعصاب بين النخبة الوطنية التي كانت تمثل الثوار، وبين بقايا النظام الشيوعي الهرم.
كان الثوار يتزعمهم الكاتب المسرحي »فاتسلاف هافل» الذي سيصبح بعد نجاح الثورة أول رئيس لتشيكوسلوفاكيا منتخب ديمقراطيا، هذه النخبة السياسية المحنكة كانت بالإضافة إلى نظالاتها الوطنية تحمل مشروعا مجتمعيا متكاملا يتماشى والتحولات السوسيو اقتصادية والسياسية التي يعرفها العالم و شرق أوروبا خصوصا، وكان حولهم أفراد المجتمع «السلافي» المؤطرون، والمكونون، و الواعون بخطورة المرحلة التاريخية التي تعيشها بلادهم. كل هذا الحراك كان يسير ببلاد البوهيميا إلى طريق الديمقراطية والحرية و الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان من غير رجعة.
وبدورنا كطلبة أجانب، كنا نتحاور ونتفاوض من أجل مستقبلنا الدراسي في إطار ما يسمى بالشبيبة الشيوعية قبل الثورة والاتحاد الطلابي بعدها، فكانت أغلب اللقاءات مطمئنة للغاية.
نجحت الثورة وسقط حائط برلين وسقطت معه كل الإيديولوجيات التي كانت تؤسس للحرب الباردة، حينها أصبح العالم يعيش على إيقاعات عصر التغييرات الكبرى، والتغيير هو أقدم رغبة عند الإنسانية، لأن الأشياء عندما تتكرر تفقد في كل مرة شيئا من معناها، و تفقد بالتالي شيئا فشيئا من قوتها الحيوية التي تضفي عليها وهم المعنى. لقد كسرت الحدود بكل أبعادها الممكنة، والحدود في حد ذاتها هي جرعة التكرار القصوى المسموح بها. إذا أين تبدأ وتنتهي حدود الأدلوجة الجديدة؟ وماذا سيحدث إذا تجاوزناها؟ و ماذا يقع إذا كان التجاوز أبعد؟
بعد أشهر انتخبت أول حكومة بعد الثورة يترأسها»فاتسلاف كلاوس» الرئيس الحالي للدولة التشيكية، كما انتخب الكاتب المسرحي «فاتسلاف هافل» رئيسا للدولة التشيكوسلوفاكية.
بعد سنتين تقريبا انفصل الإخوة الثوار وتأسست دولتين جديدتين: دولة «تشيكيا» ودولة «سلوفاكيا»، أصبح رئيس الدولة السلوفاكية الرمز والكاريزما « ألكسندر دوبتشيك»، بينما أصبح رئيس حكومتها «متشيار»، أما القيادة التشيكية فبقيت على حالها،»فاتسلاف هافل» رئيسا للدولة التشيكية، و«فاتسلاف كلاوس» رئيسا لحكومتها، فاختلط ضحك الملائكة بضحك الشياطين كما جاء في رواية» الضحك والنسيان» لكاتبها التشيكي»ميلان كونديرا» .فانتهت هذه المسرحية الدرامية وعمها الضياع والنسيان.
بعد ثورات أوروبا الشرقية وتشتت دولة يوغوسلافيا انتقلت رياح الثورة إلى أمريكا اللاتينية وأسيا للتخلص من الأنظمة الديكتاتورية. بعدها وجدت الثورة نفسها بين أحضان بلاد الرافدين فقضت على نظامها البعتي.
كل هذا كان يسير في اتجاه إعادت رسم خريطة جيوسياسية جديدة تتماشى والتحولات السوسيو اقتصادية و السياسية التي يعيشها العالم، و التي نظًًّّر لها في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي كل من رئيسة الوزراء البريطانية السابقة «ماركريت تاتشر»، والرئيس الأمريكي السابق للولايات المتحدة الأمريكية «رونالد ريغان»، وكذلك رئيس الاتحاد السوفياتي سابقا «ميخائيل كوربتشوف».
أخيرا وصلت رياح التغيير إلى دولنا العربية بعد انتظار طويل، فسقط النظام التونسي البوليسي، ولحق به النظام المصري المافيوزي، ولازال النظام الليبي واليمني وحتى السوري يقاومون من اجل البقاء.
أما بالنسبة للمغرب فقد وصلته هو أيضا رياح الثورة، و ظهر ذلك جليا من خلال حركة 20 فبراير و من خلال الحراك السياسي الذي عرفته مختلف الفئات الاجتماعية.
ظلت الأمور بين مد و جزر واشتد النقاش وتعمق، و لكن كانت الأغلبية تسير نحو ثورة سلمية هادئة عنوانها الكبير هو «الإصلاح والتغيير»، وكان هذا بمثابة ضربة قاضية بالنسبة لجيوب المقاومة.
بعد أيام من هذه الحركية السياسية والاجتماعية و الشعبية، جاء الخطاب الملكي ل 9 مارس ليمثل لحظة تاريخية حاسمة من اجل تحديد مصير المغرب ووضعه على الطريق الصحيح.
لقد تميز الخطاب الملكي بالحكمة والتبصر والشجاعة والفطنة. لم تكن هذه اللحظة التاريخية وليدة الصدفة بل كانت نتيجة حتمية لمجموعة من التراكمات و النظالات والأحداث، انطلقت من رحم الحركة الوطنية مرورا بالأحزاب الوطنية الديمقراطية والمنظمات الحقوقية ومرحلة سنوات الرصاص وحكومة التناوب التوافقي، إلى حركة 20 فبراير التي كانت بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس.
إذا فهذه اللحظة التاريخية ملك للأمة المغربية و ذاكرتها الجماعية، و لن تكون ملكا لأحد أبدا. و لن تكون أيضا محل مزايدات تافهة.
جاء الخطاب الملكي بمجموعة من النقاط كأرضية للإصلاحات الدستورية المرتقبة ومن بينها تعزيز سلطة البرلمان وبالتالي تعزيز سلطة الحكومة المنبثقة من الأغلبية السياسية، والسير نحو تحقيق نظام سياسي برلماني في الأفق يظل الملك فيه رمزا للوحدة وضامنا لاستمرار الدولة واستقرارها، ويصبح الشعب مصدر السيادة والسلطة. كما أن روح النص الدستوري المرتقب مرتبط بمبدإ فصل السلط، و مراقبة بعضها لبعض، إضافة إلى نقطة أخرى جد مهمة تتعلق بدسترة التوصيات الوجيهة لهيأة الإنصاف و المصالحة، كما تم من خلال الخطاب الملكي الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، تكون خارج دائرة التوازن بين باقي السلط، وتسمو بسمو القانون، و أن تكون وظيفتها الأساسية مراقبة سلطة القانون، وإصلاح هذه السلطة مرتبط بإصلاح منظومة العدالة برمتها.
الدستور كما عرفه فقهاء القانون الدستوري هو عقد سياسي على شكل اتفاق على حد ادني من التعايش السياسي، والاجتماعي بين مجموعة من الفرقاء ذوو المصالح المختلفة، وغالبا لا يكون الاتفاق على كل شيء.
كما أن النص الدستوري يبقى غير كاف، فهو محتاج لقراءة واضحة وإلى جهد وضمانات تمكن من تطبيقه وملاءمته للواقع اليومي للمواطن المغربي، وبالتالي نتمكن من إعادة بناء خطاب سياسي جديد و تحويله من شكله و مضمونه الجامد إلى خطاب حي يتماشى مع الزمان و المكان الذي نحيا فيه، للوصول إلى هذا المبتغى لابد من تشخيص ونقذ العملية السياسية برمتها عبر الزمان والمكان، انطلاقا من هزيمة إيسلي وتطوان، وعبر مشروع أول دستور مغربي لسنة 1908، مرورا بالفترة الاستعمارية والحركة الوطنية وما بعد الاستقلال، وسنوات الرصاص وحكومة التناوب التوافقي والخروج عن المنهجية الديمقراطية حينها، وصولا إلى الحركة الشبابية ل 20 فبراير، إلى حدود الخطاب الملكي ل 9 مارس.
خلال هذه المرحلة لعب أغلب الأعيان والتيقنوقراط وكذلك سماسرة الإرادة العامة، وكل من يدور في فلكهم دورا أساسيا في العملية السياسية في المغرب، فهم يشتغلون بعقلية القبيلة والزعيم والشيخ والمريد، ويستغلون جهل و فقر و أمية المغاربة الأحرار المتعففين لتمرير خطابهم السياسي الجامد، فتارة يتحالفون مع المستعمر، وأخرى مع السلطة، همهم الوحيد هو السلطة والثروة. هذا الإرث الاستعماري والإقطاعي أصبح اليوم متجاوزا ويتعارض كما وكيفا مع الحداثة و الديمقراطية.
لأجل بناء مجتمع حداثي ديمقراطي آن الأوان لإعادة النظر في هذه الفئات الاجتماعية المنتشرة عموديا و أفقيا، و المخترقة لمختلف الطبقات الاجتماعية، ورجال المال والأعمال، والأحزاب السياسية، والجمعيات المدنية، وذلك بتذويبها وامتصاصها وإعادة بنائها بهدوء تام وبدون ردود فعلية سلبية، وبالتالي تشكيل قاعدة اجتماعية جديدة تقودنا نحو بناء عقل سياسي واجتماعي جديد، يتماشى والتحولات السوسيو اقتصادية التي يعيشها العالم في ظل النص الدستوري المرتقب وسيادة القانون والمساواة أمامه.
أقول لكل الرافضين للإصلاح و التغيير سواء من اجل مصالحهم الريعية، أو لأسباب تتعلق بثقافتهم وطبيعتهم، بإمكانهم تعطيل عجلة التاريخ لشهور، لسنين، لأجيال، لكنهم لا يمكنهم الوقوف أمامها لأن التاريخ وخاصة في هذه اللحظة المصيرية التي تتزامن مع ربيع المغرب يعتبر سيلا جارفا نحو الديمقراطية و الحداثة، وكل من حاول المقاومة سوف ينتهي بمزبلته حتما.
رغم ذلك نمد يدنا لكل من يريد ركوب قطار التنمية والإصلاح والتغيير، كيفما كان ماضيه وحاضره، لأن الوقت قد حان في نظري، لتقريب فكرنا من واقعنا، ولن يتم ذلك إلا بنفض و تنقية ما خلفه التاريخ والجغرافيا والثقافة والمجتمع عبر السنين، وصقل ما هو صالح وايجابي بوعي كبير، وأن نتصالح أيضا مع الزمن الذي نحيا فيه والوطن الذي نقيم فيه، إذ لا بناء ولا نماء بدون ذلك.
آن للمغربي اليوم أن يصالح نفسه وينسجم مع ذاته، مع ما هو نفسي و عاطفي وعضوي؛ و الأهم، في نظري، أن نستفيد من عبر التاريخ وأن نهادن بعضنا وأن نعيد كتابة تاريخنا الحقيقي نسبيا، وأن نحافظ على مختلف فسيفساء الثقافة المغربية بكل تلاوينها وأطيافها حتى يتمكن المغاربة من العودة إلى ذواتهم و كسب الثقة في أنفسهم، ثم التحرر و الانطلاق نحو الإبداع.
لن يتم هذا إلا برد الاعتبار لمختلف الفئات الاجتماعية التي ظلت طيلة القرن الماضي حبيسة جهلها و فقرها و بؤسها و تخلفها كفئات: الفلاح الصغير، التاجر الصغير، الصانع التقليدي والعامل البسيط... ثم إعادة بناء طبقة متوسطة نتمكن من خلالها تحقيق التوازن الاجتماعي المطلوب.
انطلاقا من هذا و لبلورة مشروع النص الدستوري على ارض الواقع، ولحمايته وصيانته، أقترح ربط مبادئه الأساسية وروحه بثلاثة أبعاد:
* البعد الفردي، هو أن يجد الفرد ذاته المنفردة في عمق النص الدستوري.
* البعد الجهوي، هو أن يجد الفرد في مشروع النص الدستوري محيطه الاجتماعي و الجغرافي والثقافي والتاريخي والاقتصادي و البيئي وكذلك السياسي.
* البعد الكوني، هو أن يتفاعل الفرد من خلال النص الدستوري بشكل لا إرادي وغير مباشر مع الفكر الكوني، اعتبارا للتراكم التاريخي والثقافي الناتج عن تلاقح وتفاعل الحضارات و الثقافات عبر العصور. وتحقيق هذا البعد مرتبط أساسا بسمو المواثيق والقوانين الدولية على القوانين الوطنية.
أي مشروع كيفما كان نوعه، وبالأحرى إذا كان يتعلق بمشروع النص الدستوري، لا يتضمن هذه الأبعاد الثلاثة فهو مشروع غير كامل و لن يعمر طويلا.
نحن محتاجون اليوم في ظل الوثيقة الدستورية المرتقبة إلى إعادة المشهد السياسي الوطني وفق شروط تراعي ما يقع على المستوى العالمي والمحلي، وتحترم التوافقات و مفهوم التراضي في استحضارا تام للسؤال الجهوي والإقليمي.
الحاجة كذلك من خلال هذه الوثيقة، تفعيل سؤال المواطنة وأجرأته على أرض الواقع بدون تخوف. كما أن المغرب قدره ومنتهاه أن يجد نفسه في سؤال المؤسسة، والمؤسسة هي التي تصنع المستقبل والأشخاص بائدون.
مشروع الإصلاحات السياسية والدستورية التي تحدثنا عنه في ما سلف يجب أن يكون المحرك لأي تنمية في أفق الاستحقاقات القادمة، لأن الذين يراهنون على تنمية اقتصادية أو ثقافية أو غيرها بدون خلفية إنسانية عميقة، تراعي الهوية المغربية في تفاصيلها التاريخية وتؤجل التنمية السياسية واهمون، والوهم لا يصلح في السياسة، السياسة أخلاق وممارسة وفعل عميق يستمد وجوده من الامتدادات الشعبية و الذاكرة الجماعية للمغاربة التي تحترم التنوع و هذا هو المنطلق.
حان الوقت ليبتعد الفاعل السياسي والاجتماعي على الاستثمار المادي في السياسة، لان هذا النوع من الاستثمار صفقة خاسرة عبر الزمان والمكان بكل أبعادهما الممكنة، الصحيح أن نستثمر في الفكر والمبادئ والقيم.
الحاجة أيضا من خلال هذا المشروع الإصلاحي الكبير، هي إعادة النظر في الخطاب السياسي وتطويره حتى نتمكن من خلاله بلورة النص الدستوري على أرض الواقع و القطع مع الخطاب السياسي الخشبي الذي يبتعد كل البعد على كل مظاهر الحياة و الواقع اليومي للمواطن المغربي، لأن اليوم هناك هوة عميقة بين الطبقة السياسية والمجتمع و ذلك بشهادة الجميع.
فالذي يملك ذكاء استراتيجيا في هذه البلاد، عليه أن يراهن على فكر المؤسسة، و على دعم العمل السياسي الحقيقي بدون إقصاء أو إلغاء و بكل التوافق الممكن لنصل في نهاية المطاف إلى تنمية يختلط فيها السياسي والتنموي والثقافي وهذا هو رهان الجميع و يكون الرابح الأكبر هي الأمة المغربية بكل تلاوينها وتفاصيلها وأطيافها.
يسوقنا هذا الحراك السياسي والنقاش الساخن و العميق إلى طرح السؤال : من هو الفاعل السياسي الجديد؟ وما علاقته بالمؤسسة التي تحتضنه؟ وإلى أي حد يتمكنا معا من تحويل النص الدستوري من مادته الجامدة، إلى مادة حية، يتماشى بشكل توافقي مع كل الفئات الاجتماعية ؟
ينص الفصل الثالث من دستور المغرب لسنة 1996 على ما يلي:
الأحزاب السياسية، والمنظمات النقابية، والجماعات المحلية، و الغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين و تمثيلهم.
أما بالنسبة للدستور الفرنسي لسنة 1958 في فصله الرابع ينص على أن الأحزاب والتنظيمات السياسية، تساهم في التعبير عن الاقتراع، و تقوم بالإنتاج الإيديولوجي وتساهم في تحديد السياسة الوطنية.
من خلال هذه المقارنة بين الدستورين يبقى دور الأحزاب المغربية في ظل النص الدستوري الحالي بعيد كل البعد عن الدور الحزبي الحقيقي المتعارف عليه في الدول الديمقراطية، و بالتالي يشكل عثرة دستورية وسياسية حقيقية أمام دمقرطة البلاد وتطورها، لأن الفاعل السياسي في الدول الديمقراطية مرتبط بالوصول إلى السلطة من اجل إنتاج ثروة تنافسية، ومتجددة، ومستدامة، والعمل على توزيعها توزيعا عادلا.
لقد حان الوقت للفاعل السياسي الجديد بالمغرب أن ينتمي إلى مؤسسة حزبية حقيقية حاملة لمشروع مجتمعي وخط سياسي وإيديولوجي واضح، والأهم أن يكون فاعلنا السياسي هذا هو أيضا يحمل مشروع مجتمعي حقيقي وواقعي يستمد شرعيته من مشروع حزبه، ومن خلال النص الدستوري وباقي القواعد القانونية المتوافق عليها. وفي المقابل ألا تكون الأحزاب المحتضنة للفاعل السياسي مجرد تنظيمات فئوية، أو إقصائية، أو انتهازية بل أن تعم الديمقراطية في تنظيماتها، وأن يلتزم الكل بقوانينها ومساطرها الداخلية، وأن تعطى الفرصة لكل الكفاءات والنخب الحزبية القادرة على بلورة المشروع المجتمعي الحزبي على أرض الواقع .
كما أن الأحزاب و خاصة منها التقدمية، مطالبة بإعادة الاتصال بالحركات الاجتماعية وبامتلاك الخطاب الاجتماعي إلى جانب الخطاب السياسي طبعا، لذا يجب أن تعود لقواعدها التنظيمية، وأن تقوم بنقد ذاتي، بل بثورة هادئة و حقيقية داخلية.
ثم أن تكون طموحاتها أبعد من الديمقراطية التمثيلية، و ذلك من خلال البحث عن آليات جديدة، ووضع مبادئ الديمقراطية التشاركية كآلية للعمل، وللأنشطة اليومية، ولاستقطاب كافة شرائح المجتمع، للاهتمام بالمجال السياسي، وبالتالي ضمانهم لحقوقهم الكاملة.
من خلال حركة 20 فبراير الشبابية والحراك السياسي، والاجتماعي لمختلف الفئات، أصبحنا أمام فاعل جديد مرتبط أساسا بما هو اجتماعي، يمتلك الفضاءات العامة، ويقدم خطابا جديدا، لا علاقة له بالخطاب السياسي والاجتماعي الكلاسيكي. يطرح مطالب واضحة وشرعية، ولا يفكر أبدا في التوافقات أو التوازنات. فنحن أمام مرحلة جديدة ومجهولة، وبالتالي نحن محتاجون إلى ثقافة تنظيمية جديدة، و خطاب سياسي جديد، و خاصة بعد أن التحقت أخيرا بهذه الحركة فئات مختلفة، كالسلفيين، وعائلات المعتقلين، ومتقاعدي الجيش، وصغار الفلاحين وغيرهم من أطياف المجتمع المغربي.
ولأكون اقرب إلى الواقع، ولتجسيد كل الأفكار التي وردت سابقا، سأسلط الأضواء على فاعل سياسي جديد يمزج بين البعد المحلي و الكوني و له القدرة و الرغبة و القوة للمساهمة في تحويل الخطاب السياسي الجامد، إلى خطاب سياسي حي، و بالتالي التمكن من تفكيك جدلية الفكر و الحياة.
انه الفاعل السياسي البيئي. إذا من هو هذا الفاعل؟ و ما علاقته بالتحولات السوسيو ثقافية التي يعيشها المغرب و العالم؟ و عن أي مشروع يتحدث؟
تطرق الخطاب الملكي الإصلاحي الأخير في أحد نقطه إلى توسيع مجال الحريات الفردية، و الجماعية، و ضمان ممارستها وتعزيز منظومة حقوق الإنسان بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والتنموية و الثقافية والبيئية.
إذا فالبعد البيئي حاضر في مشروع النص الدستوري المرتقب، بعدما كان غائبا في الدساتير السابقة،
وهذا جد ايجابي، إلا أن البعد البيئي ظل مرتبطا بحقوق الإنسان، بعيدا عن حقوق مختلف الكائنات المكونة للمنظومة البيئية، وبالتالي فهو يفتقد للكونية. كيف ذلك هذا ما سوف نتطرق إليه في السطور التالية:
نشأت الايكولوجيا، وهي علم البيئة في أواخر القرن 19،وهي مشتقة من الكلمة اليونانية أي منزل الأسرة .-oikos- تعرف حاليا بأنها العلم الذي يدرس العلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية والبيئة التي تعيش فيها.
و قد ارتبط علم الايكولوجيا بنشوء و تطور نظرية المنظومات العامة، والتي يتلخص مبدؤها الأساسي في المقولة الشهيرة:
«الكل أكثر من مجموع أجزائه المكونة له»
لان الميزة الأساسية للكل مقارنة مع مجموع أجزائه هي علاقات التفاعل بين مكوناته المختلفة.
يتضح من هذا أن علم الايكولوجيا يرتكز أساسا على العلاقات بين مكونات المنظومة البيئية. ويكاد يكون إجماع من طرف الباحثين اليوم، على أن خلل المنظومة البيئية يعود بالدرجة الأولى إلى الإنسان، الذي بلغت تأثيراته و ضغوطاته على النطاق الايكولوجي، حد تحوله إلى قوة جيولوجية هائلة وفق تعبير العالم الايكولوجي» ادوارد ولسون».
ولحل وفهم هذا الخلل البيئي ظهرت فروع علمية جديدة تعرف بالعلوم الخضراء، كما هو الشأن بالنسبة للكيمياء البيئية، والكيمياء الحيوية البيئية، والزراعة الحيوية، والهندسة البيئية...
كما ظهرت العلوم الإنسانية الخضراء، كعلم النفس البيئي والاقتصاد البيئي والتاريخي والنقد الايكولوجي.
إن الأزمة البيئية الحالية مرتبطة بالنظرة الحديثة إلى العالم الذي نشأت فيه، أي الغرب الأوروبي، وكذلك عبر امتدادها على بقية أنحاء العالم، وشكلت في الوقت نفسه نواة الحضارة الحديثة، وأسست لمختلف أنماط الحياة والاجتماع والتمدن.
إن فهم أصول الأزمة البيئية الراهنة يمر عبر نقذ هذه النظرة، وهذا يتطلب العودة إلى اللحظة الفلسفية التأسيسية للعصور الحديثة أي بالضبط إلى «ديكارت» والقسمة الثنائية التي أقامها بين جوهرين:
- الأنا المفكر.
- المادة الممتدة.
وتطورت هذه النظرية و بالتالي ظهرت ثنائيات جديدة كما هو الشأن بالنسبة:
- العالم و الإنسان مقابل الطبيعة.
- الذات مقابل الموضوع.
إذا فإثبات الأنا لوجوده كجوهر مفكر،متقدم يعني في الوقت نفسه انفصاله واستقلاله عن العالم/ الطبيعة. و هذا ما شكل الخروج الثاني للإنسان على الطبيعة بعد الخروج الأول الذي دفعته إليه قواه البيولوجية التي اكتسبها في سياق التطور.
وهكذا تحولت الطبيعة إلى آلة ضخمة هائلة و تحولت أسرارها و أرواحها إلى قوانين و قوى ميكانيكية من خلال الأنا كذات عارفة، قادرة على التوجيه إلى معرفتها و حيازتها، و التعرف و التلاعب بها، مما يؤدي بنا نحن البشر إلى أن نصبح سادة و مهيمنين على الطبيعة، وفق التعبير الديكارتي الشهير.
وأولى خطوات هذه المعرفة و السيادة امتلاك المنهج الذي يضمن اليقين، و أولى خطوات المنهج هي التحليل. و في حين أن الموضوع العالم/الطبيعة آلة ضخمة معقدة يمكن فهمها بتفكيكها إلى أجزائها و البحث في كل جزء على حدا، و هذا يعني أن الكل (الطبيعة) ما هو إلا تجمع من الأجزاء المتراصفة المرتبطة آليا، و ليس كليّة لها خصائصها، التي لا يمكن اختزالها إلى خصائص أجزائها.
إضافة إلى الفكر الديكارتي هناك نظريات و أفكار أخرى ساهمت إلى حد كبير في هيمنة و سيادة الإنسان على الطبيعة و تسخيرها لنزواته و غرائزه اللامنتهية كما هو الشأن بالنسبة لنظرية» داروين» و نظرية علم الوراثة لصاحبها «مانديل» إضافة إلى مفكرين آخرين « كفيورباخ»
و» نيتش».
إن انتقاد العقل الغربي و الحضارة الحديثة لا يعني أن الفلسفة البيئية معادية للعقلانية، بحيث نعرف ما حققته البشرية عموما بفضلها، و بالتالي فهذا النقد إنما هو خطوة أولى إذا ما أردنا بناء عقلانية جديدة متنورة بالمعرفة الايكولوجية.
كل هذا يدفعنا إلى فتح حوار و نقاش وازن من خلال مجموعة من الاستفهامات و الأفكار:
- هل الكائنات الغير بشرية مجرد مواد خام مركونة لإشباع الحاجيات و الرغبات البشرية؟
- هل أيضا الطبقات البشرية الضعيفة الغير المحضوضة مجرد مواد خام مركونة في فقرها و بؤسها لإشباع حاجيات و رغبات الطبقات البشرية الميسورة؟
- هل النساء مجرد مواد خام مركونة في ضعفها، في جهلها، في أميتها و فقرها لإشباع حاجيات و رغبات المجتمع الرجولي المستبد، المهيمن، الممارس للسيادة؟
- هل دول الجنوب مجرد مواد خام مركونة، مغلوبة على حالها، بكل مكوناتها و منظوماتها البيئية و بكل أشكال فقرها و جهلها و يأسها و بؤسها و تخلفها، كمادة خام لإشباع حاجيات و رغبات دول الشمال المهيمنة، المسيطرة الجائرة؟
- هل بإمكاننا نحن البشر، جعل كل الكائنات المنتمية إلى المنظومة البيئية متساوية في الحقوق و الواجبات؟ و إذا تم ذلك أين تبدأ حقوق وواجبات كل كائن؟
- هل القاعدة الأخلاقية البيئية المستقبلية، إذا تم التوافق من اجل إخراجها، موجهة للأجزاء المكونة للمنظومة البيئية أم موجهة إلى كل أجزائه المكونة له و المتفاعلة فيما بينها، أي المقاربة الكلية للأخلاق البيئية؟
- هل المجتمع العالمي مطالب بإيجاد قواعد أخلاقية بيئية تؤدي لمرحلة جديدة و نادرة تتمثل في أخلاق مشتركة كونية، لجميع الكائنات المنتمية للمنظومة البيئية، و بالتالي السير نحو بناء ما
يسمى بالدولة الكونية؟
لكن قبل التأسيس لهذه القواعد الأخلاقية البيئية الجديدة أليس من البديهي طي صفحة التأسيس النهائي و الشمولي لأخلاق بشرية مشتركة أي ما يعرف بحقوق الإنسان؟
و بالتالي التأسيس لمجتمع بشري يكون كل مواطنيه متساوون في الحقوق و الواجبات؟ و تحقيق ما يسمى بالمواطنة العالمية.
يقودنا هذا إلى الحديث عن مدى تأثير البعد البيئي على المدى القصير أو البعيد على الخطاب السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي من جهة، و كذلك على العلاقة بين الفكر و كل مظاهر الحياة، لأن البعد البيئي ليس فقط الاهتمام بالظواهر الطبيعية كالاحتباس الحراري و التلوث، بالإضافة إلى تدبير المياه و حماية الغابات...، بل هو بمثابة قوة جيولوجية هائلة سوف لا محالة يكون تأثيرها عميق على البشر و الشجر و الحجر. بل هو بمثابة الثورة الفكرية و العلمية التي أسس لها عصر الأنوار. و لن يتم تفكيك هذه العلاقة الجدلية بين الفكر و كل مظاهر الحياة إلا بإعادة الإنسان لحقيقة ذاته، و لن يدرك ذلك إلا بصهرها ضمن الطبيعة في شبه تواصل عميق معها، و تناغم تام، مع جميع العناصر المركبة لها صغرت أم كبرت. إلا أن الغاية المنشودة من معرفة الإنسان لذاته، ليست هي فصل الإنسان عن الطبيعة، بقدر ما هي التعرية عن الطبيعة الحقيقية في الإنسان، و تنقيتها مما علق بها من جراء التاريخ و الثقافة و المجتمع كما قال روسو في كتابه « أصل التفاوت بين البشر».
و في هذا دعوة إلى التخلي عن المواقف الانسناوية التي تطمس حقيقة الإنسان لشدة ما تعظم من شانه، واضعة إياه فوق كل الكائنات،و المبتغى انه على العلوم الإنسانية اليوم أن تضم جهودها إلى جهود العلوم الطبيعية لغاية دمج الثقافة في الطبيعة من جديد و الحياة في مجموع الشروط الفيزيائية و الكيميائية اللازمة لها.
و من بين النظريات التي تترجم هذا التحول نظرية التفاعلات؛ و معناها أن كل العناصر المكونة للمنظومة البيئية سواء كانت إنسان، حيوان، نبات، أو جماد، أو سواء كانت مرئية بالعين المجردة أو غير مرئية، لها قيمة خاصة و قيمتها هذه في وجودها، ووجودها مرتبط بعلاقاتها التفاعلية بين مختلف المكونات.
و تزامن هذا مع التخلي الرسمي من طرف المؤسسات الدولية المعنية بالأمر على مجموعة من النظريات كان لها دور رائد في عالمنا الحديث و في مختلف المجالات- كما اشرنا سالفا- كما هو الشأن بالنسبة لنظرية « داروين»، و القسمة الثنائية «لديكارت» و نظرية الوراثة «لمانديل» و من خلال هذا سوف يعرف الخطاب السياسي تحولا جذريا في العقود المقبلة.
يرتكز البعد البيئي على الرأسمال الطبيعي الغير المادي الذي لا يرتبط بعملية الربح و الخسارة المتعارف عليها في اقتصاد السوق الليبرالي، و بالتالي فالفكر اليساري في نظري هو الأقرب إلى هذا البعد، و بإمكانه جمع شتاته و تحقيق وحدته، و كذلك بإمكانه أن يكون نقطة التقاء مع مختلف المؤسسات السياسية أو المدنية، سواء منها الوطنية أو الدولية التي تتبنى البعد نفسه.
كما يمكن تسويق كل الاختيارات الإستراتيجية التي تبناها المغرب من أجل بناء دولة ديمقراطية حديثة، و التعريف بورش الإصلاحات السياسية و الدستورية التي تعيشها بلادنا حاليا، عبر انفتاح مؤسساتنا على مختلف المؤسسات الدولية التي تتبنى البعد البيئي في سياستها. و أن تكون هذه الآلية أيضا وسيلة للتعريف بمشروع الحكم الذاتي لأقاليمنا الصحراوية، و للدفاع عن وحدتنا الترابية.
وكذلك بإمكان البعد البيئي أن يكون وسيلة لاستقطاب فاعلين سياسيين جدد إلى مختلف مؤسساتنا الحزبية، سواء منهم الشباب أو الرافدين لمعانقة الفعل السياسي أصلا.
وكنتيجة لتطور المعارف البيئية و غيرها ستظهر علوم و معارف لا محال سوف تفرض نفسها في المستقبل القريب، كعلم الوراثة و علم الفيزياء الكمية وعلم الكيمياء البيئية و علم تكنولوجيا الأجسام المصغرة (النانو تكنولوجي و علوم النانو)،و هي معارف تستعمل أجسام صغيرة بأقل طاقة و أكثر فعالية. و من خلال هذه الثورة العلمية و التكنولوجية سوف يعرف العالم تطورا سريعا و باهرا ينعكس على الفكر و الحياة و كذلك في العلاقة التفاعلية بينهما و بين كل عناصر المنظومة الكونية.
سيظهر أيضا اقتصاد جديد بدت ملامحه تتبادر و هو ما يعرف بالاقتصاد الأخضر، و نجده في عدة ميادين : الطب، الصيدلة، الهندسة، الفيزياء، الكيمياء، و نراه بالعين المجردة في مشاريع الطاقة البديلة ، الفلاحة الخضراء، صناعة السيارات، السياحة الثقافية و غيرها و بالتالي المساهمة في التأسيس لاقتصاد تضامني منتج، و العمل على خلق فرص شغل جديدة حقيقية و منتجة تتماشى مع الملفات المطلبية المشروعة لشبابنا، و كل أفراد المجتمع.
فما أحوجنا أن يكون البعد البيئي حاضرا في النص الدستوري المرتقب بشكله الشمولي، و بأبعاده الكونية التي تحترم حقوق وواجبات كل الكائنات المكونة للمنظومة الايكولوجية، و أن يكون مصاحبا بآليات و مراسيم سلسة تكون أجرأتها ممكنة انطلاقا من الذاكرة الجماعية و الخصوصية المحلية،
و أن يكون البعد الجهوي وعاء حقيقيا و واقعيا للنص الدستوري .
نحن محتاجون أيضا إلى تشجيع البحث العلمي البيئي و تثمين نتائجه، و تشجيع التكنولوجيا الملائمة للمحافظة على البيئة، و تحقيق التنمية المستدامة. الحاجة كذلك إلى القيام بدراسات و تحاليل علمية عميقة، نظرية و ميدانية لكل الكائنات والظواهر المكونة للمنظومة البيئية، إضافة إلى تسهيل آليات الوصول للمعلومة البيئية.
نحن محتاجون في الأفق إلى قضاء بيئي، و مؤسسات تشريعية، و تنفيذية بيئية، إضافة إلى خلق ضرائب خضراء سواء كانت مادية أو معنوية أو تأديبية، للحد من المآسي التي تتعرض لها المنظومة البيئية بما فيها الإنسان، و مؤسسات مدنية أو حكومية، لتأطير المواطن على المواطنة البيئية، لأنها هي المستقبل. الحاجة أيضا أن يكون البعد البيئي حاضرا في خطاباتنا السياسية و الاجتماعية، وأن يكون حاضرا في النقاشات الحزبية التنظيمية، و كنقطة أساسية في مؤتمراتها الوطنية، و أن تتبناه الأحزاب مستقبلا كخيارات استراتيجيه.
الحاجة أيضا إلى التأسيس إلى فكر ديمقراطي بيئي تشاركي حقيقي ينطلق من مؤسسة الأسرة و المؤسسات التعليمية و باقي المؤسسات سواء منها المدنية أو السياسية.
و لتقريب القارئ من أمثلة حية لحماية المنظومة البيئية، تبنتها بعض النصوص الدستورية لبعض الدول؛ نأخذ على سبيل المثال حقوق المياه بالنسبة لجنوب إفريقيا، و الحق في التغذية السليمة و المتوازنة بالنسبة للبرازيل. هذا جد مهم و ايجابي، و كم سنكون سعداء إذا كانت هذه الحقوق منصوص عليها في مشروع وثيقتنا الدستورية، و لكن هذا لا يكفي في نظري لأن وجود الماء و باقي المواد الغذائية بطريقة مستدامة هو مرتبط بالحفاظ على التوازنات البيئية و حماية كل مكوناتها، لأن الأزمات التي يعرفها العالم و المتعلقة بنذرة المياه أو بنذرة المواد الغذائية هي ليست فقط نتيجة للضغط الديمغرافي، بل هي أساسا نتيجة اختلالات ايكولوجية كان للإنسان نصيب الأسد فيها.
هناك مثال آخر يتعلق بحشرة صغيرة في حجمها، و كبيرة في عطائها، الأمر يتعلق بالنحل.
فهي كائنات اجتماعية بطبعها، تقوم بوظائف جد مهمة سواء داخل الخلية أو خارجها، تلعب إلى حد كبير دورا طلائعيا في التوازنات البيئية، منها:
-المساهمة في عملية التلقيح و بالتالي الرفع من المنتوج الزراعي بحوالي أربعين في المائة، و يؤدي هذا إلى المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي.
-المساهمة في التنوع البيولوجي.
-المساهمة في الرفع من كمية الأوكسجين و التقليص من ثاني أكسيد الكربون، و بالتالي التقليص من ظاهرة الاحتباس الحراري، انطلاقا من دورها الأساسي في عملية التلقيح والتنوع البيولوجي.
-المساهمة في التنمية المحلية المستدامة و الرفع من دخل الفلاح الصغير وبالتالي محاربة الفقر و الهشاشة والتهميش وذلك من خلال منتوجها، ودورها في الرفع من المنتوج الفلاحي.
-المساهمة من خلال منتوج الخلية في العلاج و الوقاية من مجموعة من الأمراض المختلفة.
-كما أن سلوك الحيوان و منه النحل، أصبحت تتبناه بعض الجامعات الدولية في أبحاثها العلمية لفهم مكونات المنظومة البيئية المختلفة، و ليتمكن الإنسان من خلالها فهم ذاته و دمجها في الطبيعة.
من خلال هذا يتبين الدور الفعال لهذه الحشرة في الحفاظ على المنظومة البيئية، و لهذا يتطلب حمايتها و الحفاظ عليها من الانقراض و ذلك بمأسسة قطاع تربية النحل و منتوج الخلية في إطار مؤسسات تستمد مشروعيتها من النص الدستوري و باقي القوانين الوطنية و الدولية كما هو الشأن بالنسبة لنصوص و قوانين مجموعة من الدول، كالولايات المتحدة الأمريكية و ألمانيا و روسيا و الصين و كوبا و البرازيل...
إذا فما أحوج أحزابنا السياسية إلى هذا الفاعل البيئي الجديد، و ما أحوجنا أيضا أن يكون البعد البيئي حاضرا بقوة في روح النص الدستوري المرتقب و في مبادئه الأساسية، و ذلك لأهميته الآنية و المستقبلية. و كذلك لارتباط المغرب و التزامه بمجموعة من المعاهدات، و الاتفاقيات الدولية التي تنص على المحافظة على المنظومة البيئية.
كما أود أن أشير في الأخير أن الشعوب و الدول التي تبنت الخيار الديمقراطي و أبدعت فيه منذ زمن بعيد، تبحث حاليا على مجال أوسع لتطوير خيارها هذا، ومن بين الخيارات المطروحة:
التأسيس لما يسمى ب»الدولة الكونية»، يكون خلالها حضور قوي للبعد البيئي كما تطرقنا له سابقا، و ذلك طيلة القرن الحالي.
والدولة الكونية في حد ذاتها مرحلة حاسمة للوصول إلى تحقيق حلم ما يسمى ب»الدولة الفضائية» و ذلك في غضون القرن الثاني و العشرون (وكل هذا يبقى نسبيا). و هذه قصة أخرى سنعود إليها لاحقا بكل تفاصيلها الممكنة.
إذا فالطريق أمامنا لازال طويلا و شاقا، لتدارك ما فاتنا و الانطلاق نحو خيارات المستقبل، بكل أبعاده الاستراتيجية. و كما يقول المثل «طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة».
*عضو المجلس الوطني للحزب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
البعد البيئي والدستور
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** لسا نـــــــــــــــــــــــس ******** :: السنة الثالثة علوم سياسية ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات ) :: عـــــــــام-
انتقل الى:  
1